30 أبريل, 2010

وإن لم ينفع الأدب معهم؟

أشترى مكيفاً من متجر كبير للإلكترونيات والأجهزة المنزلية، جاء المكيف بعد يومين وبدأ العمال في تركيبه وبعد ساعتين أنتهى عملهم، شغلوا المكيف فانفجر "الكمبريسر" واحترق، أجروا صيانة عاجلة وشغلوه مرة أخرى لكن لوحة مفاتيح الكهرباء الرئيسية توقف تزويد المكيف بالطاقة لأن هناك مشكلة فيه، كلما ظن العمال أنهم أنجزوا الصيانة يتكرر الأمر، وصل أحدهم إلى قناعة أن المشكلة في الكهرباء، المشتري لم يقتنع بكلامهم وجاء بخبير صيانة مكيفات الذي تأكد أنه لا توجد مشكلة في الكهرباء بل في المكيف الجديد والكمبريسر المحترق، فأراد المشتري تبديل المنتج بآخر فلم ترضى الشركة، ذهب إلى حماية المستهلك لكنه لم يجد نتيجة.

ماذا عليه أن يفعل؟

هذا موقف قد يحدث في الإمارات أو السعودية أو مصر أو أي بلد من بلداننا، الشركات تستطيع أن تظلم المستهلك في حين أن المستهلك ليس لديه وسيلة لأخذ حقه أو الوسائل المتوفرة صعبة وتأخذ وقتاً طويلاً، وحتى الشكاوي في الصحف لا تنشر أسماء الشركات التي تمارس الظلم في حق المستهلكين، بل أنا شخصياً ترددت أكثر من مرة في كتابة أسماء شركات تعاملت معها ولم تعجبني خدماتهم ولم يعجبني أسلوب تعاملهم مع مشاكل منتجاتهم.

جانب من ترددي يعود لمعرفتي أن هناك أناس سيعتبرون الأمر سوء أدبي مني فلا يحق لي أن أذكر اسم الشركة وسيذكرونني بأن علي أن أتعامل مع المشكلة بهدوء وسرية بعيداً عن المدونة وعن أي وسيلة إعلامية أخرى، وإن كتبت عن المشكلة فعلي ألا أذكر اسم الشركة أبداً، كأنهم يريدونني أن أقول: يا ناس! ظلمتني شركة لكن ما أقدر أخبركم اسمهم ... آسف!

عندما يحدث الخطأ أول مرة سأعتبره خطأ بغير قصد وأنساه، عندما يتكرر مرة ثانية أتضايق لكنني أتجاوز، عندما يحدث ثالث مرة سأكون أحمقاً إن تجاوزت عنه، لماذا أسامح الشركة التي أخطأت في حقي ولم تقدم خدمة بالمستوى المتوقع منها؟ الشركة ليست فرداً، ليست صديقاً أو قريباً بل هي كيان رسمي يتحمل مسؤولية قانونية وأخلاقية ومن الخطأ معاملة هذا الكيان كإنسان، الحديث عن خطأ مؤسسة ما علناً لا أجد فيه مشكلة أو فضيحة، الشركة أخطأت إذاً الشركة تتحمل مسؤولية إصلاح الخطأ وإن لم تفعل فالنقد الموجه لها يجب أن يستمر إلى أن تصحح الخطأ.

النقد العلني للشركات أمر يجب أن نعتاد عليه خصوصاً أن المستهلك ليس لديه الوسائل الكافية لإرجاع حقه، ثم من المفترض أن تعرف الشركات أنها إن تمادت فهناك أناس سيعرفون وسمعتهم ستتأثر وبالتالي ربما تجارتهم وأرباحهم، إن لم يكن الأدب والحوار الهادئ ينفع مع كثير من الشركات في بلداننا فلا بد من العين الحمراء.

من الآن فصاعداً، أي شركة تخطأ في حقي أو حق آخرين ولا تصحح الخطأ أو تعتذر سأضع اسمها، أظن أنني سأبدأ بشركات المكيفات فما يدور بيني وبينهم لا يمكن وصفه بأقل من قصة ملحمية!

27 أبريل, 2010

اليأس كفر

إن كنت أحد هؤلاء المتفائلين دوماً فيمكنك تجاوز هذا الموضوع لأنه ليس موجهاً لك بل موجه لمن يأس أو بدأ في السير على طريق اليأس.

عزيزي المكتئب اليآس، قبل أن تقرأ موضوعي أرجو أن تشاهد هذا المقطع:



أنا أستحي من نفسي عندما أتذكر أن هذا الرجل بلا أطراف وهو في رأيي أكثر نجاحاً مني لأنه ينشر رسالة حول العالم ويريد أن يزرع الأمل في قلوب الناس وقد نجح في ذلك ووصل صوته للعالم، الله أعطاني الصحة والعافية وجسماً سليماً بلا عيوب وعائلة كريمة ومع ذلك أنا أشعر بأنني لم أحقق 1% مما يمكنني فعله، لكسلي وضعف همتي.

أتظن أنك تعاني من مشكلة؟ أتظن أن الأبواب أغلقت في وجهك ولم يعد هناك أمل؟ لا يحق لك أن تشعر باليأس! اليأس رفاهية لا نملك ثمنها في الوطن العربي، إن لم تبذل كل طاقتك وتحاول لا يحق لك أن تيأس، حتى لو حاولت ولم تنجح لا تيأس، أنت حاولت وهذا لدي هو نجاح بحد ذاته، هناك آلاف الناس الذين لم يفكروا حتى بالمحاولة.

النجاح أمر نسبي، عندما تقرأ قصص النجاح فلا تظن أن أحداً يطالبك بأن تكون بيل غيتس العرب، قصص النجاح لا تروى لأن الرواة يريدون من الناس أن يصبحوا نسخاً من الناجحين في قصصهم بل لكي تتعلم من القصص شيئاً واحداً فقط: لا تيأس، حاول مرة أخرى.

في بلادنا العربية الأوضاع صعبة وتتفاوت من بلد لآخر، يمكننا أن نلقي اللوم من اليوم وحتى يوم الآخرة على الحكومات لكن هذا لن يحل المشكلة ثم لنكن صرحاء، نحن الشعوب لدينا من المشاكل ما يكفي ونحن سبب في كثير من مصائبنا، لذلك دع الحكومة جانباً، على الأقل حتى آخر هذا الموضوع ولنركز أكثر عليك أنت.

إن كنت تعاني من مشكلة - وأنت في الغالب تعاني من مشاكل - فعليك أن تنظر أولاً في مرآة لأن ما ستراه هناك هو أول مشكلة: أنت! خذ على سبيل المثال مشكلة صغيرة لدي، مستوى صحتي لا يسرني فأنا سمين وازداد وزني في الأسابيع الماضية وزارتني عدة أمراض في الأسابيع الماضية ومؤخراً أصبت بتسمم من طعام لم يعد في منزلنا، يمكنني أن ألقي اللوم على البيئة المحيطة بي وصدقوني هناك 100 سبب في هذه البيئة تجعلني لا أهتم بصحتي، مع ذلك ... مع ذلك ... أنا الوحيد المتهم وأنا الوحيد المسؤول عن صحتي وأنا الوحيد الذي يمكنني تصحيح هذا الوضع، علي ألا أنتظر من الآخرين أن يهتموا بصحتي أكثر مني.

كذلك أنت، عليك ألا تنتظر الآخرين أن يهتموا بك أكثر من نفسك، إن كانت لديك مشكلة فعليك أن تواجهها أو تتهرب منها لكن لا تلقي باللوم على البيئة، أنت الملام وأنت تتحمل مسؤولية نفسك.

ربما فرضت عليك العائلة تخصصاً لا يعجبك أو عملاً لا تريده، لديك خيارات هنا ولا تظن أنك مجبر على شيء، واجه الأسرة الكريمة وأخبرهم أنك لن تكون سعيداً بما اختاروه لك، إن لم تكن لديك الشجاعة الآن لفعل ذلك ستضيع سنوات من عمرك، لدي إيمان أن الأسرة لها الحق في التدخل في كثير من شؤون الفرد لكنها لا تملك الحق في تقرير أمور مثل العمل والزواج والدراسة، لأن هذه أشياء شخصية إن لم يرغب فيه المرء فإجباره لن يعود بفائدة عليه أو على العائلة.

لعلي أبسط الأمر أكثر من اللازم هنا، لأنني أعلم أن البعض لن يستطيعوا مواجهة الأب أو الأم، هؤلاء ربما بحاجة لمساعدة من الآخرين فليبحثوا عن مساعدة، ليتدخل شخص من العائلة أو صديق للعائلة.

ربما مع كل هذا لن يحدث شيء، ربما المرء مجبر لظروف مختلفة على عمل لا يحبه فماذا يفعل؟ لنعد لقصص الناجحين، كثير منهم بدأوا في مجالات لا يحبونها لكي يجمعوا شيئاً من المال أو يكتسبوا خبرة، ثم لا شيء يبقى على حال ما إلى الأبد، الأمور تتغير من وقت لآخر وهذا لوحده يجب أن يكون داعياً للتفاؤل.

ثم هناك موضوع الخطوة الواحدة كل يوم، يمكنك أن تبدأ صباحك بالنكد والتعاسة والهم ويمكنك أن تسأل نفسك: ما الذي يمكنني فعله اليوم لتحسين حياتي؟

النجاح ليس نتيجة بل طريق عليك أن تسلكه وعادة يومية يجب أن تعتاد عليها، كما تتناول الطعام كل يوم عليك أن تتنفس النجاح كل يوم، أو بالأحرى عليك أن تتنفس الأمل كل يوم، على المستوى الشخصي يمكنك فعل الكثير في ما يتعلق بتعليمك وصحتك وعلاقاتك، على مستوى الناس يمكنك أن تؤثر بكلامك سواء باللقاءات الشخصية أو المحاضرات أو المقالات، على مستوى المجتمع يمكنك أن تؤثر من خلال العمل الدائم على توصيل أفكارك للآخرين، ففكرة اليوم تزرعها قد تحصد ثمرها اليوم أو يحصد الناس ثمرها بعد أن ترحل أنت عن الحياة، لم تشاهد الثمرة لكن لك أجرها إن كانت نيتك نقية صحيحة ... نعود للنية، صلي على رسول الله ... عليه الصلاة والسلام ... ألم يقل إنما الأعمال بالنيات، كل شيء يبدأ من القلب، من هذه النقطة ترسم الطريق فإن كنت تريد الخير ستسير على طريقه وإن كنت تريد اليأس ستسير على طريقه وقلبك هو الحكم.

نقطة أخيرة، إن قررت بعد كل هذا أن تكون يائساً وترى أن التفاؤل حماقة وغباء فلا بأس، من حقك أن تقول أن المتفائلين مغفلين أغبياء يضحكون على أنفسهم وعلى الناس يخدعون أنفسهم والناس فاشلين ... إلخ، من حقك أن تؤمن بكل هذا وأكثر، لكنني أدعوك إلى أن تترك المتفائلين في حالهم، فمن لا يعمل عليه أن يصمت ويترك من يعمل لينجز العمل، سيكون من طيب أخلاقك أن تترك يأسك لنفسك لأن اليأس مرض معدي وأنا لا أريد أن أصاب به.

25 أبريل, 2010

كتاب: الطريق الأبسط لاستخدام الويب بفعالية

هناك نوعان من الناس، أناس ينجزون الأشياء، وأناس يدعون أنهم ينجزون الأشياء، الفريق الأول أقل ازدحاماً.
— مارك توين
سئمت من أن أكون من الفريق الذي يدعي أنه ينجز شيئاً، خلال السنوات الماضية تعلمت أموراً مختلفة عن نفسي، فمثلاً لا يمكنني العمل على أكثر من مشروع واحد، إن كان هناك علي إنجازه فأفضل وسيلة لفعل ذلك أن أعمل على إنجاز العمل بدون توقف لأي شيء آخر إلا الصلاة والشاي وربما الطعام، هكذا كنت أعمل في الماضي وقد حاولت أن أقنع نفسي أنني أستطيع إنجاز أسطورة تعدد المهام لكنني رفعت راية ناصعة البياض منذ وقت طويل.

على أي حال، بالأمس طرحت على نفسي تحدي أمام الناس في تويتر، وسيلة لكي أحرج نفسي فوعدت أنه في تمام الساعة الرابعة مساء بتوقيت الإمارات سأعلن عن كتيب صغير، فكرة الكتيب ظهرت منذ أن أوقفت مدونة الطريق الأبسط، وقد أنجزت العمل وهذا هو الرابط:

2shared.com، اضغط على Click here في أسفل المربع.
anyhub.net، اضغط بالزر الأيمن واحفظ الملف.
4shared

الكتاب كان في البداية كتيباً لكنني رأيت أن أجعله كتاباً وهذه نسخة 0.1 منه، أي نسخة أولى ستتبعها نسخ مقبلة، الكتاب قصير وفي الحقيقة هو مقالة قصيرة الآن وتسميته بالكتاب مبالغة حالياً، على أي حال، ما أخطط لإضافته في المستقبل هو:
  • كيف تتعامل مع البريد، لن أضيف هذا القسم إلا بعد أن أستطيع التحكم ببريدي الإلكتروني وقد بدأت في فعل ذلك.
  • قسم خاص لإضافات مختلفة غير إضافات منع الإعلانات، مثل Greasemonky وstylish وغيرها.
  • قسم 5 نصائح أريده أن يصبح 10 أو 20 نصيحة ويمكن إضافة المزيد.
  • يمكن إضافة المزيد لقسم Bookmarklet
  • ويمكن كذلك توسعة القسم الذي يتحدث عن RSS.
لم يكن الوقت كافياً لإضافة مزيد من المحتويات، الوقت الذي أعطيته لنفسي كان أقل من 24 ساعة تخللها ساعات النوم وتناول الطعام، في الليل وصلت لمرحلة لم أعد أستطيع فيها الكتابة ولذلك توقفت وأخذت راحتي وعدت لكن الوقت المتبقي لم يكن كافياً.

أعلم أن المحتويات قليلة، أعلم أن الكتاب ناقص وأنني أستطيع فعل المزيد، مشكلتي إنني إن لم أعرض عملي مبكراً فلن أعرضه أبداً، بوضعي العمل كما هو ناقص الآن أجد رغبة في إكمال النواقص وتحسين العمل ووضع نسخة 0.2 ثم نسخة 0.9 ثم النسخة الأخيرة 1.0 التي ستحوي كل شيء أريد أن أتحدث عنه، النسخة الحالية لا ترضيني أبداً.

على أي حال، في اننتظار آرائكم وما يمكن إضافته، الكتاب سيطرح فقط بنسخة HTML، لا PDF ولا غيرها من الصيغ الأخرى.

23 أبريل, 2010

فكرة: المحلات المؤقتة

ليست فكرة جديدة ولا مميزة، لكنها نادرة ولم أرى تطبيقاً لها في بلادنا أو في بلدان أخرى، ربما نفذها شخص ما في مدينة ما لكنني لم أسمع عنها وهنا المشكلة في تسويق الفكرة، كيف سأسمع عنها إن لم يسوقها صاحب الفكرة؟ على أي حال، أرى أن كل مدينة يجب أن تحوي مكاناً أو أماكن لمن يريد ممارسة البيع لكن بشكل مؤقت.

تصور أنني أريد التخلص من بعض المقتنيات في المنزل، سأبيعها في هذا السوق المؤقت، أذهب إلى إدارة السوق وأطلب منهم مساحة فيعطوني بطاقة رخصة بيع لمدة أسبوع مثلاً ومحلاً صغيراً ومفاتيح للمحل مقابل مبلغ صغير، يمكن أن يكون السوق مفيداً لأصحاب الحرف، لمن يريد تعلم التجارة بالممارسة لكنه لا يريد أن يبدأ برخصة تجارية رسمية وتكاليف كثيرة، ويمكنه أن يكون مفيداً لفئات أخرى.

المهم في الفكرة هنا تخفيض تكلفة الحصول على محل مؤقتاً لأقل حد ممكن، والتكلفة لا تعني المال بل حتى الإجراءات فمن المفترض ألا يحتاج الشخص إلا لخمس دقائق لكي يحصل على مكان يمارس من خلاله البيع، سواء أراد أن يستخدم المكان لأربع ساعات أو أسبوعاً يجب أن تكون الإجراءات بسيطة والتكلفة منخفضة.

يمكن توسيع الفكرة أكثر بتنظيم مناسبات مختلفة، أسبوع مخصص لأصحاب الحرف التقليدية مثلاً، أيام لثقافة بلد، أسبوع نسائي بحت، التسوق للنساء والبيع للنساء والرجال يمنعون من الدخول، أسبوع رجالي! لم لا؟ الباعة من الرجال والمتسوقون من الرجال ولا مكان للنساء، هل هذه فكرة غير معقولة؟

أعلم أن هذه الفكرة طبقت وربما لا زالت تطبق في دبي، لا أدري أين ولا متى حدث ذلك، أتذكر أنني قرأت خبراً عن السوق في صحفنا قبل سنوات، على أي حال، من المفترض أن توسع الفكرة لتشمل كل المدن في كل البلدان العربية.

ما تعلمته وما تستخدمه

ضع قائمة بالأشياء التي تعلمتها في المدرسة والجامعة، كل شيء تعلمته واكتسبته من التعليم ضعه في هذه القائمة، ماذا تنتظر؟ إفعل ذلك الآن ... سأنتظرك هنا!

هل فعلت؟ جميل، إن كانت قائمتك قصيرة فربما عليك التفكير أكثر أو عليك أن تعترف أن المدرسة لم تعلمك الكثير فما نسيته لا يعتبر شيئاً تعلمته، وإن كانت قائمتك طويلة أو قصيرة فضع خطاً فوق كل مهارة أو معلومة لا تستخدمها اليوم في حياتك اليومية، ما الذي تبقى لديك؟

المدرسة هي مؤسسة ممولة بمال عام لتعمل كآلة غسل مخ 12 عاماً لتعلم الطلاب سماع الأوامر واتباعها وتنفيذها، تعلمهم تسجيل الملاحظات، الاندماج مع القطيع في نظام لا أحد يفهم جيداً هدفه النهائي، السير مع التيار العام وممارسة ما يمارسه الآخرون وعدم التفكير في الخروج عنه، المدرسة في نهاية المطاف تسلم الطالب - المغسول جيداً - إلى الجامعة التي ستعطيه شهادة بعد سنوات لكي يعمل، ولماذا يعمل؟ لك يحصل على المال، ولماذا يريد المال؟ لأن المجتمع يفرض عليه أموراً كثيرة، شراء سيارة، إعداد بيت، شراء مستلزمات وكماليات مختلفة، ممارسة الاستهلاك ولكي يفعل ذلك لا بد من عمل ولكي يعمل لا بد من شهادة تقول أنه امضى أعواماً في مدرسة وجامعة.

النظام التعليمي أداة للسيطرة وتكوين الفرد لكي يكون فرداً في قطيع لا أن يكون شخصاً مستقلاً له رأي، الأشخاص الذين يخرجون عن القطيع يأتون بالمشاكل، هؤلاء السابحون عكس التيار يتسببون في صداع للآخرين، هؤلاء الذين يعلوا صوتهم في نقد ما هو خطأ وغير منطقي يزعجون الآخرين، والناس من حولهم سيحاولون إسكاتهم أو إبعادهم لأنهم لا يريدون من أي شخص أن يجعلهم يتغيرون، التغيير صعب، التغيير سيواجه بمقاومة صلبة، التغيير مؤلم.

بسبب التعليم لدينا كثير من الناس يسبحون مع التيار وقلة تسبح عكسه، أنظمة التعليم لا تعلم، أنظمة التعليم تمارس غسيل الأدمغة.

سعادتك في خبراتك

كثير من الناس ينفقون أموالاً لم يجنوها لشراء أشياء لا يحتاجونها لإبهار أناس لا يحبونهم.
— ويل روجرز
إلى أي مدى يمكن للإنسان أن يشعر بالنقص لكي يكمل نفسه بحذاء أو هاتف أو سيارة؟ لا أستطيع أن أفهم سعي البعض أو كثير من الناس للبحث عن قبول الآخرين من خلال المظهر، ربما ليس لدي القدر على استيعاب هذه الفكرة، وفي الحقيقة لا أرغب في استيعابها.

مؤخراً قرأت عن دراسة تؤكد أن شراء الأشياء لا يجعلنا سعداء بل اكتساب الخبرة، أي أن الإنسان كلما جرب وقرأ وتعلم واكتسب خبرات مختلفة كان أكثر قابلية لأن يكون سعيداً أكثر من الشخص الخامل الذي يرضى بحياة رتيبة، لكن هل نحن بحاجة لدراسة لتخبرنا ذلك؟ ألا نعرف ذلك عملياً؟ عندما يسافر الإنسان لبلد جديد ويتعرف على ثقافة مختلفة يعود بخبرة وذكريات، وإذا فعل ذلك أكثر يزداد رصيد خبراته وتجاربه وذكرياته المختلفة، وإذا تعلم الشخص لغة ثانية وثالثة ازداد غنى تجربته لأنه قادر على التواصل مع عدد أكبر من الناس وتعلم اللغة رياضة عقلية تفيد العقل لأنها تبقيه نشطاً.

ما يحتاجه كثير من الناس هو النظر إلى دواخلهم لا إلى الآخرين، أن يبحثوا عن القبول من الداخل لا من الآخرين.

22 أبريل, 2010

بالمكيفات يا ذكي!

لا زلت أذكر وجه مدرس الاجتماعيات في الصف الرابع أو الخامس الابتدائي، مادة الاجتماعيات هي خليط بين التاريخ والجغرافيا والتربية الوطنية وأتذكر أن الطلاب يدرسونها منذ الصف الرابع وحتى السادس وكان يدرسها في ذلك الوقت مدرس واحد طويل القامة، شعر رأسه يقف بأناقة ومنسق بما يناسب الموضة في أوائل التسعينات وحاجباه كثيفان ثقيلان أما وجهه فطويل وله ذقن رفيع دقيق وتحت أنفه شارب مستقيم.

غبت عن المدرسة في أحد الأيام ولا أذكر لماذا، في الغالب ليس لدي عذر لفعل ذلك فقد كانت كراهية المدرسة عذر كافي بالنسبة لي في تلك الفترة، في اليوم التالي كانت لدينا حصة اجتماعيات وكان المدرس يراجع في أول الحصة ما أخذه الطلاب في حصة يوم الأمس، سأل عن الفرق بين المناخ والطقس، وسأل عن مناخ الإمارات ثم سأل عن كيفية تبريد وتلطيف هذا الجو فرفعت يدي بحماس، من منا لا يعرف كيف نفعل ذلك؟ الزراعة بالتأكيد يمكنها أن تلطف الجو، أليس كذلك؟

لا! المدرس سمع إجابتي فجاء بوجهه الطويل وكاد ينطحني بجبهته وقال مستهزئاً يهز رأسه "بالمكيفات يا ذكي!" أبعدت نفسي بقدر المستطاع عن المدرس مستغرباً ردة فعله، أليست إجابتي منطقية؟ ألا تخفف الأشجار من حدة الحر؟ لم يكن هذا يهم المدرس بقدر اهتمامه بأن تكون الإجابة موافقة لما نقرأه في الكتاب المدرسي، أي إجابة أخرى لا تهم حتى لو كانت صحيحة.

دعوني آخذ هذه المعلومة الصغيرة - التبريد بالمكيفات - وأحاول تخيل طرق مفيدة أكثر لإيصال هذه المعلومة للطلبة، يمكن للمعلم أن يقدمها مباشرة بدون أي مقدمات، كأن يقول: بلادنا حارة ونحن بحاجة لتبريد المباني ولذلك نستخدم - يشير إلى مكيف الفصل - المكيفات لتلطيف الجو.

الأسلوب الآخر الذي يتبعه بعض المعلمين هو محاولة بث الحماس في الطلبة لكي يفكروا قليلاً، يطرحون أسئلة ويرمون ببعض التلميحات ويحاولون فعل ذلك خلال الوقت القصير للحصة، لكن كثيراً منهم لا يملكون صبر سقراط ولا الوقت المتوفر لسقراط، لديهم مادة تعليمية عليهم أن يضعوها في ذهن الطالب قبل جرس نهاية الحصة، لذلك النتيجة هنا ليست أفضل بكثير من أسلوب التلقين المباشر.

الأسلوب الثالث يشبه الثاني لكنه أكثر صبراً، يخطط الأستاذ لطرح أسئلة تقود الطلاب إلى الإجابات وإن لم يصلوا للإجابة يسلك طريق أسئلة أخرى حتى يصلوا للإجابة، وإن وصلوا أو لم يصلوا يخبرهم أن عليهم زيارة مكتبة المدرسة لقراءة الكتب الفلانية والبحث عن إجابات فيها ثم يعد درساً آخر يعرض فيه صوراً لمباني تستخدم تقنيات مختلفة للتبريد، مثل استخدام العوازل الحرارية، الغطاء الشجري، استخدام مواد طبيعية للبناء، الأسقف الخضراء، ثم يحاول بأسلوب الأسئلة أن يجرهم نحو إدراكهم للعلاقة بين استهلاك الطاقة والتبريد باستخدام المكيفات وعلاقة كل هذا بالبيئة.

الأسلوب الرابع يمكن أن يكون بهذا الشكل: المدرس يعطي الطلبة عناوين كتب ومصادر حول الموضوع، يطلب منهم تشكيل مجموعات وكل مجموعة تحوي من 5 إلى 7 طلاب، ويطلب منهم كتابة بحث وعرض تقديمي واقتراح مشروع لتنفيذه في المدرسة أو المدينة، يترك لهم حرية البحث وكل ما عليه فعله هو توجيههم نحو الإجابات لا تلقينهم، يصحح لهم أخطائهم ويقودهم إلى الطريق الصحيح أو الطرق الصحيحة لأن هناك عشرات الإجابات الصحيحة وليست واحدة، والتقييم هنا يكون على أساس جودة البحث والجهد المبذول فيه والعمل الجماعي.

الأسلوب الأول والثاني هو ما يتبع في مدارسنا وإن كان بعض الطلبة محظوطون سيحصلون على مدرس يتبع الأسلوب الثالث كلما استطاع، أما الأسلوب الثالث فهو ما يمكن لجميع المدرسين فعله حالياً ضمن أنظمة التعليم اليوم، لن يكون هذا سهلاً لكنه ليس مستحيلاً أيضاً، وممارسة هذا الأسلوب في التعليم سيرفع مستوى التعليم لأن الطالب مجبر على البحث والتفكير.

الأسلوب الرابع هو ما أحلم به وهو يتطلب تغييراً جذرياً في أنظمة التعليم لأن الامتحانات لن تكون هي المقياس بل أشياء أخرى لا يمكن قياسها بسهولة مثل جودة البحث والعرض التقديمي والمشاريع العملية،

أعلم جيداً أن البعض سيعترض على الفكرة لأنني أشرت لصفوف الابتدائية وهؤلاء أطفال فلماذا أطلب المستحيل من الأطفال؟ لماذا أجعل التعليم صعباً عليهم أكثر من اللازم؟ لماذا أطلب تعقيد تعليمهم؟ مشكلتي أنني مؤمن بأننا نستهين بالأطفال كثيراً لدرجة تجعلنا نؤخر نضجهم العقلي والنفسي، وقد رأيت أطفالاً يفهمون معادلات فيزيائية لم أفهمها في الثانوية - وتذكر أنني كنت متأخراً 4 سنوات - ولم يخبرهم أحد أن مجرد أطفال وأن المادة التي يبحثون فيها أكبر من عقولهم، بل وفروا لهم الأدوات المناسبة والأستاذ المناسب والوقت الكافي والنتيجة أطفال يدركون بسرعة مفاهيم يظن البعض أنها صعبة حتى على طلاب جامعيين.

هذه مشكلتي إن صح أن أسميها مشكلة، عندما أقترح الأسلوب الرابع فلا أتوقع أن كل الطلاب سيتحمسون للتعلم والبحث، لا بد من وجود طلبة لا يرغبون في التعليم لأسباب مختلفة، هؤلاء يمكن التعامل معهم بشكل مختلف، لعل لديهم مشاكل في بيوتهم تجعلهم لا يريدون المشاركة، ربما لديهم تأخر عقلي - قلت تأخر وليس تخلف - ولا يستطيعون اللحاق بزملائهم ولذلك لا بد من منهاج أبطأ يناسبهم، ربما لديهم مشكلة فرط الحركة وقلة الانتباه ويحتاجون لأسلوب مختلف من التعليم.

لا يمكن اليوم أن نعامل الطلبة كلهم على أنهم متساوون في قدراتهم، وأعلم جيداً أن بعض التربويين العاملين في التعليم سيقولون "نحن لا نفعل ذلك" أو "نحن ندرك ذلك" لكن الواقع يقول شيئاً مختلفاً، أتحدث عن نظام وليس أفراد، النظام يتعامل مع الطلبة على أنهم متساوون في قدراتهم العقلية، خذ على سبيل المثال شخص لديه تأخر في الوعي، شخص عندما كان طفلاً لم يكن يستوعب الأشياء بسرعة لكنه تجاوز الأمر بعد مراهقته ويمكنه الآن أن يتعلم وقد يتفوق على من تفوقوا عليه في الماضي، مثل هذا الشخص يظلم في أنظمة التعليم اليوم عندما لا يستطيع أن يتجاوز امتحان فيكرر نفس العام مرة وربما أكثر ثم ينعت بالفاشل وتتأثر حياته كلها بما حدث.

20 أبريل, 2010

الرحلة الهندية - 8

قالوا لي مكان جميل، ورددوا علي أن الجو رائع والطبيعة جميلة، كل يوم أسمع عن تشيكماغلور وخصوصاً في الأيام الحارة وعندما تتوقف الكهرباء كأن ذلك سيخفف الحر، أخبروني أن مسجد أبي يقع على الطريق إلى تلك المدينة ثم علينا عبور سلسلة جبال ثم طريق طويل، لكن طول الطريق أمر نسبي لأن المسافة بين بيت داوود وشيكماغلور لا تزيد عن 100 كيلومتر لكن صعوبة الطريق تجعله يبدو أطول من ذلك.

في صباح اليوم المحدد خرجنا مبكراً من المنزل بعد إفطار خفيف بمقياسهم، الجو رطب وبارد والشمس لا زالت تحجبها الأشجار، معنا أحمد ابن داوود وانضم لنا بعد ذلك رجلان من أصدقاء داوود أحدهما حنيف المهندس الذي أشرف على بناء مسجدي أبي، كان الطريق شبه خال في هذا الوقت المبكر من الصباح إلا من بعض الأبقار العابرة للطريق، إحدهن كانت تنظف ولدها في منتصف الطريق وتمشي بينه وبين السيارات، داوود يشير إليها ويحدثني "سبحان الله، شوف الرحمة" ثم عاد للذكر، نحن صامتون معظم الوقت وأظن أن الجميع كانوا يستمتعون بوقتهم، الجو جميل والمناظر رائعة ولم تكن هناك حاجة للكثير من الكلام وهذا أمر نادر.

بعد أن أنهى داوود أذكاره الصباحية تحدثت معه عن الذكر بعد الصلاة وكيف أنني معجب بالشباب الهندي المسلم الذين يحرصون على الذكر بعد الصلاة حتى لو صلوا لوحدهم، داوود تذكر الحال لدينا وبدأ في انتقاده لما يراه في مساجدنا، يقول بما معناه أن كثيراً من المواطنين يستعجلون الخروج من المسجد بعد الصلاة، يسلم أحدهم من صلاته ويقوم فوراً ليضرب مؤخرته ويخرج، أعتذر عن اللفظ لكن هذا ما قاله داوود وهذا ما فاجأني في السيارة فانفجرت ضاحكاً لأنني تخيلت الصورة التي رسمها داوود، لماذا يريد أي شخص أن يضرب نفسه بعد الصلاة بهذه الطريقة؟ داوود محق في ما يقول إلا ضرب الـ .... !

توقفنا عند محطة للوقود، السيارة التي أجرناها تعمل بوقود الديزل وهي من السيارات الجديدة التي تستطيع أن تحرق الوقود بشكل نظيف فلا يخرج دخان أسود من عادم السيارة ولا يعني هذا أن الدخان هنا نظيف كلياً بل لا يزال ملوثاً لكنه أقل ضرراً، وفي الهند وقود الديزل ضروري لأن دراجات الريكشا تستخدمه ومعظم السيارات وكل الشاحنات، هذا الوقود يوفر عليهم بعض الشيء تكلفة كبيرة لكنه لا يزال مرتفع السعر مقارنة بأسعار الوقود في بلداننا وبلدان أخرى، نتيجة لذلك مدن الهند تعج بمركبات مختلفة تلوث الجو بدخانها وبأصوات منبهاتها، سأتحدث أكثر عن هذا الأمر عند الحديث عن بانجلور.

بعد أن أنهت العاملة في المحطة من تزويد السيارة بالوقود - نعم عمالة! - أكملنا السير ولا زال الجو بارداً والشمس لم ترتفع كثيراً، الهواء جميل ولذلك كنت الوحيد الذي أفتح النافذة بجانبي، لدي مناعة لا بأس بها ضد البرد لكن رحمة بمن معي في السيارة أغلقتها لكن عندما تكون سرعتنا بطيئة بعض الشيء أفتح النافذة لأضع يدي فوق الباب وأستمتع بالهواء.

على جانبي الطريق رأيت أشجاراً كبيرة بنى الهندوس أمامها النصب، أو معبد صغير جداً عبارة عن حجر مرتفع بعض الشيء ويوضع فوقه تمثال أو يكون خالياً لوضع شيء كالشمع أو قد يوضع فوقه جرس، هذا المعبد الصغير مخصص للشجرة الكبيرة التي يلتف حولها الشارع، لا يمكن أن تقطع هذه الأشجار لأن الناس سيثورون على من يحاول ذلك، رأيت بعض الناس يقفون أمام هذه الأشجار فيجمعون كفوفهم أمام وجوههم ثم ينحنون، الشجرة إله أو قد تحوي أرواح الأسلاف لذلك لا يمكن أن تقطع وكلما ازداد حجم الشجرة ازدادت قدسيتها.

تقديس الشجر ليس غريباً على من يقدس البقر والحيوانات، ربما تأثرت الهندوسية من البوذية لأن الديانتين فيهما تعاليم حول احترام المخلوقات وهذا ما رأيته في أرض الواقع، البقرة تجلس في منتصف الطريق لا تخشى شيئاً لأن الناس سيلتفون حولها، كل المطاعم الهندوسية التي رأيتها أو دخلتها كانت مطاعم نباتية لا تقدم أي شيء فيه لحم أو حتى بيض! ثقافة احترام الحيوان يجب أن نستعيدها لدينا ليس لأن الهندوس يفعلون ذلك بل لأننا كمسلمين من المفترض أن نكون رحماء بالمخلوقات، للأسف لم أتعلم ذلك إلا متأخراً وبعد أن شاركت بشكل أو بآخر في تعذيب حيوان أو طير لا حول له ولا قوة ولا زلت حتى اليوم أتذكر ما فعلته، لكن ما فعلته يبدو لي بسيطاً مقارنة مع ما أسمعه وأقرأه من قصص في بلادنا لأطفال ومراهقين فعلوا ما لا يفعله عاقل بحيوان أو طير.

بدأت الجبال ترتفع أمامنا وقبل أن نصلها توقفنا في منطقة تشرمادي لأصور مسجد أبي وهناك اجتمع أهالي المنطقة وقد كتبت عن ذلك في الموضوع السابق، بعد أن ودعناهم أكملنا السير ووصلنا لسفح الجبل أو قل سلسلة جبال، أجزاء من الطريق ممهدة وأجزاء أخرى لا يمكن أن نسميها طريقاً بل شيء آخر فهي حفر ومطبات وأحجار متناثرة، هذا الطريق حفر أول مرة أيام الاستعمار البريطاني ثم وسع قليلاً لكنه لا زال خطراً، لكن فكرة الخطورة لم تخطر على ذهني فالصباح كان جميلاً لدرجة جعلت الطريق يبدو مجرد نزهة.

كان الصعود طويلاً والطريق يلتف كأفعى، الأشجار الجبلية عالية وكثيفة والطريق شبه خال، داوود يضغط على منبه السيارة قبل كل منعطف ولا أدري كم مرة تجاوزنا سيارة كدنا نصطدم بها مع ذلك لم أشعر بأي خوف، كثير من الشمس وكثير من الجو الجميل والصحبة الطيبة جعلت كل شيء يبدو مسلياً، حتى تجاوز شاحنة أتت من الطريق المقابل يبدو مسلياً مع أن احتمال وقوعنا في الوادي كبير خصوصاً أن الإطار على الجانب الأيسر من السيارة يكاد يخرج عن الطريق!

بين حين وآخر نرى عمالاً يوقدون ناراً تحت قدر كبير للقار وسيعملون على صيانة جزء من الطريق، عمال آخرون يضعون فوق النار قدوراً كبيرة يطبخون فيها للآخرين ولمن يريد من المارة، ثم بدأنا نرى عمالاً يعملون فعلاً على صيانة أجزاء من الطريق والغريب أن أكثرهم من النساء، داوود يقول بأنهن أتين من ولايات أخرى وأنهن فقيرات لدرجة يرضين بعمل متعب وخطر ومقابل راتب ليس بالكافي.
عمال يعدون القار لأعمال صيانة الطريق

عبرنا الجبال نحو الجهة الأخرى منها وهناك رأينا وادياً يفصلنا عن سلسلة جبال أخرى، مشينا قليلاً لنتوقف أمام سيارة ركشا تبيع الآيسكريم، هذا وقت مناسب للراحة، خرجنا من السيارة وأخذ كل واحد منا آيسكريم وبدأنا في التقاط الصور للوادي، في الوادي أناس يعيشون حياة بين الطبيعة وبعيداً عن المدنية وعن الكهرباء وعن بقية البشر، أناس يعتمدون على الطبيعة حولهم في أكلهم وشربهم.

بعد أن أنهيت هجومي على الآيسكريم بحثت عن مكان أضع فيه الغلاف ففعلت ما فعله آخرون قبلي، رميته في الشارع! لا توجد سلات مهملات  في الشوارع لأن الشوارع هي سلات للمهملات، وهذا لا يقتصر على المناطق النائية بل حتى المدن تعاني من هذه المشكلة لكن بشكل أقل.
صورة للوادي بين الجبال التي كنا نعبرها

أكملنا طريقنا ومرة طلبت من داوود التوقف لتصوير فراشات زرقاء وصفراء رأيتها أكثر من مرة على الطريق لكنني الآن أجد مكاناً مناسباً للتوقف والتصوير، حاولت أن أجعل واحدة تهبط على يدي فلم أفلح، أحمد ابن داوود يحب الحيوانات والطيور والمخلوقات على اختلافها ويكره المدرسة - هذا أمر مشترك بيننا! - ما إن خرج من السيارة ومد يده حتى هبطت فراشة على يده! ولأول مرة في الرحلة أسمعه يتكلم لأكثر من دقيقة، يحدثني عن هواياته وكيف أنه يفضل أن يتعلم بنفسه ويمارس الفن بنفسه - وهو يجيد الرسم حقاً - بدلاً من فعل ذلك في المدارس، سلبيات الأنظمة التعليمية تبدو متشابهة في كثير من دول العالم.


وصلنا إلى تيشكماغلور بعد ساعة تقريباً من نزولنا من الجبل، هي مدينة صغيرة وهي ككثير من المدن الأخرى مزدحمة وملوثة بالضوضاء والدخان، لحسن الحظ لم نكن إلا عابرين إلى الجهة الأخرى منها حيث سنذهب إلى بيت أخو داوود، حسن هو السائق الثاني الذي يعمل في منزلنا وهو من أتى بداوود لمنزلنا، وهو أبو عيسى الولد الذي فقد نعمة السمع منذ ولادته وقد أخبرتكم عنه سابقاً.

استقبلنا ابن مرشد ابن حسن ثم جاء الصغير عيسى، كم سمعت عنهما من أبيهما وأنا الآن معهم، عيسى ملك الشقاوة، فهو يدرك الأشياء ويفهمها حتى لو لم يكن يسمع، وهو يسمي الناس بحركات يده، فإذا أراد أن يشير لعمه داوود يضع يده تحت ذقنه كأنه يمسح على لحية، طلبت منهم أن يسألوه عن اسمي فوضع يده تحت ذقنه إشارة للحيتي ثم وضع يديه على جانبيه كأنه يشير إلى حجمي الكبير! هذا هو اسمي "الحركي!"
عيسى يحمل لوحة رسمها ويريدني أن أراها

أتت وجبة الغداء وكعادتهم هناك أنواع وأشكال من الأكل وبأحجام صغيرة، ثم وضعوا الحلويات وكان من بينهما الحلوى المفضلة لدي غلاب جامون، الجو كان رائعاً والأبواب والنوافذة مفتوحة وهناك ستائر على الأبواب ترفرف، لا يحتاجون للمكيفات في هذه المنطقة، والطبيعة حولهم جميلة والماء متوفر ويأتي من الجبال بارداً.

ارتحنا قليلاً بعد الغداء ثم خرجنا وانضم لنا مرشد وعيسى، في الطريق من بيت حسن إلى الشارع العمومي رأيت بومبا! خنزير بري أسود اللون، ثم رأيت الثاني والثالث، المنطقة مشهورة بهذا الحيوان وهي تسرح وتمرح في كل مكان والعجيب أن لها قدرة غريبة على تجنب التصوير، لكما أردت تصوير واحد اختفى خلف الأشجار.

المنظر من فوق بيت حسن

زرنا بيت أحد تجار المنطقة وهو من رتب لنا مكان إقامة في فندق جبلي، شربنا الشاي وتناولنا مزيداً من الحلويات، كنت أسأل داوود عن أسمائها فأخبرني أن هذه الحلوى التي تحوي حشوة حمراء في داخلها تسمى ديلكوش وترجمتها كما قال داوود القلب الفرحان، فقلت ترجمتها "فرح القلب" وأردت أن أترجم بقية الأسماء لكنني انشغلت بأكل الحلويات.

انطلقنا إلى مكان إقامتنا في الجبال، الطريق كان ممهداً والجو يزداد برودة بصعودنا، مزارع القهوة في كل مكان هنا، أخبروني أن أول من جاء بالقهوة إلى الهند وبالتحديد هذه المنطقة هو داعية عراقي، لا أحد يستطيع تأكيد الأمر لكنها القصة التي توارثها الناس، جاء الرجل ومعه حبوب القهوة وزرعها وبنى له مكاناً في الجبل للذكر والعلم وبدأ الناس يتبعونه ويعيشون معه في عزلة بعيداً عن كل شيء، حبوب القهوة أصبحت مزارع على مد البصر وأفضل نوع من القهوة يسمونها هناك أرابيكا.

بعد صعود ونزول وبحث طويل وصلنا إلى الفندق الذي يطل على الوادي، مكان رائع لكنه بارد وموحش في الليل، كان عشائنا خفيفاً فعلاً هذه المرة، الرياح تعصف وغرفتي فيها أكثر من 10 مصابيح لم أستطع إغلاقها كلها، كنت أقرأ قليلاً ثم أكتب قليلاً ثم أحاول النوم لكن لا أستطيع الوصول له فأعود للقراءة والكتابة.

في صباح اليوم التالي خرجت إلى الشرفة وهناك كان المنظر جميلاً، الضباب يغطي كل شيء لكن الرياح تدفعه فتكشف عن الوادي ثم يختفي المنظر ليعود مرة أخرى، الجو بارد وأنا ألبس ثياباً خفيفة ومع ذلك لم أكن أشعر بشيء من البرد، أخذت آخر صورة قبل أن تنفذ طاقة بطارية الكاميرا وجلست هناك أقرأ في هذا الجو العجيب، هدوء لا تسمع فيه إلا أصوات الطيور، منظر الوادي أمامي والضباب يجعله صورة كأنها أتت من رواية خيالية، كان بإمكاني أن أجلس هناك لساعات.

للأسف لم نفعل فقد خرجنا مبكراً لنتناول الإفطار في المدينة، لكنني استمتعت برحلة النزول من الجبل، كان ابن داوود يضع لنا قرصاً صلباً يحوي أناشيد مختلفة، هل تستطيع أن تتخيل المنظر؟ سبعة في سيارة والنوافذ مفتوحة، الجو بارد والوادي أمامنا وفي بعض الأحيان تحجب الأشجار المنظر لندخل في مكان مظلم قليلاً، السيارة تغني "يا سامعين صلوا على النبي محمد" وكل من في السيارة يغني إلا أنا وداوود، أظن أن داوود لا يفعل ذلك احتراماً لسنه وأما أنا فشفقة بالآخرين!

لم يحدث الكثير هذا اليوم، زرنا مسجداً بني من الطين قبل 70 عاماً وهؤلاء بحاجة ماسة لمسجد جديد، الأرض متوفرة لكن المال ينقصهم، وحول المسجد مزارع القهوة وبيوت كثيرة والمسجد المتوفر لهم صغير.

داوود أراد أن يرتب رحلة "سفاري" لكن وصلنا متأخرين فوعدني إن زرتهم مرة أخرى أن نحجز لهذه الرحلة مسبقاً، هل يمكنك أن تتحيل السير في غابة فوق ظهر الفيل؟ ولا أنا! بعد ذلك ذهبنا إلى بيت التاجر مرة أخرى وهذه المرة لتناول الغداء وقد أعد الرجل ما لم أره من قبل، أنواع وأشكال من الطعام وطاولة كبيرة بالكاد تركت مساحة للجلوس في الغرفة الصغيرة، سبق أن تحدثت عن الرجل وإصراره العجيب على ألا يترك أي مساحة فارغة في معدتي.

بعد ذلك عاد مرشد وعيسى لبيتهم، والرجلان المرافقان لنا نزلوا إلى محطة حافلات ولم يبقى إلا أنا وداوود وابنه أحمد، كان الوقت في آخر الظهيرة وكنا نريد العودة إلى بيت داوود، عدنا إلى نفس الطريق الذي جئنا منه وعدنا إلى الجبال، الطريق الآن مرعب، حط الظلام ونحن في منتصف الطريق وليس هناك أي إضاءة غير إضاءة السيارات، الحذر مطلوب هنا، داوود تعود في مثل هذا الموقف أن يذكر الله بصوت عالي ويشاركه أبنائه، لذلك طلب من ابنه أن يبدأ الحساب بمسبحة وبدأوا في التكبير والتسبيح والتهليل والدعاء من قبل غروب الشمس وحتى خرجنا إلى الطرف الآخر من الجبل في الليل.

تشيكماغلور بلا شك جميلة ولا يكفيها يومان وليلة، كان علينا أن نعد لها بشكل أفضل، لكن بإذن الله إن زرتهم مرة أخرى سألتقط مزيداً من الصور للجبال ومزارع القهوة والفيلة!

صورة التقطها سريعاً في تيشكماغلور، لم يكن هناك وقت لضبط أي شيء!

هذا ما كنت أراه من شرفة غرفتي في الصباح


كانت تشاركني الشرفة، حشرة غريبة الشكل وخضراء جداً

03 أبريل, 2010

الرحلة الهندية - 7

لنأخذ جولة مصورة في بيت داوود، المكان الذي قضيت فيه معظم ليالي رحلتي وكنت أشعر فيه أنني في المنزل وقد كانوا يعاملونني على أنني فرد منهم، آكل معهم على نفس الطاولة، وأخرج معهم إلى المسجد وأعود معهم، إن كان هناك شيء أفقده من رحلتي إلى الهند فهو بيت داوود، بإمكاني أن أعود إلى هناك وأقضي أيامي هناك بدون أن أشعر بالغربة أو الضيق أو الانزعاج من أي شيء، إلا ربما وجبات الطعام التي لا تتوقف طوال اليوم!

بيت داوود من طابق واحد ومطلي من الداخل باللون الأخضر الهادئ الذي يشبه اللون السابق لغرفتي، الأرضية كلها من الرخام المتوفر بكثرة في بلادهم ولذلك رخيص، لكن داوود لم يرضى أن يضع الرخام بأي طريقة بل أحضر عمالاً مهرة من ولاية راجستان يعرفون طريقة لوضع أحجار الرخام بدقة عالية، حقيقة كنت أتأمل الأرضية كل يوم وأعجب من حرفية العمال ودقتهم.

هناك مجلس داخلي وأمام البوابة الرئيسية هناك مظلة يضعون تحتها كراسي البلاستيك وطاولة صغيرة وهي المجلس الذي كنا نستخدمه كل يوم تقريباً لاستقبال الناس والجلوس كل صباح لشرب الشاي، في الصباح الباكر كان الجو بارداً ولطيفاً والمنطقة هادئة معظم الوقت إلا مرة واحدة كان هناك مهرجان هندوسي في شارع بعيد كانوا يستخدمون فيه ألعاباً نارية تصدر أصواتاً عالية تصلنا بدون عناء.

البوابة الرئيسية لمنزل داوود، على يمين الصورة ضيف داوود، كان علي أن ألتقط صورة أفضل وأوضح.
جانب من المجلس الداخلي
الجانب الآخر من المجلس
الغرفة التي جهزوها لي كانت غرفة كبيرة والوحيدة التي تحوي مكيفاً، كنت أشغل المكيف فترة قصيرة ثم أكتفي بالمروحة، تذكر أن الكهرباء هناك عالية التكلفة وليست ثابتة، فكل ليلة هناك انقطاع لساعة أو أكثر وفي هذا الوقت يكون الحر خانقاً والإضاءة معدومة إلا من مصابيح شحنت بطاريتها قبل انقطاع الكهرباء.

مع هذا الحر كنت أكتفي بالنوم لساعات قليلة، هناك شيء ما في الجو أو في المنزل يجعل وقتي أكثر بركة، كنت أضع المنبه لكي يوقظني قبل صلاة الفجر بنصف ساعة لكنني أستيقظ قبل ذلك ولا أستطيع العودة للنوم إلا في الليلة التالية، كنت أردد على داوود "بيتكم فيه بركة" وبالفعل كنت أشعر بذلك، هذا بيت مبارك وأنا بالفعل أفتقده.

الغرفة التي خصصوها لي، ترون دلة الشاي، وفي نفس الطاولة مصباح كهربائي يشحن بطاريته استعداداً لاستخدامه عند انقطاع الكهرباء

على السرير حقيبتي الصغيرة التي كنت أعلقها على كتفي طوال الرحلة والحقيبة الصغيرة هي حقيبة الكاميرا، بجانب السرير مجموعة من الكتب التي قرأتها هناك ودفتر أكتب فيه ملاحظاتي ومصحف، على الأرض حقيبة السفر.

هذه أكلة أعجبتني كثيراً في بيت داوود ولذلك صورتها، شعرية تصنع من طحين الأرز ويوضع عليها حليب النارجيل مع السكر، أفقد هذه الأكلة أيضاً

آلة تستخدم لتحويل طحين الأرز إلى شعرية.

مطحنة كهربائية لطحن الأرز وأي شيء آخر، الآلة تدير الحجر في الوعاء الحجري.

السخان المركزي، عندما تتوقف الكهرباء يستخدمون النار لتسخين الماء في هذا الخزان ليصل إلى كل حمام ومطبخ.

فرن تقليدي، هناك فرن آخر حديث داخل المنزل لكنهم يفضلون استخدام هذا الفرن، القطعة المعدنية أسفل يسار الصورة تستخدم للنفخ في النار.
في عصر يوم رطب وحار قضينا وقت ما قبل غروب الشمس فوق سطح البيت، كنا ننظر للجبال المحيطة ويخبرونني عن بعض المعالم التي أراها وبعض المناطق التي سنزورها لاحقاً، ثم بدأنا نراقب الطائرات والطيور التي كانت تحلق فوقنا، كان البط يحلق بهدوء عجيب، الغربان صاخبة دائماً لتذكرنا أنها الأكثر ذكاء بين الطيور والأقل حياء،  وفي الغابة الكثيفة بين بيت داوود والمسجد هناك القرود التي نسمع أصواتها لكنها تخاف من الظهور إلا في الصباح الباكر.

فوق سقف المنزل، على اليمين احمد ابن داوود يمسك منظاراً مقرباً كنا نستخدمه لرؤية الجبال القريبة، خلفهم غابة كثيفة تسكنها القرود التي كنا نراها صباح كل يوم.

جبل قريب من بيت داوود، في أعلاه هناك بناء يقال أن تيبو سلطان بناه واحتمى به من الجيش البريطاني وهناك مصدر للمياه لا يعرف منبعه.

أضغط على الصورة لتراها مكبرة، صورة بانورامية لمحيط لجانب من محيط بيت داوود.
ملاحظة: اكتشفت أن البرنامج الذي أستخدمه لتعديل الصور كان يصغر الصور ويؤثر عليها سلبياً من ناحية وضوح الصورة، لذلك الصور في المواضيع السابقة لم تكن واضحة بالقدر الذي يرضيني، وجب التنبيه فقط.

01 أبريل, 2010

دروس من الطريق الأبسط

مدونة الطريق الأبسط كانت فكرة سريعة نفذتها خلال ساعة لكن التفكير قبل التفيذ أخذ أشهراً، كنت منذ وقت طويل أريد أن أفتتح مدونة متعلقة بالبساطة لكن الاسم لوحده أخرني وأظن الآن أن هذه حماقة يجب ألا أكررها، من المفترض أن يكون تنفيذ فكرة مدونة جديدة سريعاً ولا يتطلب أكثر من ساعة أو ساعتين على الأكثر، ربما التصميم لوحده قد يأخذ بعض الوقت لكن لو لم يكن التصميم مهماً يمكن تنفيذ المدونة خلال 5 دقائق والمحتويات الأولى يمكن كتابتها خلال نصف ساعة.

الآن مع توفر خدمات التدوين المجانية على اختلافها أجد أن افتتاح مدونة جديدة يجب ألا يتطلب كثيراً من التفكير، هل لديك فكرة؟ نفذها الآن، دع التصميم لوقت لاحق، اكتب المحتويات أولاً ثم فكر بالأهداف لاحقاً أو حتى لا تفكر، فقط اهتم بتخصص المدونة ومارس الكتابة فيها لمدة كافية، شهران على الأقل.

تصلني رسائل يسأل أصحابها عن الخطط والأهداف لمدوناتهم التي لم تظهر بعد وبعضهم يكتب رسائل طويلة فيها تحليل أكثر من اللازم لهذه النقاط، في الحقيقة أجد أن كل هذا لا فائدة منه، عندما بدأت مدونة سردال لم يكن لدي هدف واضح، عندما بدأت هذه المدونة كان هدفي أن تكون مدونة شخصية والتصميم كان أحد قوالب بلوغر الجاهزة ثم غيرته لاحقاً، مدونة إصنع دولتك بنفسك بدأت بنكتة لكن الحماس لم يستمر لكي أكتب فيها الآن، مع ذلك لم أغلقها لأنني أنوي العودة لها، وأي مدونة جديدة سأفتتحها سأتبع نفس التفكير، الافتتاح أولاً، كتابة المحتويات ثانياً، ثم ربما ... فقط ربما التفكير في الأهداف والتخصص ثالثاً.

ما أعجبني في مدونة الطريق الأبسط هو الالتزام بقدر الإمكان بمواضيع قصيرة مع روابط لمواقع أخرى، هذا ما كانت عليه المدونات في بدايات حركة التدوين، الفائدة هنا أن الزائر لا يحتاج لقضاء وقت طويل لقراءة محتويات المدونة وإذا أراد المزيد فعليه أن يتبع الرابط وسيجد كل التفاصيل التي يريدها، ومن ناحية أخرى لم أكن بحاجة لقضاء وقت طويل لكتابة المواضيع فقد كتبت قبل الإعلان عن المدونة أكثر من 50 موضوعاً وهذا جعلني لا أحتاج لوقت طويل لإدارة المدونة، في صباح كل يوم جمعة أحدد فقط المواضيع التي ستنشر في أيام السبت والإثنين والأربعاء ثم أنسى المدونة، هذا لم يكن يتطلب أكثر من 20 دقيقة وإن أسرعت فخمس دقائق.

أمر آخر متعلق بالتصميم، مع أنني قرأت عدة انتقادات للتصميم لأنه لا يحوي تاريخاً ولا يحوي رابطاً للأرشيف ولا يضع فاصلاً واضحاً بين موضوع وآخر، مع ذلك أصررت على أبقيه كما هو إلى أن بدأت أكتب مواضيع بلا عناوين، مواضيع تحوي صوراً أو مقولات وهذه جعلتين أضع خطاً رفيعاً بين كل موضوع وآخر.

بعد مدة بدأت تأتيني رسائل تشيد بالتصميم وترى أنه مثال نادر أو وحيد بين المدونات والمواقع العربية وتطلب مني ألا أغيره وأبقيه كما هو، والتصميم بالمناسبة متاح الآن للجميع استخدمه كما تشاء، هذه الآراء حول التصميم أكدت لي أن على المرء في كثير من الأحيان ألا يلتفت لآراء المعارضين إن كان يشعر في نفسه أنه يفعل الشيء الصحيح، هناك أمثلة كثيرة لأناس فعلوا الشيء الصحيح وتلقوا انتقادات حادة في أول الأمر ليثبتوا بعد ذلك صواب اختياراتهم، هل تذكرون أول جيل من آي بود؟ هذا مثال واحد فقط.

التصميم يجب أن يخدم رسالة المدونة ولذلك لا أرى مشكلة في أن تجرب إلغاء بعض العناصر التي يراها البعض أساسيات لا غنى عنها أو أن تضيف عناصر أخرى يراها البعض غير ضرورية للمدونة أو تجعل المدونة موقعاً لا يستحق تسمية "مدونة!"

خذ على سبيل المثال التعليقات، لم أرى حاجة للتعليقات في الطريق الأبسط، هذا قلل الوقت الذي أحتاجه لإدارة المدونة، وأنا أعلم جيداً أن هناك أناس لا يعتبرون المدونات مدونات إلا بوجود تعليقات، وبالطبع لا أوافقهم الرأي، التعليقات ليست ضرورية لكل مدونة لكنني في الطريق الأبسط ذهبت لأبعد من ذلك، ليس هناك أي وسيلة لكي يبدي أي شخص رأيه في أي موضوع، الاستثناء أنني طلبت في تويتر عدة مرات أن يخبرني البعض بآرائهم حول المدونة.

لأختصر النقطة السابقة: أنت من يحدد كيف ستعمل المدونة وماذا ستضع فيها أو ماذا ستحذف منها، لا تدع الآخرين يحددون لك ما ستفعله بمدونتك.

ولكي أبقي على روح الطريق الأبسط ألخص هذا الموضوع في نقاط سريعة:
  • إنشاء مدونة جديدة يجب ألا يتطلب أكثر من 10 دقائق باستثناء التصميم الذي قد يحتاج لأكثر من ذلك.
  • أكتب المحتويات أولاً، أعلن عن المدونة ثانياً، ثم إذا تبقى لديك وقت فكر في الأهداف.
  • التنفيذ أكثر أهمية من التخطيط والتفكير فلا تبالغ في التخطيط.
  • كلما زادت عدد مدونات زادت احتمالية نجاح واحدة منها وفشل البقية.
  • لا مشكلة في فشل مدونة ما، هذه ليست نهاية العالم، سيكون الفشل أفضل معلم، وقد تتحول المدونة لمشروع كتاب.
  • مدونة واحدة لا تكفي، لا تكتفي بمدونة واحدة.
  • الخدمات المجانية لا تقلل من شأن مدونتك إلا في أعين من يفكرون بشكل سطحي ويهتمون بالمظاهر أكثر من اهتمامهم بالمحتويات، فلا تهتم بما سيقولونه.
  • إذا أردت تعلم شيء فافتتح مدونة حوله ولتكن أول مواضيع قصيرة، روابط لمقالات ومقاطع فيديو وصور حول الموضوع وملخصات لمواضيع كتبت في مواقع أخرى.
  • ما الذي تنتظره؟ أين مدوناتك؟
إضافة: نسيت أن أضيف أنني بإغلاق مدونة الطريق الأبسط شجعت الآخرين على افتتاح مدونات مماثلة وهناك الآن ثلاثة منها، وكل واحدة تحوي صوتاً مختلفاً، كل مدون يكتب من وجهة نظر مختلفة، بدأت من الآن ألاحظ الاختلاف وأجده ممتعاً لأنني أرى آراء مختلفة لما يعنيه البعض بالبساطة.