السبت، 14 نوفمبر، 2015

لماذا أهتم بموضوع العمل؟

ألقيت السلام على الموظفة والرجل الجالس أمام مكتبها، وضعت أوراقي على الطاولة الصغيرة وجلست، مضت دقائق وأنا لا أفعل شيئاً سوى التفكير في كل شيء، لم أعد أحمل معي الكتب كما كنت أفعل في الماضي، أوقات الانتظار الآن أجعلها فرصة للتفكير وأحياناً لعدم التفكير، مضت دقائق قليلة وقام الرجل من مكانه وسحب بعض الأوراق، ودعته الموظفة بتعليمات لما يجب أن يفعله، ثم التفت إلي وطلبت مني الأوراق، كنت بالأمس هنا واليوم تكملة لعمل الأمس، لم يكن هناك حاجة لأي كلام، الموظفة تعرف ما الذي يجب أن تفعله.

(١)
بدأت أفكر في عمل الموظفة، لم هي تعمل هنا؟ ما الذي يجعلها تعمل في وظيفة مكتبية تبدو مملة ومزعجة، خدمة الزبائن لا شك أنها وظيفة متعبة لأن الزبائن فيهم من هو فظ غليظ أو أحمق مزعج، أو قليل الأدب ولو كان لسانه حلواً كالعسل، أو ثقيل الدم ليس لديه أي إحساس بالآخرين، ما الذي يجعل الناس يعودون لهذا العمل يوماً بعد يوم وعاماً بعد عام؟

الحاجة المادية سبب بلا شك لكنها كما نعلم ليست السبب الأهم، يمكن لظروف العمل أن تدفع الإنسان للاستقالة حتى لو كان بحاجة ماسة للعمل، لأن هناك حد لما يمكن تحمله مقابل الحصول على المال، عندما تكون ظروف العمل سيئة ولا يجد المرء احتراماً أو تقديراً في بيئة العمل فلن يكون مستغرباً أن يفكر في عمل آخر أو حتى يستقيل.

التقدير والاحترام جزء مهم من أي عمل، عندما يجتهد المرء وينجز ويجد التقدير والشكر من مديره والاحترام من زملائه فلن يحتاج هذا الشخص إلى التفكير في عمل آخر، لم ينتقل وهو يجد بيئة عمل جيدة؟ وهذا ما يجعل بعض الناس يصبرون على رواتب منخفضة لأن بيئة العمل أهم بكثير من الراتب، بيئة العمل تجعل الإنسان جزء من المجتمع وإن كانت بيئة العمل هذه جزء صغير من المجتمع إلا أنها ضرورية لتشعر المرء بأن لديه رابط يجمعه مع الآخرين.

أن تكون جزء من مجموعة هو أمر فطري يريده الجميع، حتى الشخص غير الاجتماعي يحتاج لمكان له ضمن مجموعة، وعندما تكون في مجموعة من الناس فأنت تستفيد من أفكارهم وآرائهم وتعرف ما الذي يحدث في المجتمع من أخبار متفرقة وتعرف توجهات الناس، وفي معظم مقرات العمل هناك صحف وهناك من يقرأ الصحف ويناقش الأخبار المحلية والعالمية وفي هذا النقاش فائدة.

تكوين الصداقات على أرض الواقع لا يمكن أن تعوضه بصداقات على الشبكة ولست أقلل من أهمية صداقات الشبكة هنا، لكن في وقت المحنة وعندما تحتاج لأناس معك على أرض الواقع فأنت بحاجة لصداقات خارج الشبكة وعلى نطاق محلي، والعمل مع الآخرين يوفر لك فرصة لتكوين هذه الصداقات وتمتين علاقاتك بالآخرين، العمل ليس مجرد إنجاز قائمة أعمال بل هو إنجاز قائمة أعمال مع الآخرين.

ثم العمل مع الآخرين يعطي المرء الحق في الفخر بأنه يعمل، لا يمكن الهروب من حقيقة أن جملة "أنا عاطل" لها وزن سلبي ثقيل على الإنسان ولها أثر سلبي يجعل الآخرين ينظرون لنا نظرة سلبية حتى لو لم تكن عادلة أو صحيحة، العمل يعطي الآخرين فكرة إيجابية عنك بأنك تعمل ولست عالة على المجتمع، بأنك شخص مستقل يعتمد على ذاته ولست بحاجة للاعتماد على مساعدات أسرتك، هذا يجعل الإنسان مستقلاً وفخوراً بنفسه، هذا الشعور يعرفه جيداً من انتقل من رعاية أسرته إلى الاستقلال بنفسه وربما المساهمة في دخل الأسرة.

الموظفة طلبت مني أوراقاً كثيرة وكانت تعمل عليها بصمت، في نفس الوقت كنت أسمع حوارات قصيرة بينها وبين زميلاتها في العمل، يتحدثون عن طعام الإفطار والخيارات المتوفرة لهم، هل سيشربون القهوة من المقهى الموجود في نفس البناية؟ ما هي الشطائر المتوفرة؟ ما أخبار فلانة ولم هي غائبة اليوم؟

رأيت بعض المراجعين يتجهون لموظفة معينة، فترحب بهم كأنها تعرفهم منذ وقت طويل وهي بالفعل تعرفهم وتعرف معاملاتهم ولهذا السبب يفضل المراجعون التوجه لها، كذلك الأخت الفاضلة التي كانت تنجز معاملتي، كان البعض يتوجه لها بدلاً من الموظفات الأخريات، هناك علاقة احترام وتقدير بين الطرفين.

هذا ما يجعل الموظفة تصبر على الوظيفة، البيئة الاجتماعية التي تربطها بمجموعة من الأصدقاء وتجعلها تشعر بأنها جزء مهم من المجتمع وإن كان صغيراً، هذا يعطيها شعوراً بالفخر والانتماء والاستقلالية وهي تعتمد على نفسها وليست عالة على الآخرين.

(٢)
العمل ليس بالضرورة أن يكون وظيفة، يزعجني الخلط بين الوظائف والعمل لأن النظرة للوظيفة كنوع وحيد من العمل يجعلنا نضيق النقاط على أنشطة كثيرة يمكن أن نعتبرها عملاً دون أن تكون وظيفة، وسأوضح بمثال لأن الكلام السابق يبدو كالألغاز.

لنقل أن فلاناً من الناس يتطوع يومياً بالمرور على بيوت عائلات فقيرة ويساعدهم بالمال ومستلزمات المنزل وربما يساعدهم بإنجاز عمل ما هنا وهناك، ولنقل أن فلاناً هذا عاطل عن العمل وليس لديه وظيفة، فهل تطوعه هو عمل أم لا؟ رسمياً هو رقم ضمن أرقام العاطلين عن العمل، رسمياً هو حتماً عاطل عن العمل، لكن عملياً؟ هو يقوم بعمل عظيم ويقدم خدمة كبيرة للمجتمع، مساعدته للعوائل الفقيرة قد يكون لها أثر إيجابي على الأطفال في هذه العوائل الذين سيتذكرون إحسان هذا الشخص وربما يقتدون به، ربما يستطيع هذا الشخص أن يخرجهم من دائرة الفقر.

عندما يتطوع المرء لمثل هذا العمل فهو سيجد التقدير والاحترام من الناس وسيجد كذلك مكاناً له ضمن مجموعة من الناس، وهذا ما يجعل التطوع خياراً لمن لا وظيفة له بشرط أن توفر المجتمعات وسيلة لإيجاد فرص التطوع بسهولة، يفترض ألا يكون هناك عائق بين المرء وفرصة التطوع، ويفترض أن تعلن المؤسسات على اختلافها عن فرص للتطوع لمن يرغب ولا تثقل بالشروط، الإنسان جاء ليتبرع بوقته وجهده فدعونا لا نعاقبه لأنه بادر وتبرع بنفسه لهذا العمل.

بعض الدول لديها برنامج رواتب للعاطلين عن العمل وهذا قد يكون ضرورياً لأن العاطل عن العمل لن يجد مكاناً ينام فيه بدون المال، لكن المال وحده ليس كافياً، المرء بحاجة لأن يرتبط بالمجتمع ويكون صداقات ولهذا السبب أرى أن راتب العاطل عن عمل يفترض أن يربط بالتطوع، إن لم يكن الشخص يبحث عن عمل أو إن لم يجد وظيفة بعد ويمكنه التطوع فلم لا يعمل متطوعاً؟ المال ليس العامل الأهم في الوظائف بل الحياة الاجتماعية، وقد يجد المرء هذه الحياة في فرصة تطوع.

يفترض أن تعيد الحكومات النظر في مفهوم البطالة والعمل، كذلك الناس يفترض بهم أن يغيروا أفكارهم، لا يعقل أن نعامل من يعمل كأنه عاطل عن العمل في حين أنه قد يقدم فائدة لنفسه وللآخرين وللمجتمع، ويفترض ألا نقلل من شأن الأعمال صغيرها وكبيرها، رسمية كانت أو غير رسمية، المجتمعات بحاجة لعامل النظافة كما تحتاج للوزير والمدير.

(٣)
التقدم والتطور هو جزء مهم من العمل، البعض لا يرضى أن يبقى مكانه دون أن يرتفع مستواه الوظيفي أو دون أن يواجه تحديات جديدة تحتاج منه ممارسة مهارات مختلفة، الإنسان منا يحتاج إلى أن يعرف بأنه يتقدم ولو بخطوات قليلة، لأن التأخر خيار لا يريده أحد في أي سباق والوقوف في مكانك لا يختلف كثيراً عن التأخر، الوقوف في نفس المكان لسنوات قد يدفع المرء للبحث عن عمل آخر لعله يجد فيه ما يحقق طموحه.

بيئة العمل تشبه كثيراً بعض ألعاب الفيديو، لعبة الفيديو تعطي اللاعب شخصية وعلى اللاعب أن يطور هذه الشخصية باكتساب الخبرة والمعدات واجتياز التحديات وتحقيق نتائج، وهذا ما يجده كثيرون ممتعاً في هذا النوع من ألعاب الفيديو، تبدأ من الصفر وبعد استثمار وقت في اللعب تصل إلى مرحلة تصبح فيها قوياً ووثقاً من نفسك، بيئة العمل يفترض أن تقدم نفس المسار للجميع لكي يتقدموا ويشعروا بالفخر والثقة بأنفسهم.

لكن نعلم جيداً أن هذا لا يحدث في كثير من المؤسسات والشكاوى حول الترقيات والتعيين مألوفة، فماذا يمكن للمرء أن يفعل؟ ليس لدي نصيحة حول ما يمكنك فعله في بيئة العمل، لكن لدي فكرة عما يمكنك فعله خارج العمل: الهوايات.

الهواية هي أي شيء تحب ممارسته، لعلك تحب الرسم أو الطبخ، لعلك مبرمج هاو أو كاتب أو محاضر ومتحدث، لعلك مصور فوتوغرافي أو فلكي هاو، أياً كانت هوايتك فهي نوع من العمل الذي تمارسه خارج نطاق وظيفتك، وهي تقدم لك فرصة أن تطور مهاراتك وتتقدم في مراحل مختلفة، تبدأ كهاو بالكاد يعرف شيئاً وبمرور الوقت وممارسة الهواية تصبح محترفاً يعرف الناس اعمالك.

هنا قد تستطيع أن تجعل هوايتك مصدراً لرزقك أو لجزء من رزقك، ولست أقول بأن عليك أن تفعل ذلك، هناك أناس فعلوها وبدأوا يكرهون الهواية التي أحبوها، تحويل الهواية إلى عمل قد يجعلك تفقد حبك للهواية، لذلك افعل ذلك بحذر.

(٤)
ليس لدي الكثير لأقوله هنا، هذا الموضوع محاولة لتجميع شتات بعض الأفكار، لأن الموضوع العمل والوظيفة يهمني من جانبين، الأول أنني رسمياً عاطل عن العمل ولم أعمل طوال حياتي ولن أنكر أن لهذا أثر سلبي كبير علي، أنا مسؤول عن جزء من مشكلتي هذه لأنني بتكاسلي ضيعت فرصاً كثيرة ولن أنكر ذلك، في نفس الوقت لا يمكنني تجاهل الصعوبة التي يواجهها أي شخص مثلي يرغب في العودة إلى بيئة العمل ليجد مكاناً لنفسه في المجتمع، مؤسسات تطلب خبرة مسبقة، ومؤسسات تطلب تعليماً بمستوى معين مع أن كثيراً من الوظائف لا تتطلب كثيراً من التعليم، والفرص التطوعية يصعب إيجادها.

الجانب الثاني من الموضوع هو أثر العمل والبطالة على مجتمعاتنا، جزء من مشاكلنا يكمن في العمل والبطالة، لا يمكن لعاقل أن ينكر أن للبطالة أثر سلبي على أي مجتمع ويمكن أن نضرب الأمثلة بالجرائم التي يمارسها البعض وتتراوح ما بين العنف والسرقة إلى ممارسة الإرهاب والتفجير، عندما يجد الإنسان مكاناً في المجتمع ويجد احتراماً وتقديراً فلم سيحتاج إلى ممارسة الإجرام على اختلاف أنواعه؟

لننظر للناس على أنهم أناس بحاجة للتقدير والاحترام والانتماء قبل أن ننظر لهم على أنهم جزء من مؤسسة ورقم في السجلات وتكلفة مالية.

4 تعليقات:

علي يقول...

أشكرك على الموضوع الشامل، كلام طيب تخيلت لو أجمع المقالات التي تدور حول الموضوع في تغريدة أشعر أنها ستفيد المقبلين على العمل والمنخرطين فيه على وجه سواء، أريد أن أعلق على فكرة ممارسة الهواية كعمل بحذر، أخاف من أن أكره هوايتي بسبب تحولها إلى وظيفة، وأظن أن الحل يكمن في الموازنة، أعني أن يكون في حيز اهتمام المرء -لأسباب شتى مثل المال أو التواصل- أعمال مختلفة كأن يذهب للعمل صباحاً، أو يتبنى عملاً تجارياً أو زراعياً لا يكون هو مجاله الحقيقي الذي يجد فيه نفسه، ثم يختار تطوير هوايته في الظل وفي أوقات الفراغ حتى لو كان هناك فرص لاستثمارها لا يتردد في ذلك مع استمراره بأعمال الأخرى، هنا سيتفرغ للاستمتاع با متى ما حان الوقت، أرجو أن تكون فكرتي وصلت، أجدد الشكر لك على الموضوع الممتاز.

Mohammad Rabiee يقول...

الله يرضى عليك
أبدعت كعادتك
الله يوفقك و يرزقك عملا تحبه و بيئة عمل تحبك :)

عبدالله المهيري يقول...

@علي: الفكرة وصلت، مفهوم التوازن يعتمد على المرء وما يحبه أو يكرهه، المهم ألا يخلط بين حبه للهواية وتحويلها إلى عمل يكرهه، فرق أن تمارس هوايتك لتستمتع وتمارسها لأنها عمل يجب أن تفعله لتكسب الرزق، في الحالة الثانية إن لم تكن تحب الهواية حقاً فلن تتحمل متاعب العمل، كل شيء له جانب حسن وقبيح، المهم أن يجعلك الجانب الحسن تتحمل الجانب القبيح.

@محمد: شكراً وأسأل الله لك التوفيق والبركة في الرزق.

Amal FM يقول...

كنت اتفصح مدونات قديمة منها اختفى ومنها هجر, موضوع جميل وتطرقت إلى نقاط مهمة فعلا, إلى الأمام :)

إرسال تعليق

ملحوظة: يمكن لأعضاء المدونة فقط إرسال تعليق.