الأربعاء، 1 يناير، 2014

كلمات وصور من العمرة

لأول مرة منذ 1997 أذهب إلى العمرة، كنت ولا زلت أرغب في الذهاب إلى بيت الله لوحدي ولهذا السبب الأناني - أعترف - اعتذرت عن قبول دعوات كثيرة، لكن هذه المرة ليس في قدرتي الاعتذار فالأهل يرغبون في زيارة أرض الحرمين.

كنت أعد حقيبتي قبل السفر وأنا أصنع في خيالي دفاتر من الملاحظات التي سأكتبها ومجلدات من الصور التي سألتقطها، لكن وكما أكرر كثيراً؛ الخيال أفضل من الواقع، بسبب التعب والزحام لم أكتب ملاحظات كافية وكثير منها لا يمكن تحويله إلى شيء أكتب عنه إلا إذا أردت أن أكرر الكلام عن التعب والزحام ورغبتي في العودة.

قبل وبعد العمرة كنت أفكر في عدم الكتابة عن الرحلة، لو كانت رحلة سياحية إلى السعودية سأكتب الكثير لكنها عمرة وهي عبادة ولا أرغب في أن أكتب عن شعائر دينية لأنني بصراحة لا أعرف كيف أكتب عنها، لذلك سأكتفي ببعض الملاحظات والصور.

(1)
رسمياً ومنذ أن نزلت من طائرة في مطار جدة، أنا أكره الطائرات! أسرع من اللازم وتحلق على ارتفاعات كبيرة ومزعجة، أذكر الطائرة التي ذهبت بنا إلى المدينة، كل شيء كان على ما يرام إلى أن اقتربنا من المدينة وبدأت الطائرة تعلو وتهبط بسبب مطبات جوية ولم يحتج الأمر سوى ثانيتين حتى بدأت أشعر بالغثيان والتعب.

إجراءات المطارات وانتظار الطائرات يلغي سرعة الطائرة، ما فائدة أن أقضي وقتي في الطريق إلى المطار وفي الانتظار داخل المطار إن كان الذهاب بالسيارة سيأخذ نفس الوقت الذي تحتاجه الطائرة؟ بالطبع الطائرات أسرع إن كنت ترغب في السفر لمسافات بعيدة لكن لمسافات قريبة قد يكون من العملي أكثر أن تذهب بالسيارة.

(2)
زحمة! هذا ما كنت أشعر به في مكة، مع أن البعض يردد علينا أنه ليس موسم العمرة بعد وأن هذا ليس وقت الزحام، وأذكر أنني رأيت في قناة البث المباشر من مكة المكرمة ملاحظة تحث الناس على التخفيف من زيارة الحرم بسبب أعمال التوسعة التي أخذت قسماً كبيراً من الحرم، مع ذلك لم أجد أي فرق، الزحام كان كبيراً ولاحظت بعد عودتي أنه ازداد أكثر.

يمكن تحمل الزحام في الحرم فهو أمر طبيعي وإن كان إزعاج أعمال البناء والأطفال يصيبني بالصداع لكن لا بأس من تحمل بعض التعب هناك، ما لا أستطيع تحمله هو الإفطار! مطعم مفتوح للجميع وهناك كثير من الناس والطاولات قريبة من بعضها البعض، لسنوات وأنا آكل لوحدي وأن أتناول الطعام مع الآخرين هو شيء أفعله في مناسبات قليلة، فوق ذلك أجد عن يميني وشمالي عائلات وأشعر بأن الخصوصية لم يعد لها مكان هنا، يمكنك أن ترى ما يأكله الآخرون ويمكنهم أن يراقبوك طوال فترة الإفطار.

الوضع في المدينة كان مختلفاً، الازدحام أقل والمكان أهدأ وهناك مساحة كافية في المطعم، لذلك فكرة أن أزور المدينة فقط في المستقبل ليست فكرة سيئة، حقيقة أفضل المدينة، هل هناك مشكلة في قول ذلك؟ وجدت راحتي هناك وخرجت للتجول حول المسجد النبوي وحول الفندق كذلك وخرجت أكثر من الفندق على عكس ما حدث في مكة حيث كنت أفضل البقاء في الفندق لأكبر قدر ممكن.

(3)
أيضاً وجدت راحتي في المسجد النبوي أكثر من الحرم المكي، أقول هذا وأنا أشعر بالذنب لأنني أعترف بذلك، في الحرم المكي كان كثير من الناس مشغولون بأحاديث جانبية، وبهواتفهم وحواسيبهم اللوحية، رأيت كثيراً منهم يلتقطون صوراً لأنفسهم فيديرون ظهورهم للكعبة ويلتقطون صورة ثم يغوصون في هواتفهم ليكتبوا شيئاً ما، لا شك لدي أنهم يكتبون لخدمة إنستغرام ويضعون الوسوم أو "الهاش .. تاغ!" ويخبرون كل من يتابعهم "أنا هنا".

يصورون تفاصيل المسجد ويلتقطون صوراً عائلية وجماعية وبعضهم يلتقط مقاطع الفيديو بل رأيت من يطوف حول الكعبة وهو رافع جهاز آيباد - ليس ميني! - ويصور بالفيديو الكعبة، كأنما ليس في العالم قناة لديها بث مباشر للحرم المكي 24 ساعة ولها قناة في يوتيوب.

أضف إلى ذلك إزعاج البعض بالحديث في الهاتف ورأيت من يفعل ذلك أثناء الطواف، ورأيت من كان مشغولاً بهاتفه ويكتب فيه ومن يدري لعله يرسل إلى تويتر رسالة لا يمكن للعالم انتظارها أكثر "أنا أطوف حول الكعبة" ويرسلها ليساهم في هذا الهوس الجماعي في تصوير وتسجيل كل تفاصيل الحياة وبثها لكل العالم، كأن العالم يكترث!

ثم هناك الأطفال .. لا داعي لذكر المزيد من التفاصيل هنا.

الوضع في المسجد النبوي كان ألطف بكثير، الروحانية التي افتقدتها في الحرم المكي إلا في لحظات قليلة وجدتها في المسجد النبوي وفي أول صلاة هناك، بعد الصلاة والذكر بدأ الناس في الانتشار، أفراد يقرأون القرآن، طلاب يذاكرون دروسهم، ثم تجد الناس يجتمعون فردين أو ثلاثة يتدارسون القرآن ويتلونه ويتعلمون تجويده، وهناك حلقات الذكر ودروس مختلفة يجتمع فيها الخمسة والعشرة وما دون العشرين، ثم هناك دروس كبيرة بالعربية والأردية ولغات أخرى، كنت أمر على كل هؤلاء وأبطأ السير لأراقب وأستمع واستمتع بحقيقة أن هذا دين لكل الناس وأن في المسجد الآن وفي مكان وقوفي لغات مختلفة أسمعها لأناس من مختلف أنحاء العالم، كلهم يدرس شيئاً أو يقرأ القرآن أو يستمع لدرس.

لاحظت وجود الهواتف والكاميرات ولاحظت كيف أن الناس يتجاهلون لافتة "ممنوع التصوير" لكن الوضع في المسجد النبوي كان أخف بكثير من الحرم المكي، مع ذلك لا بد من حل لمشكلة الهواتف، لم علي سماع غناء وأنا في صلاة أو قراءة للقرآن؟ لم لا يحترم البعض حرمة المسجد ويضعون هواتفهم على الصامت أو ينتظرون إلى حين خروجهم من المسجد للحديث مع آخرين؟

في الحرم المكي وفي المسجد النبوي لم ألتقط صورة وإن كان هناك الكثير مما أرغب في تصويره، كنت أشعر بقدسية المكان واحتراماً لهذه المكانة لم أكن أصور داخل الحرمين.

(4)
في الحرم المكي لا يمكن أن تسير لدقيقة دون أن يعرض عليك أحدهم خدمة ما، أصحاب الكراسي المتحركة يريدون نقلك من وإلى الحرم أو يساعدونك على إنجاز العمرة وأنت جالس، المطوفون يريدون إرشادك للدعاء والذكر الذي يمكن أن تقوله أثناء العمرة، ثم هناك من يعرض عليك أن يعتمر نيابة عن قريب لك وهذا ما استغربته حقاً.

تجد أصحاب الكراسي المتحركة يسابقون الزمن ويركضون أحياناً لكي ينجزوا العمرة ويجدوا زبوناً آخر، تفقد العمر معناها لأنهم يسرعون ولا يتركون فرصة للمعتمر أن يذكر الله، تصبح العمرة شعائر تمارس أكثر مما هي عبادة يتقرب بها العبد إلى خالقه، كذلك الحال مع المطوفين، أشعر بأن ترديد الدعاء بصوت عال والمشي بسرعة للطواف يجعل الطائف يخسر فائدة الطواف، وكما أعرف ليس هناك ذكر محدد للطواف فلم لا يمشي الناس ببطء ويتفكرون في عبادتهم ويذكرون الله بما تيسر لهم؟

في صباح يوم ما خرجت إلى الحرم وطفت حول الكعبة وكنت أرى المظاهر التي ذكرتها أعلاه، الناس المشغولون بشاشاتهم الذكية، الكراسي المتحركة السريعة، المطوفون الذين يجعلون الناس يركضون خلفهم وهم يلهثون ويكاد البعض ينقطع نفسه وهو يحاول أن يردد الدعاء ويبقى خلف المطوف.

انشغلت بنفسي وبما تيسر لي من الذكر والدعاء لمن أوصاني ومن لم يوصني بالدعاء، في منتصف الطواف جاء رجل مسن لكنه في صحة أفضل مني وسلم علي ولاحظت فوراً لحيته التي كانت بلون الزعفران، أشار إلى "الغترة" أو العمامة فوق رأسي كما نلبسها في الإمارات وقال أنه يحب من يطبق السنة، شكرته وأنا أفكر هل هي من السنة حقاً أم لا؟ وكان يقف ويتجه إلى الكعبة ويدعوا الله لي فأشكره وأدعوا له بالخير ثم يكمل المشي ويكلمني ثم يتوقف ويكرر الأمر، كنت حقاً أرغب ألا يقاطعني أحد وأن أخلو بنفسي حتى وأنا بين الناس، لكنه لم يتركني ولم أنزعج، بعد مزيد من وقفاته ومشيه ودعائه تركني وذهب وأنا أدعوا له بالخير.

بعد الطواف جلست لقراءة القرآن، في هذا الصباح وجدت ما فقدته من روحانية المكان، ربما لأنني جلست في مكان شبه فارغ وانشغلت بنفسي عن الناس، لكن الأمر لم يستمر أكثر من نصف ساعة وجاء مستخدم للهاتف ليجلس قريباً مني وفقدت قدرتي على التركيز في القراءة، ألا يمكنه أن ينتظر قليلاً ليتحدث عن أمور الدنيا وبصوت عالي؟! كان بإمكانه أن يبتعد قليلاً ويتحدث لكن لسبب ما اختار أن يجلس قريباً مني.

(4)
أكتفي بهذا القدر من الملاحظات، هذه بعض الصور من الرحلة:

الوزن
وزن حقيبتين، السفر بحقيبة صغيرة وخفيفة سيوفر عليك كثير من التعب والجهد

مظلة
مظلة في المسجد النبوي

DSC01931
النائمون، كم أتمنى لو أفعل مثلهم، الجو بارد والشمس دافئة والمكان هادئ آمن، ماذا يريد أي شخص أكثر من ذلك؟

استراحة وهاتف
بعد الصلاة جلس ليستخدم هاتفه، صورته دون أن أنظر في الكاميرا وكانت هذه النتيجة

الحرم
الحرم
من أراد مشاهدة باقي الصور فليتجه إلى مجموعة الصور في فليكر.

11 تعليقات:

أبو مروان يقول...

عمرة مقبولة إن شاء الله

Sameh.De يقول...

تقبل الله.. ونورت البلد :)
وليس غريباً على المدينة الراحة التي تجدها فيها.. كلنا كذلك سبحان الله يكفي دعاء نبينا لها: اللهم حبّب إلينا المدينة كما حببت إلينا مكة أو أشد. صلى الله عليه وسلم.

اتمنى ان تكون هناك زيارات اخرى قادمة, واقل خصوصية لنتقي بكم :)

abueyas يقول...

1997 كانت أيضاً آخر عُمرة لي وزيارة للمدينة المنورة، ربما تلاقينا هُناك دون أن نعرف:) وقد كانت في رمضان
لكن ذهبت بعدها إلى الحج في عام ٢٠٠٤ لكن لم أذهب إلى المدينة، وفي هذه السنة حدث فيضان وقد كُنت في الطريق من منى إلى مكة باﻷقدام، ثم تمسكت بعمود أثناء الفيضان وفقدت سجادتي وحسبت أني سوف أغرق.
تقبل الله منا ومنك، وجمعنا جميعاً إن شاء الله في عمرة أو حج

عبدالله المهيري يقول...

@أبو مروان: تقبل الله منا ومنكم صالح الأعمال.

@Sameh.De: زيارتي هذه كانت مع الأهل، في مرة قادمة إن شاء الله أكون لوحدي ونرتب لأمر اللقاء :-)

@أبو إياس: الحمد لله على سلامتك، الأمور منظمة أكثر اليوم والمكان أكثر أماناً، حقيقة شيء مخيف أن تضطر للخوض في فيضان، وآمين، أسأل الله أن يجمعنا في مسجد رسول الله عليه الصلاة والتسليم.

وائل حسن يقول...

عمرة مقبولة بمشيئة الله تعالي.

ذكَّرتني أثناء حديثك عمن يتحدثون في الهواتف في المساجد بما أراه بنفسي، من العجيب أن تري رجلاً يجلس في بيت من بيوت الله تعالي و هو يمسك هاتفه و يتحدث فيه بصوت عال غير آبه بمن يصلون و/أو يقرؤون القرآن !، ألا يستطيع الواحد فيهم أن يسير قليلاً إلي خارج المسجد حتي يستطيع أن يتحدث بدون إزعاج المنشغلين بالعبادة ؟!

الشريف الحسني يقول...

تقبل الله لو أدرى عن زيارتك كنت قابلتك في مكة أو جدة
....................................................
سؤال ياأستاذ عبدالله مانوع الكاميرا :)

O b a i d يقول...

تقبل الله منا ومنكم صالح الأعمال
في الحقيقة رأيتك في المسجد النبوي قبل أسبوعين تقريبا لكني ترددت في مقابلتك؛ خفت ألا تكون أنت هو :)
عموما .. أنا من أهل مكة ، وأوافقك في جميع ما ذكرته .
وبالفعل أنت أتيت إلى الحجاز في الوقت المناسب .. الآن الزحمة أشدّ .. مكة والمدينة تكونا خاليتين تقريبا لمدة شهر تقريبا بعد 15 محرم ، وأسبوعين تقريبا 10 شوال .
- وبالنسبة لروحانية المدينة المنورة نحن نعترف بهذا .
- في السابق كنت أسمع عمن يعرض على الحجاج والمعتمرين خدمة العمرة أو الحج عن قريب أو عزيز بمقابل مادي ، الآن تأكدت !
ولا أدري هل يصح هذا أم لا !
- كذلك لاحظت أن الثوب الإماراتي جاذب للطامعين في المال :) ؛ أقول هذا لأن قريبا لي من الإمارات أهداني مرة ثوبا ولبسته (بدون العمامة) وذهبت إلى الحرم ، تعرضت لبعض المضايقات، ظنوا أني إماراتي :)
وفي أماكن أخرى وجدت من الإحترام ما لم أجد بالثوب السعودي :)

عبدالله المهيري يقول...

@وائل حسن: آمين .. بارك الله فيك، نفس السؤال أتمنى أن أطرحه على كل من يتحدث بالهاتف بصوت عالي في المسجد أو في أي مكان آخر.

@الشريف الحسني: كانت زيارة مع الأهل، في مرة قادمة إن شاء الله أزور الحرمين لوحدي وأعلن عن الأمر ولنا إن شاء الله لقاء، الكاميرا هي Sony TX66، سأكتب عنها قريباً إن شاء الله.

@Obaid: سامحك الله، كان سيسعدني أن ألتقي بك، ولو لم أكن أنا فعلى الأقل تسلم على مسلم :-)

غريب أن يغير الثوب تصرفات الناس، لكن بالفعل الناس تتغير تصرفاتهم بالمظاهر.

amrush يقول...

اه يا استاذ عبد الله .. شوقتني (صار لي في أمريكا تقريبا سنة .. أطول مدة لي بعيد عن الحرم)

انا من سكان جدة وزياراتنا لمكة كثيرة بطبيعة الحال .. ملاحظاتك دائما نتكلم عنها في الطريق ونعلق عليها من وقت لآخر .. بالذات أننا شهدنا مراحل تطورها مرحلة مرحلة ..

الجديد في الأمر كنا نعتقد أننا الوحيدين من نلاحظ هذه الأشياء لأننا متابعون لها .. وكنا نقول "كثرة زياراتنا للحرم خلتنا ما نحس بقيمتها"

من المقبولين يا سيدي

محمد باجبير | Mohammed Bajubair يقول...

عمرة مقبولة ان شاء الله...فبل ثلاثة اسابيع اعتمرت تقريبا الساعة الواحدة بعد منتصف الليل ولم يكن هناك ازدحام

A.K. AlSuwaidi يقول...

مستوى تصويرك ارتفع كثيرا، أستاذ عبدالله.
-كنت أريد أن أقول هذه الجملة منذ أول يوم نشرت فيها صور العمرة على فليكر.
بالتوفيق

إرسال تعليق

ملحوظة: يمكن لأعضاء المدونة فقط إرسال تعليق.