الأربعاء، 8 أغسطس، 2012

كتاب: ياباني في مكة


وصلني الكتاب هدية من الأخ علي جزاه الله خيراً، وهو كتاب شيق رائع كتبه الياباني تاكيشي سوزوكي عن رحلته إلى مكة مع رفيقه السيد تشان، وقد سافر تاكيشي إلى مكة ثلاث مرات وكان يكتب عن الرحلة الثالثة لكنه أدخل فيها تفاصيل من رحلته الأولى والثانية، ومن الواضح أن تاكيشي كان فخوراً بقوميته اليابانية ويدافع عن بلده ورحلته الثالثة إلى مكة جائت في وقت دخلت اليابان في حرب مع الصين فكان هناك وفد صيني في الحج يحاول أن ينشر دعاية ضد اليابان وحاول تاكيشي أن يدافع عن بلده ولم يكن بحاجة لفعل الكثير إذ أن كثيراً من الناس في ذلك الوقت كانوا يحترمون اليابان ويريدون من اليابان أن تحرر بلدانهم من الاستعمار البريطاني أو الهولندي كما في حالة أندونيسيا.

لكن الحقيقة كانت غير ذلك، من يقرأ كتب التاريخ وما حدث في الحرب العالمية الثانية وما قبلها سيعلم أن اليابان كانت تحتل البلدان الآسيوية وتمارس فيها الفضائع وهم يعترفون بهذا اليوم، لم يكن دخول اليابانيين لبلدان آسيا تحريراً لها من المستعمر بل هو استبدال مستعمر بآخر.

يبدأ الكتاب من اليابان وبالتحديد من مشكلة بيروقراطية، زميل تاكيشي في رحلته إلى الحج كان من منشوريا أو بالتحديد من مانشوكو، دولة لم تعش طويلاً ولم تكن مصر تعترف بهذه الدولة ولذلك كان السيد تشان زميل تاكيشي يعاني من صعوبة الحصول على تأشيرة دخول لمصر وقد كانوا بحاجة لهذه التأشيرة لأنهم لا يستطيعون الدخول إلى السعودية مباشرة بل عليهم الذهاب إلى مصر ومن هناك يمكنهم الحصول على التأشيرة السعودية، فركب تاكيشي وتشان السفينة المتجهة إلى السويس على أمل أن يحلوا المشكلة في السويس.

لم يذكر تاكيشي عن رحلته إلى السويس شيئاً بل تجاوزها وهذا أمر مؤسف، كنت أتمنى أن أقرأ عن أيامه في رحلة استمرت شهراً، لا بد أن هناك الكثير من الأفكار التي يمكن الكتابة عنها، على أي حال، وصل الوفد الياباني المكون من تاكيشي وتشان إلى السويس وهناك أقنع تاكيشي السلطات المصرية بصعوبة أن يوافقوا على نزولهم من السفينة لكي يحصل تشان على تأشير دخول إلى السعودية، لعل رغبتهما بالحج كانت سبباً في تيسير أمور التأشيرات، وفي مصر قابل تاكيشي وفداً صينياً وعرف أحدهم وذهب له ومد يده للسلام لكن الصيني لم يرد السلام ولم يصافحه، اليابان كانت في حرب مع الصين ويبدو أن الصيني لم يكن مستعداً لتجاوز قوميته فجعل من صديقه السابق عدواً طوال الرحلة ولا ألومه.

حاول أن تضع نفسك مكان هذا الصيني، هو مسلم وأمامه شخص مسلم من بلد عدو له ويحتل بلده، كيف ستتعامل مع هذا الموقف؟ تاكيشي أسف على ذلك لكنه أيضاً لم يتجاوز قوميته ويتعرف بخطأ استعمار اليابان للصين، كان يراه تحريراً للصين ولبلدان أخرى من قبضة الاستعمار البريطاني.

في السفينة عرض فيلم دعائي وصفه السيد تاكيشي بالسخيف، فقد كان لراقصات وكانت إحداهن تلبس قماشاً يابانياً تقطع بسهولة لكن الراقصة اشترت قماشاً مصرياً وعادت للصديقاتها اللواتي رحبن بها، أشار تاكيشي أن التلفاز الذي عرض هذا الفيلم الدعائي كان ياباني الصنع في حين أن جمهور السفينة المتجهة إلى جدة صفق للفيلم الدعائي على أساس أنه انتصار للصناعة المصرية، غضب تاكيشي من ذلك فهو يعلم جودة الصناعة اليابانية ولم يكن يرضيه أن يرى دعاية مضادة لبلده.

منذ بداية وصولهم إلى جدة وحتى عودتهم إليها بعد الحج يصف تاكيشي تفاصيل حياتهم هناك، كان الحج صعباً حقاً ومتعباً حقاً، نحن اليوم نعيش في نعمة فالحج أصبح ميسراً سهلاً أكثر من السابق، نعمة عظيمة أن يذهب أحدنا للحج ويجد المكيف البارد والمكان النظيف الصحي والطعام النظيف وما يكفي من الماء، في وقت تاكيشي كانت الأمور صعبة حقاً، الحر كاد يفتك بهم، المرض كاد أن يفتك بثلاث زملاء لتاكيشي، إثنان من رحلة سابقة والثالث هو السيد تشان الذي اشتد عليه المرض وارتفعت حرارته، كان المؤلف يتحدث عن الباعوض والذباب وكيف كانوا يجدون الذباب في الأكل.

مراجع الكتاب كان يضع ملاحظات تذكر أن الوضع تغير الآن بعد إصلاحات كثيرة.

هذا كتاب أنصح به الجميع، فهو يقدم صورة لحقبة تاريخية مهمة لليابان والسعودية ويعطي فكرة جيدة عن جزء من ثقافة اليابان، وأنا استمتعت حقاً بقرائته وكنت أتمنى لو أن المؤلف أطال أكثر في ذكر تفاصيل رحلته.

الكتاب: ياباني في مكة.
المؤلف: تاكيشي سوزوكي.
المترجم: سارة تاكاهاشي، أ.د. سمير عبد الحميد إبراهيم
الصفحات: 284
دار النشر: مكتبة الملك عبد العزيز العامة

1 تعليقات:

غَسَق يقول...

كالكنز، وجدت هذا الكتاب في مكتبة الجامعة
أسعدني تقريرك عنه

الإعلان الذي راه في السفينة يمثل حالًا مضحكًا، يذم الصناعة اليابانية ويعرض في نفس الوقت على تلفازها

الرجل وفخره الشديد بوطنه، حين يعلم الكل أنه ياباني، ونظرته العمياء تجاه استعمار بلاده، أجد اليابان إلى الآن لا تواجه هذه الحقيقة، وهي أنها قد اعتدت يومًا ما

وصوله لمكة، كانت لحظة مؤثرة، ونظرته تجاه بوابة مكة، التي وضحها المترجم مشكورًا

رحم الله الحاج تاكشيي سوزوكي، وشكر الله لك

إرسال تعليق

ملحوظة: يمكن لأعضاء المدونة فقط إرسال تعليق.