الأربعاء، 27 نوفمبر، 2013

دروس التدوين (3) الهمة والفتور

هذا درس لم أخطط لكتابته قبل أن أبدأ هذه السلسلة لكنني أخذت الفكرة من تعليقات الدرس الأول، وهذا الدرس نظري لكنه ضروري ومهم، لعله أساس كل شيء ويمكن أن تقول بأنه متعلق بكل شيء وليس التدوين فقط، لكن سأبدأ بقصتي.

ليس سراً أنني فكرت مرات كثيرة بالتوقف عن التدوين، أعني كل المدونات التي لدي أوقفها ولا أعود للكتابة فيها، مرات كثيرة كنت أشعر فيها بأن كل ما أكتبه لا فائدة منه ولا قيمة له وأنني فقدت الدافع للكتابة وفقدت حتى إمكانية أن أكتب وأنا لدي أفكار، مضت علي فترة بل فترات وأنا أكتب وأنشر وفي نفس الوقت لدي شك بجودة ما أكتب، ومضت فترات توقفت عن الكتابة فيها لشهر أو أكثر.

هناك أسباب كثيرة لمثل هذه المشاعر السلبية، أحدها أنني توقفت عن فعل ما كنت أفعله في الماضي وكان يمدني بطاقة إيجابي ومصدر للأفكار ودافع للإنجاز، ثم سمحت للأفكار السلبية أن تأخذ مساحة في نفسي وتجرني نحو القنوط والسلبية، لم يختلف شيء سوى أنني تركت لنفسي أن تذهب لعالم مظلم يائس ولو بقيت هناك فترة طويلة لتوقفت فعلياً ومنذ سنوات.

أحد أسباب عدم توقفي هو سؤال بسيط، إن توقفت عن الكتابة ماذا سأفعل بعدها؟ سؤال بسيط لكن إجابته كانت مفيدة، لأنني أصف نفسي بالكاتب والمدون فهذا يعني أن توقفي عن الكتابة والتدوين هو في الحقيقة فقدان لجزء من شخصيتي ولشيء يحدد هويتي، عندما ألتقي بأناس جدد في هذه الأيام أقول لهم أنني كاتب ومدون فماذا سيحدث لو توقفت عن الكتابة؟ هل سأرضى أن أقول لهم ليس لدي شيء أفعله؟!

بعدها بدأت بالتفكير في موضوع الفائدة، ذّكرت نفسي أنني مهما فعلت ومهما كتبت فلست أنا من يحدد الفائدة فلماذا أشكك بفائدة ما أكتب؟ قد أكتب عن سيارة فيجد أحدهم متعة في الموضوع وهذا نوع من الفائدة، قد أكتب عن لعبة فيديو فيجد أحدهم الموضوع مهماً ويجد آخر أن الموضوع غير مهم، قد أكتب عن تخطيط المدن فيجد أحدهم أن الموضوع بلا فائدة لأنني لا أستطيع تغيير أي شيء في الواقع - وفي هذا جزء من الحقيقة - ويجد آخر فائدة كبيرة فيه لأنه بداية خيط للتغيير الإيجابي على أرض الواقع وهذا أيضاً جزء من الحقيقة.

لذلك توقفت عن التفكير في الفائدة، سأكتب وسيجد الفائدة شخص ما حتى لو كان شخصاً واحداً وفي هذا كفاية لي، لا أكتب لكي ألهم الملايين بل أكتب لك أنت القارئ، أتمنى أن تستفيد من كتاباتي حتى ولو كانت الفائدة شيئاً صغيراً.

مرة تكلمت عن قيمة ما أكتب في تويتر وكيف أنني أشك أحياناً بفائدة ما أكتبه ووصلتني رسالة محفزة مشجعة من قارئ كتب بالتفصيل كيف أن ما أكتبه كان له أثر إيجابي عليه وعلى أسرته وكيف أنه قرر فعل شيء جريء بسبب ما كتبته من مواضيع، هذا أعاد لي بعض الثقة التي فقدتها بسبب أفكاري السلبية.

الأهم من كل هذا أنني أعدت تذكير نفسي بأنني أعمل لوقت لاحق، لا أسعى لنتائج آنية فورية، لا عدد التعليقات ولا عدد الزوار يحدد ما يجب أن أفعله، لأن لدي هدف أبعد من ذلك، ولأنني أحب الكتابة، أنا لا أكتب لشهرة أو مال بل لأنني أريد وأحب الكتابة.

ما خلاصة كل ما أريد أن أقوله؟ إليك هذه الأفكار العملية:

1. لا تفكر بفائدة ما تكتب، لأنك لا تحدد الفائدة بل القارئ ولا شك أن هناك قارئ ما سيجد فائدة كبيرة في كثير من مواضيعك، أكتب لهذا القارئ الوحيد.

2. الجودة ترتفع بالممارسة، لا يمكنك أن تبدأ وأنت تريد جودة تصل إلى أعلى مستواها، عليك تقبل أنك بشر وأن ما تكتبه أو تنتجه سيرتفع في مستواه وينخفض وعليك تقبل الانخفاض كما تفرح بالارتفاع، من ناحية أخرى جودة الكتابة أمر نسبي، من السهل أن تضع مقياساً لجودة سيارة لكن الكتابة أمرها صعب، جودة ما تكتب سترتفع عموماً بالممارسة وبمزيد من الكتابة.

3. حارب سلبيتك، لنقل أنك كتبت موضوعاً بعنوان "أفضل 10 حلويات تعجبني من شعوب العالم" وقبل أن تضغط على زر النشر وجدت نفسك تتسائل عن فائدة هذا الموضوع، بل بدأت تفكر في حذفه، بل توجهت بمؤشر الفأرة نحو زر الحذف ... توقف! أنت ستقدم متعة أو معلومة أو فائدة أو حتى سترفع معنويات شخص ما كان يعاني من يوم سلبي، تجاهل كل الأفكار السلبية واضغط على زر النشر، قل للصوت السلبي في عقلك أن يتركك وشأنك، هو يحاول حمايتك من الإحراج أو من أي ضرر نفسي أو جسدي لكنه يبالغ ويجرك نحو عالم لا تفعل فيه أي شيء لأنه يخيفك من كل شيء، أخبره أن يسكت وأن من أراد الإنجاز فعليه تجاوز المخاوف وعليه تقبل أنه سيخطأ، هذا جزء من الحياة، عقلك السلبي يريد أن يحميك لكنه يبالغ ولو استمعت له دائماً ستصبح بلا حياة حتى لو كنت حياً.

4. "أنا مشغول" ليس عذراً، في قصص الناجحين نقرأ أن الناجح يضحي بأوقات الترفيه وأوقات التلفاز واللعب لكي ينجز شيئاً، المسألة أنك تختار أولويات على أخرى، كثير من الآباء يقولون أن أبنائهم هو الأولوية الأولى في حياتهم لكنهم يقضون وقتاً قليلاً معهم مما يعني أن الأبناء ليسوا الأولوية الأهم أو أن الآباء لديهم نظرة غير صحيحة لما يعنيه أن يكون شيء ما هو الأهم في حياتهم.

أنت مشغول بدراسة وعمل وغير ذلك، لا شك ستجد وقتاً في نهاية الأسبوع، أكتب أكثر من موضوع وانشرها خلال الأسبوع، ابحث في يومك عن الوقت الضائع، هل تشاهد التلفاز بلا فائدة؟ هل تقضي وقتك في تصفح المواقع بلا فائدة؟ هل تعيش مع هاتفك لوقت طويل وأنت تتنقل بين الرسائل والصور ومقاطع الفيديو؟ عليك أن تنقل هذا الوقت لشيء آخر، إن كنت حقاً تريد الكتابة ستكتب.

أنبه إلى أن هناك أناس مشغولون حقاً ولا يتبقى لهم طاقة لفعل شيء، أظن أن هذا الانشغال لن يدوم طويلاً وسيتوقف في وقت ما وإن طال فابحث عن حل يخلصك من الانشغل لكي تتفرغ للكتابة إن كانت الكتابة هي حقاً ما تريد فعله.

5. اكتب لهدف بعيد، اكتب لأنك تريد الخير للناس، لأنك تريد إحداث تغيير إيجابي وإن كان هذا التغيير قد يتأخر أو لن تراه أبداً في حياتك، أكتب لأنك تريد الأجر في الآخرة ولا تهتم بجوائز الدنيا، أكتب لأنك تريد المساهمة في رفع مستوى الإيجابية في هذا الكون، أكتب لأي هدف بعيد وسامي يجعلك تسير طوال الوقت دون توقف، لا تتجاهل هذا الأمر لأنه أساس التحفيز والدافع.

6. لا تترك الآخرين يؤثرون عليك، إن كان هناك أشخاص سلبيون يحيطون بك فاتركهم لأن سلبيتهم معدية، وإن لم تستطع أن تتركهم لأنهم مثلاً أقارب أو أفراد من العائلة فدرب نفسك على صنع جدار من عدم الاكتراث تجاههم، لا تترك كلمة سلبية تجرك وتهوي بك إلى الأرض، تعوّد على تلقي السلبية دون اكتراث، إن كنت تكتب لأنك تحب ذلك ولأنك تريد الآخرة فكلام هؤلاء يجب ألا يؤثر بك بل عليك أن تشفق عليهم لأنهم مساكين، بعضهم يعيش في دنيا لا معنى لها ويجد لذته في سلبيته نحو الآخرين، أي حياة هذه؟ مثل هؤلاء مساكين ما ذاقوا حلاوة أن يساهموا بشيء للآخرين وللآخرة.

7. ابدأ إن لم تبدأ، أول موضوع لي في مدونة سردال كان من فقرتين قصيرتين، البداية هي مشكلة لدى البعض لتخوفهم ولأنهم يريدون أن يبنوا ناطحة سحاب من أول موضوع، إن فكرت بهذا الشكل فلن تنجز شيئاً، هل هناك شيء ظهر في هذا العالم فجأة دون مقدمات؟ ناطحة السحاب تبدأ بحفرة صغيرة، الأهرام احتاج المئات أو الآف من الأحجار لكي يصل إلى علوه التام وقد بدأ بحجر، يمكن تشبيه البداية بدفع سيارة للأمام بيديك، سيكون الأمر صعباً في البداية لوزن السيارة الكبير لكن ما إن تسير حتى تستطيع إبقائها تسير بيسر لأن العجلة تحركت، لذلك ابدأ.

8. لا تثقل على نفسك، أنت في النهاية إنسان تفرح وتحزن وتجد الطاقة ثم تذهب، أحياناً ستتوقف لأنك لا تشعر برغبة في الكتابة، أحياناً ستشك بنفسك، أحياناً أنت مشغول حقاً، لا تثقل على نفسك، لا تعنّفها وتنعتها بكل ما هو سلبي، تقبل هذه الفترات واعتبرها فترة راحة لن تطول، أخبر نفسك أن ما تمر به أمر طبيعي وأنك ستعود بشكل أفضل.

هذا ما لدي، هل لديكم نصائح أخرى؟

14 تعليقات:

Yahia Zwawy يقول...

الفتور هو داء خطير يحتاج إلى مجاهدة النفس للتغلب عليه.
وصفه المتنبي في اشعاره فقال:
ولم أرى في عيوب الناس عيباً .... كنقص القادرين على التمام

موضوع رائع ونصائح ممتازة .. جزاك الله خيراً

حازم سويلم يقول...

صديقى عبد الله..
أحييك وأهنئك على هذا السرد الرائع, ووما لا شك فيه فى أننى شخصيا قد أستفدت استفادة بالغه منه.. تحياتى لك

AliMorning يقول...

تعرف على طقوس الكتابة عند من تعجبك كتاباته, وقلده.

عبدالله المهيري يقول...

@Yahia Zwawy: صدقت وصدق المتنبي، شكراً على مرورك.

@حازم سويلم: بارك الله فيك.

@AliMorning: فكرة قد تفيد البعض، شكراً.

مؤيد جسري يقول...

منذ عامين وأكثر وأنا أقول "سأبدأ بالتدوين، أريد أن أصبح قادراً على تحويل أي فكرة في رأسي إلى كلمات مكتوبة.."، وفعلاً أبدأ بالكتابة وبعد نشر أول تدوينة، أحذف المدونة وأتراجع عن قراري!

لدي مشكلتان أساسيتان تواجهني أثناء الكتابة:
1- كتابة تدوينة واحد تأخذ مني أحياناً أكثر من ساعتين، والسبب أنني أقضي وقتاً طويلاً عند كل فقرة من الموضوع وأنا أغير وأبدل فيها حتى أصل إلى صياغة تعجبني، وأحياناً يكون السبب نسياني لمفردات اللغة العربية فلا أعود قادراً على تحويل الفكرة إلى كلمات.

2- بعد نشري للتدوينة، أعيد قراءتها عدة مرات، فأجد مثلاً أن الفقرة الأولى غير مناسبة، والثانية أسلوبها ركيك، والثالثة فيها أخطاء لغوية، والرابعة لا تعبر بشكل واضح عن الفكرة.. وأحياناً أجد أن الأفكار في التدوينة ناقصة، والسبب في ذلك أنني - كما ذكرت - أستغرق وقتاً طويلاً في كتابة الموضوع، فأمل وأنشره فوراً قبل أن تكتمل كل أفكاري.

هذه هي العوائق الأساسية بالنسبة لي، فما الحل؟

عبدالله المهيري يقول...

@مؤيد جسري: لعل ما تعاني منه هو بحثك عن الكمال، عليك تقبل أن ما تكتبه سيكون ناقصاً ولا بد من تقبله بعيوبه، لا أظن أن هناك كاتباً لم يرجع لما كتبه في الماضي ليجد أنه يستطيع أن يغير ما كتبه، لكن لو فعل كل شخص ذلك فلن يكتب أحد شيئاً جديداً، لذلك اكتب وانشر وسيتحسن مستواك لكن أبقي القديم بعيوبه.

نقطة ثانية، حاول إجبار نفسك على كتابة موضوع بأسرع وقت وخلال 10 دقائق وانشره مباشرة دون مراجعة، هذا تدريب على أن تتخلى عن السعي نحو الكمال ونحو إتقان كل صغيرة وكبيرة، تذكر أن الكتّاب الكبار الذين نقرأ لهم الكتب بدأوا بمقالات صغيرة ضعيفة، لا أحد يبدأ في القمة.

بالمناسبة، لدي أخطاء لغوية ولدي ضعف لغوي ستجده في مدوناتي، مع ذلك أبقيته كما هو، ما نشر هو جزء من الماضي ومصدر للتعلم من الأخطاء.

مؤيد جسري يقول...

حسناً، سأحاول مرة أخرى.

سؤال فضولي: هل تكتب مواضيعك مباشرة على الحاسوب، أم تكتبها أولاً على الورق؟

عبدالله المهيري يقول...

@مؤيد جسري: مباشرة على الحاسوب، الاستثناء عندما أخطط للمقال وغالباً مقالات تحتاج بحثاً قبل كتابتها وكذلك المقالات الطويلة، هذه أخطط لها على الورق.

وسام السراج يقول...

اخي عبد الله لو سمعت قم بوضع السلسلة تحت تاق موحد حت يستطيع الغير الوصول الى السلسلة بكامل السهولة ، اعرف يياستك في كره التاق لكن اعتقد انها ضرورية الان

عبدالله المهيري يقول...

@وسام السراج: فعلت ما طلبته فشكراً على مقترحك، لا أكره "التاق" فقط لا أستخدمه :-)

Musaed يقول...

هذا أفضل مواضيع السلسلة ..

النقطة رقم واحد مهمة فعلاً .. و يمكن ملاحظتها من خلال الناس الذين يأتون إلى مدونك عن طريق البحث في قووقل .. تجد من يبحث عن أشياء غريبة و عجيبة و ربما هي حاجة ملحه له و لكنه موضوع بسيط بالنسبة لك .. مثل موضوع حلويات حول العالم .. لا يدري كاتبها كم من طالب في الثانوية يبحث عن موضوع لبحثه في نفس المجال أو حتى تاجر صغير ينوي فتح محل حلويات مختلفة و يريد أن يرى حلويات العالم.

عبدالله المهيري يقول...

@مساعد: حياك الله :-)

صدقت، نحن لا ندري من سيصل إلى ما نكتبه ولا ندري إلى أين ستذهب كتاباتنا كذلك فبعضها ينسخ ويطبع، لذلك ليكتب المدون المواضيع الخفيفة والثقيلة، البسيطة وغير البسيطة، ستجد كل مقالة من يقرأها ويستفيد منها.

أيمن عبدالله الحاج يقول...

سلمت أناملك على ما كتبت اخي عبدالله، استفدت من جميع هذه النقاط خاصة النقطة الأولى لأنني كثيراً ما أريد أن اكتب عن أشياء لكنني أحس أن الموضوع تافه ولايستحق أن يُكتب عنه.

بارك الله فيك، وأتمنى لك التوفيق الدائم :)

عبدالله المهيري يقول...

@أيمن عبدالله الحاج: لذلك لن تكتب عن أي شيء لأنك سترى كل موضوع تافه، حتى ما لم يكن تافهاً سترى أنه هناك من كتب عنه وبشكل أفضل، المشكلة في هذا التفكير أنه يمنعك من المساهمة ويمنعك من أن تطور مهاراتك، لذلك اكتب ولا تهتم، كل شخص يعيش رحلته في الحياة.

إرسال تعليق

ملحوظة: يمكن لأعضاء المدونة فقط إرسال تعليق.