النفايات أو المهملات هي ببساطة كارثة وكنز ثمين في نفس الوقت، ابحث مثلاً عن موضوع النفايات في المحيط الهادئ وستجد أن هناك
مساحة هائلة تحوي نفايات ترميها دول مطلة على هذا المحيط، المشكلة أن التيارات البحرية تدور حول المحيط لتشكل مساحة في المنتصف تجتمع فيها النفايات، غالباً البلاستيك على اختلاف أنواعه وشباك الصيد، هذه تأثيرها كبير على البيئة وهناك مبادرات مختلفة لوقف رمي النفايات في البحر وفي نفس الوقت تنظيف المحيط منها.
هذه إحدى مشاكل "العصر الحديث" وآخر التقنيات، لدينا قدرة عالية لتصنيع أي منتج بهدف الترفيه عن الإنسان وإسعاده لكننا لا نتعامل جيداً مع نتائج هذه القدرة، خذ على سبيل المثال مقاهي ستاربكس، كم كوب يشرب الناس من قهوة سلسلة المقاهي العالمية كل يوم؟ الملايين، لا أعلم كم على وجه التحديد لكن الرقم موجود في مكان ما على الشبكة، تصور معي أن الشخص يشرب كوباً واحداً ويظن أنه مجرد كوب واحد لكنه في الحقيقة واحد من بين ملايين الأكواب التي تذهب إلى مكبات النفايات كل يوم، هناك برامج لإعادة التصنيع لكنها ليست عالمية وليست شاملة لكل شيء، لا زال جزء كبير من النفايات تذهب إلى المكبات.
هناك شعار يردده المهتمون بالبيئة وهو:
ترتيب الكلمات مهم، في البداية عليك أن تقلل من استهلاكك لأن هذا له أكبر أثر إيجابي على البيئة وعلى حياتنا، لا فائدة من إعادة الاستخدام وإعادة التصنيع بدون أن نبدأ أولاً في تقليل الاستهلاك، الكلمة الثانية تعني إعادة الاستخدام، والثالثة إعادة التصنيع، وهذا ما يهمني في هذا الموضوع.
إعادة التصنيع تعني إعادة تأهيل المواد لصنع شيء آخر، على سبيل المثال هناك مصانع تبحث في أكوام النفايات عن البلاستيك فتصنفه إلى أنواع ثم يمر كل نوع في عملية لتحويله لمادة جاهزة تباع لمصنع آخر يحولها لمنتج مثل ألواح بلاستيكية تجدها على أبواب السيارة من الداخل أو أغلفة لهواتف نقالة أو أنابيب مياه.
المواد على اختلاف أنواعها يمكن إعادة تصنيعها بدرجات مختلفة، بعضها يحافظ على جودته أثناء العملية وبعضها يفقد جودته مع كل عملية إعادة تصنيع، بعضها يمكن إعادة تصنيعه كلياً وبعضها لا يمكن إلا إعادة تصنيع جزء صغير منه، بعضها يحتاج لطاقة كبيرة وبعضها - مثل الألمنيوم - لا يحتاج إلا لجزء صغير من الطاقة لإعادة استخدامه.
هنا يمكن للبعض أن يفهم لماذا النفايات كنز ثمين، فكر في الأمر، أطنان من البلاستيك والورق والمعادن على اختلاف أنواعها تذهب إلى مكبات النفايات فتسمم الأرض وتفسد الهواء وتنشر الأمراض خصوصاً أن كثيراً من دول العالم لا يهتم بفصل أنواع النفايات فيضع العضوي مع غير العضوي في عصيدة واحدة ثم يدفنها في الأرض على أمل ألا تسبب ضرراً في المستقبل أو ربما تتحول لنفط بعد 100 مليون سنة!
من الأفضل إعادة تصنيع المواد بدلاً من استخراج مواد جديدة من باطن الأرض، من الأفضل إعادة تصنيعها بدلاً من رميها في المحيطات والأنهار أو دفنها، البعض يقف ضد إعادة التصنيع لأسباب مالية، أي لأنها تكلف - في بعض الأحيان - أكثر من استخراج مواد جديدة، لكن هذه حماقة مادية لا تنظر بعيداً، الموارد ستنتهي وهي ليست متجددة كما يزعم البعض، عندما تقطع الأشجار بمعدلات تفوق معدل نموها بكثير فهذا ببساطة يعني أن الغابات ستختفي من الوجود لو استمر الوضع كما هو عليه الآن.
نوكيا تقدم أمثلة
هنا تبدأ مشكلة، عندما نتحدث عن الحفاظ على البيئة من المفترض أن نشجع على عدم الاستهلاك من البداية، فلماذا الحديث عن شركة أنتجت مئات الملايين من الهواتف النقالة المنتشرة حول العالم وكل هاتف نقال يأتي مع شاحن يستهلك الكهرباء حتى لو لم يكن يشحن بطارية الهاتف.
يمكن لنوكيا وغيرها من الشركات أن تحدث تغييراً كبيراً بتنفيذ خطوات صغيرة وبسيطة، ونوكيا قدمت أمثلة لذلك وأتمنى أن تسير خطوة للأمام وتنفذ هذه الأمثلة على أرض الواقع، الناس لن يتوقفوا عن شراء الهواتف وغيرها من الأجهزة والسيارات، لذلك من الأفضل تقديم شيء يساهم في الحفاظ على البيئة أو يقلل من الاستهلاك للطاقة والمواد.
نموذج Nokia Remade هو مثال رائع لما يمكن فعله بالنفايات، كل شيء في هذا الجهاز صنع من مواد إعيد تصنيعها، الألمنيوم جاء من علب عصير فارغة، المطاط من إطار سيارة، البلاستيك من عبوات ... بلاستيكية! والأجمل من كل هذا أن الجهاز يعمل فعلياً وليس مجرد نموذج.
الشاشة مصممة للعمل بالأسود والأبيض وهذا يعني توفيراً كبيراً للطاقة، لكن هناك فكرة لوضع شاشة شفافة فوقها تعمل بالألوان عند الحاجة فقط، هكذا تجمع نوكيا بين ميزات الشاشاتين، لست متأكداً من أن هذه الفكرة طبقت لكنني أتمنى من كل قلبي أن أراها قريباً.
تصور معي أن نوكيا تغير خط إنتاجها في كل مصانعها لتتحول إلى مصانع تعيد استخدام مواد كان مصيرها مكب النفايات، ملايين الهواتف النقالة التي لن تضيف أطناناً جديدة من القمامة بل ستساهم في تقليل كميات النفايات، تصور لو أن كل مصانع الإلكترونيات حول العالم تفعل ذلك سيكون هذا أثره إيجابياً من عدة نواحي.
فكرة أخرى من نوكيا تدور حول هاتف يستخدم لمدة طويلة، بمعنى آخر هاتف يمكن استخدامه 25 عاماً بدون الحاجة لاستبداله، لفعل ذلك لا بد من تصميم أنيق ومواد عالية الجودة وتصميم هندسي يساعد على صيانة الهاتف بسهولة وخدمات رقمية يمكنها الاستمرار لعقود في خدمة الزبون، لو كان هناك شيء مثل هذا الهاتف لاشتريته لأنني أفكر حالياً بعدد الهواتف التي اقتنيتها ... أظن أنها تزيد عن السبعة، صحيح أنها ذهبت لأشخاص آخرين لكن أرغب في هذا الهاتف الذي لن أحتاج لغيره، هذه صورة لنموذج نوكيا للهاتف الذي يمكن أن يستخدم لعقود:
أخيراً هناك فكرة لشاحن البطارية، هذا الجهاز الصغير يستهلك كمية قليلة جداً من الكهرباء إن كان موصولاً بمقبس كهرباء، لكن تصور أن ملايين الناس يبقونه هناك يعمل لساعات طويلة بدون الحاجة لذلك، هناك طاقة كبيرة تستهلك بدون فائدة، لذلك صممت نوكيا شاحن كهرباء يتوقف عن العمل بعد ساعة وهو وقت كافي لشحن أي هاتف.
ابحث عن nokia remade في غوغل وستجد عديداً من المقالات بعضها يشرح بالتفصيل نقاطاً حول كل فكرة، الشيء الوحيد المخيب للأمل في كل هذه الأفكار أنها لم تطبق ولا زالت أفكاراً.
فكر جيداً واسأل نفسك: ما الذي يمكن فعله بالقمامة؟ إن كانت نوكيا قادرة على تصميم هاتف أنيق من مواد مهملة فماذا يمكن للآخرين أن يفعلوا؟ ماذا يمكنني أن أفعل؟