الأربعاء، 13 يناير، 2016

مساوئ المدينة وسلبيات القرية

Untitled

أقطع حديثي عن الواجهات لأتحدث اليوم عن المدن، الأخ علي نشر صورة لجزء من مقال يتحدث عن مشاكل جاءت مع المدينة، الصورة لا تعرض المقال كاملاً لذلك قلت رأيي معلقاً عليها بناء على ما أراه، المدينة قديمة قدم الحضارة نفسها، الحضارة هي المدينة أو هذا ما أراه، لأن الحضارة هي تجمع لعدد كبير من الناس في مكان واحد يسمح لكل شخص أن يتخصص في مهنة ويتقنها ويعتمد على آخرين ومن التخصص يبدأ الاقتصاد والتجارة وتتكون ثقافة مختلفة عن ثقافة البدو الرحل أو الصيادين الذين لا يستقرون في مكان واحد، ولاحظ أقول ثقافة مختلفة وليس ثقافة أفضل، القول بأن الحضارة هي نوع أفضل من التجمع البشري فيه حكم سلبي على الناس الذين نسميهم "غير متحضرين" وفي نفس الوقت يطرح السؤال: ما هي الحضارة؟ لكن هذا موضوع آخر تماماً.

ما يتحدث عنه المقال في رأيي هي المدينة الحديثة وليست القديمة، المدنية الحديثة مرتبطة بالاقتصاد والتقنية، السلوك الاستهلاكي هو سلوك حديث بدأ في القرن الثامن عشر وتصاعد في القرن الذي يليه، مشكلة التفكك الأسري ليست مقصورة على المدينة والريف ليس محصناُ عنها، لكن النقاش عن المدينة والريف يستحق أن نعود له مرة بعد مرة لأنه يجعلنا نعود للتاريخ لكي نفهم ما هي المدينة، وكما قلت سابقاً: المدينة هي الحضارة.

مع المدينة جاءت المشاكل ولا شك في ذلك لكن المشاكل كانت موجودة أيضاً قبل المدينة وبعدها، عندما تقول أن العيش خارج المدينة أفضل أياً كان نوع هذه الحياة فأنت في الحقيقة تستبدل مجموعة مشاكل بأخرى، لا يمكن إنكار أن المدينة توفر فرصاً أكبر للناس في كل المجالات، فرصاً للتواصل مع الآخرين وبالتالي فرص للتبادل الثقافي والتجاري، الفن والأدب والعلوم تجد تربة خصبة في المدينة لأن هذه المجالات تحتاج للناس وتبادل التجارب والمعرفة، والمدن الكبيرة اليوم توفر للمرء التواصل مع العالم، الناس يأتون من مختلف البلدان إلى المدن الكبيرة ومعهم تأتي ثقافة وأفكار مختلفة، يحملون جزء من تاريخهم وحضارتهم وهذا يشمل كل شيء من الفنون إلى الطعام، وبالتواصل يمكن للأفكار أن تنمو وتتنوع.

مع كل تجمع بشري كبير هناك حاجة للإدارة، هناك حاجة لتقسيم الناس إلى حاكم ومحكوم، هناك حاجة لتقسيم المسؤوليات والأدوار، ومع الإدارة يأتي الفساد، مهما كان الناس فهم معرضون للفساد، من لديه فرصة لاستغلال سلطاته فهناك احتمال كبير أن يفعلها وإن فعلها فلا بد من نظام يضمن أن يقف ضده ويحاسبه، لكن هذا النظام هو أيضاً معرض للفساد كذلك ولا يوجد نظام واحد يضمن نزاهة كاملة.

المدينة كذلك جاءت بالأمراض، العالم القديم عانى من أمراض عديدة انتقلت ما بين الناس لكن هناك أيضاً أمراض انتقلت من الحيوانات المدجنة إلى الناس، أمراض لم يعاني منها الناس في العالم الجديد (أمريكا الشمالية والجنوبية) لأنهم لم يملكوا حيوانات مدجنة كما في العالم القديم، ومع اكتشاف الناس من العالم القديم للقارات الجديدة جلبوا معهم هذه الأمراض التي تسبب بعضها بموت كثير من الناس أكثر من الحروب، يمكن للمرء أن يحارب بعقله ويده ليدفع إنساناً آخر، لكن كيف تفعل مع الأمراض الجديدة المعدية التي جاءت مع الغزاة؟ بحسب ما قرأت، الأمراض قضت على ما يقرب من ٩٠٪ من السكان الأصليين في أمريكا، ما تقرأه عن المعارك والمذابح لا يعطيك صورة عن تأثير الأمراض على مجتمعات السكان الأصليين في أمريكا.

ولم تكن الحيوانات المدجنة هي السبب الوحيد للأمراض، النفايات والفضلات كانت سبباً آخر، المدن الحديثة تحوي أنظمة للنظافة والمجاري وهي في رأيي أهم اختراع لأي مدينة، يمكن للمدينة أن تكون بلا كهرباء لكن لا يمكنها أن تكون بلا مجاري، وهذا يجعلني أتسائل كيف كان الناس يتعاملون مع هذه الأشياء في الماضي؟ نقرأ في تاريخ الإسلام عن مدن كبيرة لكن لا أظن أن هناك من تحدث عن هذا الجانب.

في مدينة إيدو (طوكيو اليوم)، كان هناك نظام للمجاري يعتمد على الناس، لكنه جعل المدينة مؤهلة للعيش فيها وللازدهار، بدون نظام مثل هذا يستحيل أن يعيش الناس في مدن مكتضة بلا أمراض، للأسف لا أذكر من أين قرأت هذه المعلومة، كذلك لا أذكر أين قرأت عن مدن في شمال إنجلترا في فترة ازدهار صناعة الفحم، كانت بعض المدن تعاني بشدة من الأمراض حتى وصل متوسط عمر الناس فيها إلى أقل مما كان عليه في العصور الوسطى أيام الطاعون الأسود.

تلوث الناس وتلوث البيئة، هذا مختصر مساوئ المدن، واليوم هناك أنظمة تساعد على تفادي هذه السلبيات لكن لا يلغيها تماماً، مقابل هذه السلبيات هناك فرص أكبر للناس في المدينة.

القرية قد تكون صحية أكثر، قد تكون هادئة ونظيفة أكثر، لكن مقابل ذلك ليس هناك وظائف للجميع أو على البعض أن يعملوا في وظائف بأنفسهم كالزراعة مثلاً وتربية الحيوانات، عدد الناس الذين تتواصل معهم أقل، التقنية متأخرة وفي بعض مناطق العالم القرية لا يمكنها الاتصال بالشبكة بسرعة أو لا تتصل بأي شكل، وقد تحتاج للسيارة لكي تذهب إلى المدن لتشتري ما تحتاجه من أشياء تفتقر لها القرية، كذلك قد تعتمد على الخدمات الصحية في المدن.

شخصياً أفضل العيش بعيداً عن المدن إن لم تكن مدناً صحية توفر فرصاً للمشي وحدائق كبيرة، لكن عملياً ليس لدي اختيار، أنا أعيش في أبوظبي لأنني ولدت عشت هنا طوال حياتي، لو كان لدي فرصة للانتقال إلى مدينة أخرى سأفعل، كنت أفكر بجدية في مدينة العين ومع أنها مدينة إلا أنها تبدو كالبلدة، أصغر حجماً والبنايات العالية قليلة والمناطق الخضراء أكثر وأكبر، حقيقة وجدت راحتي في مدينة العين.

على أي حال، هذا ما يدور في ذهني عن الموضوع، وهو موضوع يدفعني للقراءة أكثر.

0 تعليقات:

إرسال تعليق

ملحوظة: يمكن لأعضاء المدونة فقط إرسال تعليق.