الاثنين، 18 مارس، 2013

محارة البحر

من يعرف ما أعنيه بالعنوان قد يسألني عبر الشاشة "ما حصلت شي تكتب عنه إلا هذا؟!" لكن دعوني أكتب عن شيء خفيف اليوم، ومن لا يعرفه سيظن أنني أعني حقاً محارة البحر، بينما ما أريد الحديث عنه هو سلسلة ما يسمى كافتيريا بدأت بداية بسيطة في منطقة البطين في أبوظبي وبالتحديد في سوق البطين الذي هدم ولم يعد.

أول ذكرياتي لهذا الكافتريا كانت مع أبي رحمه الله، أذكر أنه ذهب بي إلى هناك في صباح يوم ما ولعلي كنت في الخامسة أو السادسة من العمر وأذكر جيداً أنني طلبت عصير برتقال ولا زلت أذكر المكان بلونه الأزرق وأكوابه الطويلة وهدوئه في الصباح، بعد ذلك عدت له بنفسي لأشتري للأهل ما يطلبونه فقد كنت أمارس مع بعض إخواني ما يسمونه الآن التوصيل المنزلي، الفرق هنا أنني أخرج من المنزل وأعود ماشياً والآن توفر معظم المطاعم والكافتريات والمخابز خدمة التوصيل المنزلي مجاناً، كل أنوع الطعام يمكنها أن تصل إلى باب بيتك ولا شك لدي أن هذه السهولة جعلتنا مجتمعاً يعاني من البدانة.

في سنوات لاحقة أصبح محارة البحر هو المكان الذي نقضي فيه بعض الوقت بعد صلاة الجمعة في مسجد قريب، كنا نزور بيت أحد الزملاء في الصباح ونلعب بألعاب الفيديو على أنواعها حتى يقترب موعد الصلاة ونذهب وغالباً نصلي خارج المسجد مع الآخرين وفي الصيف يكون المكان حاراً لدرجة تجعلني أتسائل الآن عن سلامة عقولنا في ذلك الوقت، الأرض تلتهب تحتنا والشمس تحترق فوقنا، ما الذي يجعلنا نفعل ذلك؟ إن كان هناك شيء واحد أفتقده من أيام المراهقة فهي قوة الجسم وقابليته لتحمل مثل هذا العذاب وقدرته على توفير طاقة طوال اليوم لكل شيء.

بعد فترة أصبح محارة البحر مكان أذهب له بالسيارة وغالباً مع صديق ما وفي الغالب نمارس ما أكره فعله الآن، أن أبقى في السيارة ونضغط على منبه السيارة لكي يخرج لنا أحد عمال الكافتريا، شيء لن أفعله الآن وتوقفت عن فعله منذ سنوات، نجلس في السيارات، نجلس في البيوت وننتظر التوصيل المنزلي، في الأسواق والمؤسسات هناك السلالم المتحركة والمصاعد، بعد ذلك نعجب من البدانة ونشتكي منها، ثم إن أردت شيئاً يجب أن أذهب له لا أن أطلبه ليأتيني.

الكافتيريا هو نوع من مطاعم الوجبات السريعة كماكدونالدز لكن هذا ليس وصفاً دقيقاً فمطاعم الوجبات السريعة غالباً تعد أكلها وتغلفه قبل حتى أن يطلبه المرء لذلك عندما يطلب شيئاً سيصله بسرعة فمطعم الواجبات السريعة أشبه بمصنع وليس مطبخاً، الفعالية والسرعة أهم نقطتان في عالم الوجبات السريعة.

الكافتريا مختلف في كونه يعد بعض المكونات مسبقاً لكنه يصنع العصائر حسب الطلب، إن طلبت عصير موز مثلاً ستجد العامل يأخذ الموز من الرفوف أمامك ويقطعها لقطع صغيرة ويحولها مع مكونات أخرى لعصير، كثير من العصائر تحوي السكر والحليب المجفف وهما شيئان ينبغي تجنبهما.

محارة البحر بدأ بمكان واحد صغير في منطقة البطين تحول إلى مجموعة فروع كبيرة منتشرة حول الإمارات وبعضها يحوي مطبخاً بمعنى الكلمة أي أنهم يعدون كل شيء من الصفر تقريباً وينافسون المطاعم اللبنانية، ثم وصل بهم الأمر إلى افتتاح فروع في الهند! وقد تغير وتطور ما يقدمه محارة البحر من وجبات بسيطة إلى شيء متنوع عجيب، الآن يقدمون وجبات الحمية مع أنها أبعد ما تكون عن الحمية والرابط الوحيد بالحمية هنا هو الخبز الأسمر أما المكونات الأخرى فلا زالت غير صحية كالمايونيز والبطاطا المقلية وصلصة الطماطم، أما العصائر فقد ابتكروا العشرات منها وبعضها بأسماء غريبة مثل: دوت كوم، عوار قلب! تيتانك، برج العرب، اتصالات، كمبيوتر!

مؤخراً أخبروني أنهم أضافوا عصائر صحية خالية من السكر والحليب المجفف واضافوا كذلك سلطة الفواكه وأكواب حب الرمان وقطع الأناناس، ثم أعطاني أحدهم قائمة جديدة تحوي العصائر الصحية وقد وصلوا إلى مستوى آخر من الأسماء الغريبة فهناك مثلاً Liver Cure وترجم إلى العربية "علاج الكبد" ويحوي التفاح والليمون والشمندر، هناك Anti Oxidant ويحوي المانجو والجزر والتفاح والكمثرى، هناك عصير Eye opener والحمدلله لم يترجم هذا الاسم إلى العربية وهناك sugar controller وغير ذلك.

للأسف كثير من الناس يستهينون بالهنود لكنني أجد قابليتهم للتغيير مثيرة للإعجاب، هذه سلسلة كافتيريا يدرك من يديرها أن التوجه إلى الطعام الصحي أصبح أمراً مهماً لكثير من الناس وليس من الحكمة خسارتهم لذلك قدموا هذه العصائر الجديدة مع الإبقاء على كل الخيارات القديمة غير الصحية لمن لم يهتم بعد بصحته وهؤلاء ما أكثرهم.

لأضيف شيئاً من الفائدة والجدية هنا لا بد أن أتحدث عن أمنيتي أن يدرس شخص ما أثر المطاعم والتوصيل المنزلي على المجتمع من ناحية اجتماعية وصحية وعلاقة كل هذا بعاداتنا الاجتماعية الحديثة في ما يتعلق بالسيارات والتسوق والطبخ، بمعنى آخر دراسة اجتماعية، وهذا أمر لا يقتصر على الإمارات بل كثير من الدول العربية تعاني من الأمر على اختلاف مستويات الدخل، في الماضي القريب كان طبخ المنزل هو الأساس لكنه أصبح عبئاً في نظر كثير من الناس وأصبحت الوجبات السريعة بديلاً.

كيف هو الوضع في بلدك؟ شاركني بتعليق الآن ... لو سمحت :-)

8 تعليقات:

Marwan يقول...

الوضع عندنا في صنعاء ليس بنفس الشكل الذي ذكرت في مقالتك، لكن في الحقيقة هناك عائلات معينة أو بالأصح أناس أتوا إلى صنعاء من مدن معينة تشتهر بطباخة بعض أنواع الأكل، فمثلاً "الشيباني" مشهور بالخبز ويسمى "الملوح" (طبعا خبز مشهور قطره من 30 سم إلى 90 سم، يخبز أمام الزبون بداخل تنور بوقود الغاز وفي بعض المطاعم المميزة بوقود الحطب لإن مذاقه أفضل) والفتة (وهي تقطيع ذلك الخبز إلى قطع صغيرة ومزجها مع العسل والحليب والسمن البلدي.) بسبب شهرة الشيباني قام العديد من الناس بإفتتاح مطاعم بإسم الشيباني (طبعاً مع إضافة أسمائهم فمثلاً ممكن يكون اسم المطعم علي الشيباني أو فؤاد الشيباني أو عبدالملك الشيباني). مطاعم الشيبانيين ديكورها جميل وأكلاتها مميزة في الحقيقة وخاصة المطاعم التي تتواجد في وسط المدينة أو في بالقرب من الأحياء الراقية.

وهناك مطاعم أخرى أو كفتريات تفتح لتقديم أكلات معينة فقط (وهي منتشرة بكثرة وبدأت في السنوات الأخيرة تفتح سلاسلها بسبب الربح الذي ربحته من تخصصها في وجبة واحدة) مثل الكباب أو العصيد (أكله شعبية رخيصة لا أنصح بها) أو الفول أو السلتة والفحسة (وجبتان شعبيتان متميزتان من اللحم والطبيخ وأنصحك بتجربتهما).

Marwan يقول...

نسيت شيئاً أخي عبدالله وهو إن ثقافة التوصيل المنزلي غير منتشرة أبداً لدينا في اليمن بشكل عام وفي صنعاء بشكل خاص وتستطيع أن تقول بأنها متوفرة فقط في أضيق الحدود، والسائد هو ذهاب من يريد الطعام إلى المطعم والأكل هناك، وتوجد العيديد من الأسباب التي ستؤخر إنتشار هذه الثقافة منها وجود المطاعم في الجزء الأشد إزدحاما من المدينة ولذلك توصيل الوجبات سيأخذ وقت كبير وستصل الوجبات باردة وبدون مذاق لإن معظم الوجبات المشهورة هنا تقدم ساخنة وإذا بردت فقدت مذاقها المتميز وهناك أسباب أخرى لعدم وجود ثقافة التوصيل المنزلي من ضمنها عدم وجود خبرة وخلفية سابقة لشركة التوصبل أو للمطاعم وعدم وجود قوائم سوداء وبيضاء للعملاء لإن هناك العديد من الناس الذين يحبون المزاح سيطلب الكثير من الوجبات من الطعم وسيقدم عنوان الجيران لمسئول التوصبل، وكذلك هناك العديد من المشاكل في نظام العنونة الموجود حالياً في بلدنا اليمن فمثلاً لا يوجد ترقيم للمنازل وللشوارع بل إن الحكومة قد تسمي شارعاً بإسم ما ويُسميه الناس يإسم آخر ويغلب الإسم الذي سماه الناس على الإسم الرسمي.

م. وائل حسن -أبوإياس يقول...

في نظري فإن أكل الأسواق (أو حتي المطاعم) إما مُسمَمٌ، أو غير نظيف، أو طعمه سيء، أو مكلف بما لا يتناسب مع تكلفة صنعه. و كلها أسبابٌ تدفعني للهرب منه قدر الاستطاعة.

و بشكلٍ عامٍ أنا لا أحب أن أتناول طعاماً خارج المنزل، و لا آكل خارج المنزل إلا الأشياء المغلَّفة في أكياسٍ و لم تمسها يد بشر. إلا أنني حينما كنتُ في العام الماضي في قَطَر كنتُ أقيم في فندقٍ فاخرٍ (هل هناك فنادقٌ غير فاخرةٍ هناك ؟!)، و كان مستوي الطعام فيه يحول عملية الأكل إلي فقرةٍ ممتعةٍ من العزف المنفرد حتي أحس أن الناس سيصفقون لي حينما أنتهي من تناول وجبتي :)
الغريب جداً في طعام ذلك الفندق أنه كان رغم دسامته لا تظهر عليه تلك الدسامة في الطعم، فيمكنك أن تأكل وجبةً مليئةً بالدهون و رغم ذلك لا تحس بثقلها علي المعدة ! و هو ما يغري بالمزيد من الالتهام و الازدراد حتي تكتشف فجأةً أنك أصبحتَ تحمل بالوناً منتفخاً مكان معدتك، و أن حجابك الحاجز صار فوق رئتيك :)

علي يقول...

أعجبني الموضوع :)

في الرياض، عندنا محلات مشابهة اسمها "تسالي"، عندهم العديد من أنواع السدويجات التي تحتوي على حشوة مقلية، أعني برجر أو كباب وكذلك السجق، عندهم كذلك بطاطس مقلية، يضيفيون عليها المياونيز والكاتشب وبعض البهارات، وهناك كثير من المقاطع والتعليقات عن العاملين في هذه المحلات: كيف يسردون لك قائمة الطعام بشكل آلي مضحك لأنهم يقومون بذلك بسرعه، كذلك الاختصارات، بطاطس بدون أو "شطهكتشبمايونيوكلشي" ، نعم يقصدون شطة مايونيز كاتشب كل شيء :)

أتفق معك في نجاح الهنود في هذه المجالات وابداعهم فيها.

فكرة الامتناع عن الحصول على شيء عن طريق التوصيل ممتازة وأحرص على تطبيقها لزايدة التحكم والوعي، لكن أحيان الظروف تسمح باستثناءات.

عبدالله المهيري يقول...

@مروان: بارك الله فيك، استمتعت بقراءة تعليقك وذكرتني بأمنية قديمة لزيارة اليمن، بلادكم فيها الكثير مما أريد رؤيته ولا شك الكثير مما أريد تناوله :-)

بخصوص التوصيل المنزلي، حقيقة أجده فكرة سيئة إن عم وانتشر خصوصاً أنه يعود الناس على الكسل فلا يطبخون لأنفسهم ولا يبحثون عن خيار صحي، لذلك عدم انتشاره لديكم قد يكون إيجابياً.

@أبو إياس: أوافقك على الأسباب وإن كنت شخصياً لا أجد مشكلة في الأكل من الخارج في بلادنا على الأقل، هناك مستوى من الثقة بنظافة المطاعم بسبب جهود الحكومة لتجنب التسمم الغذائي ولإجبار المطاعم على النظافة، لذلك الأمر يعتمد على ظروف كل شخص، أما طعام الفنادق فحدث ولا حرج، المرء يخرج مسافراً ومتعباً ويرى الجديد من هذه الأكلات وقد يرى ما لم يعرفه من قبل فيأكل بكميات كبيرة، جربتها مع أخي مرة وأعلنت توبتي :-)

@علي: نفس الحال لدينا، اسأل البائع عن القائمة وسيسردها في ثواني كأنه آلة، أما التوصيل المنزلي فيمكن أن نقول بأنه الخيار الأخير، لا شك أن الإنسان يكون متعباً أحياناً فلا يريد الطبخ لنفسه وقد تكون الطرق مزدحمة في وقت ما فلا يخرج، لذلك التوصيل مفيد هنا، لكن المشكلة دائماً تكون في عدم التوازن، في الاعتماد الكبير على المطاعم والتوصيل وفي اختيار ما هو غير صحي.

ibn Salama يقول...

الدول ذات الدخول المنخفضة يضطر أهلها للطبخ المنزلي لأنه أرخص، وبالتالي تكون صحتهم أفضل من الدول ذوات الدخل المرتفع!!
منذ فترة سمعت على إذاعة الـ بي بي سي أن الشابات هناك من الجيل الجديد لا يعرفن الطبخ للأسف وبالتالي يكن أول من ينهار عند ارتفاع أسعار الغذاء. الأمهات قديما كانت تجيد اختيار الخضراوات ومكونات الطبخة لكن الجيل الجديد عندهم لا يعرف سوى شراء الطعام الجاهز وهو بالضرورة أغلى وأقل في الكمية مما يمكن شراؤه بنفس السعر من السوق على شكل مواد أولية.

Othman Safarini يقول...

السلام عليكم

يوجد فرع لكافتيريا محارة البحر بالقرب من بحر الشارقة ، صراحة جودة اكله جيدة جداً.

انا حالياً بدأت بإتباع حمية تفرض علي ان اقلل الاكل بشكل كبير حفاظاً على صحتي ، و لكنك بهذا الموضوع فتحت شهيتي قليلاً و لكن سأقاوم.

شكراً

عبدالله المهيري يقول...

@ibn salama: تعليم الطبخ للفتيات كان قبل سنوات جزء من مناهج التعليم لدينا ويسمونه التدبير المنزلي، لم تعد هذه مادة متوفرة الآن في التعليم، لكنني أتمنى عودة تعليم التدبير المنزلي عبر الشبكة وفي وسائل أخرى وللجنسين، شخصياً لو سافرت لوحدي لأي دولة سأعاني لأنني لا أعرف كيف أطبخ.

@Othman Safarini: إذا ذهبت لهم اطلب سلطة فواكه فهذا ما أطلبه منهم، أما السندويشات فهناك فلافل وحلوم وكلاهما نباتيان وخفيفان، بإمكانك أن تطلب بعض العصائر مثل المانجو والبرتقال لكن أخبرهم ألا يضعوا كثيراً من السكر، الامتناع الكلي ليس ضرورياً، المهم أن تختار ما يناسبك.

إرسال تعليق

ملحوظة: يمكن لأعضاء المدونة فقط إرسال تعليق.