الاثنين، 29 أغسطس، 2011

تجربة الثمانينات

Letterwriting

منذ أن بدأ الإنسان حياته على هذه الأرض والنقاش حول التقنيات لم ولن يتوقف، سقراط رأى أن الكتابة ستجعل عقول الناس ضعيفة لأنهم ليسوا بحاجة لتذكر الأشياء فكل ما عليهم هو كتابتها، ونحن اليوم نناقش الشبكات الاجتماعية والهواتف الذكية وتأثيرها على الناس، وقبل عشر سنوات تقريباً وعندما طرحت نوكيا أول هواتفها التي تحوي كاميرا (نوكيا 7659) ظهرت بعض المقالات في الصحف تحذر من خطر هذا الهاتف وما ماثله على خصوصيات الناس وقرأت لمن طالب بمنعه، في الولايات المتحدة هناك نقاش حاد طويل حول حق الأفراد في اقتناء أسلحة وهو حق يكفله القانون ويحمي هذا القانون من التغيير منظمة أو ربما منظمات تقف ضد كل محاولة لمنع الناس من اقتناء الأسلحة، والنقاش يدور دائماً حول طبيعة الأسلحة وكيف أنها أدوات للدفاع كما يرى فريق ويرى فريق آخر أنها تتسبب في زيادة معدلات الجرائم.

يمكن أن أذكر أمثلة كثيرة مختلفة، المهم هنا أن أشير فقط إلى أن النقاش حول التقنية ليس جديداً بل هو قديم قدم التقنية نفسها والتقنية ظهرت منذ بدأ البشر حياتهم على الأرض، الناس صنعوا الأدوات والأدوات أثرت على حياة الناس، كنت في الماضي أردد "مجرد أداة" لكنني الآن أرى أن هذا غير صحيح، الأدوات لها تأثير على الناس يختلف باختلاف المجتمعات.

لفهم علاقتنا بالتقنية يجب علينا أن نجرب عدم استخدامها، استخدامنا الدائم للتقنية لا يعطينا فكرة صحيحة عنها، لا يمكنك أن تحكم على الشيء وأنت منغمس فيه بل تحتاج للابتعاد عنه لترى الصورة كاملة، عندما نكون بالقرب من التقنية فنحن لا نختلف عن شخص ألصق أنفه بلوحة فنية كبيرة، مهما فعل لن يرى اللوحة كاملة وعليه أن يبتعد خطوات عدة لكي يراها جيداً، هذا ما يفعله مجموعة من الناس حول العالم، هناك من يغلق هاتفه النقال، أو يتخلى عن سيارته، أو يحاول إخراج صحيفة بتقنيات ما قبل الحاسوب، أو يشجع على التواصل بتقنيات بطيئة، أو يحاول العيش بدون كهرباء أو بدون كهرباء من مصدر طاقة ملوث، هناك أمثلة عديدة في الشبكة.

لم لا تجرب ذلك أنت أيضاً؟ شخصياً جربت أن أعيش بلا هاتف وصدقني لم تنتهي الدنيا، الآن لدي هاتف لكنه كقطعة أثاث ونادراً ما ألقي نظرة عليه، جربت كذلك الانقطاع عن الشبكة كلياً، وفي كل مرة أنقطع عن الشبكة أجد نفسياً منغمساً في الكتب، المشي، محاولة صنع شيء بيدي، الحديث أكثر مع الناس وجهاً لوجه، فلم لا تجرب؟

أفكر بتجربة العودة إلى الماضي، ليس الماضي بعيد بل فقط فترة الثمانينات، هذا يعني أن الهاتف الأرضي فقط يستخدم وليس هناك هاتف نقال بتقنية GSM، الإنترنت غير موجودة، الحاسوب موجود لكن حاسوب الثمانينات كان ضعيفاً جداً مقارنة مع حواسيب اليوم، ربما عليك تجربة العودة إلى حاسوب صخر MSX، لا قنوات فضائية، لا أقراص DVD، لا مشغلات MP3 لكن هناك مشغلات الأشرطة أو الكاسيت، لا كاميرات رقمية لكن هناك كاميرات أفلام، الألعاب الإلكترونية محصورة بأتاري ونينتندو فاملي وأجهزة أخرى ... أظن أن الفكرة وصلت.

ما الذي سيحدث لو جربت أن تتوقف عن استخدام هذه التقنيات؟ لا أعرف الإجابة وليس هناك إجابة واحدة، كل شخص سيرى التجربة بمنظار مختلف، قرأت لمن كره حياته خلال الأسبوع الذي تخلى فيه عن حاسوبه بل قرأت عن من بكى في أول يوم من إجباره على عدم استخدام بلاكبيري، وقرأت عن من قرر أن يجعل التجربة دائمة لأنه رأى أثرها الإيجابي عليه.

ربما يفكر شخص بطريقة: ما هذا الجنون؟ هذه التقنيات مفيدة ولا يمكن أن أفكر في التخلي عنها!

إن كنت تفكر بهذا الأسلوب فأنت أولى من غيرك أن تجرب ما لا يمكنك أن تفكر في التخلي عنه، تجربة قصيرة لن تضرك، وعدم التفكير في شيء ما ليس أمراً إيجابياً بل أراه مشكلة يجب أن تفكر فيها!

هذا الموضوع يجعلني أتجرأ على فعل ما لم أتجرأ عليه في السنوات القليلة الماضية، لكن أود تنفيذ شيء قبل الحديث عنه، لذا ... لكل حادثة حديث.

5 تعليقات:

فوضى عارمة يقول...

لم تنتهي لم تنتهِ
لانها مجزومة

عبدالرحمن يقول...

انقطعت عن العالم الافتراضي لمدة اسبوعين واليوم هو ثاني يوم منذ عودتي له.

خلاصة ما قمت بانجازه:
- اديت مناسك العمرة ولله الحمد. آخر زيارة لمكة كانت منذ اكثر من ثلاث سنوات.
- قرأت 3 كتب وعلى وشك انهاء الرابع وهناك مشروع لانهاء سبعة الى عشرة كتب آخرى لايحضرني عددها الآن.
- لم اشرب اي قهوة طوال هذه الفترة .. امر غريب فعلاً لأنني مدمن قهوة بمعنى الكلمة وبالذات عندما اجلس امام الشاشة.
- اختفى الصداع!
- اصبحت الاحظ الاشياء الصغيرة في حياتي .. بدون سبب قضيت يوم كامل في ترتيب غرفتي واخرجت جميع حاجياتي ورتبتها ورميت بعض منها واهديت البعض الاخر الى اخواني الصغار.
- قضيت ثلاث ساعات متواصلة اقلّب في البوم الصور (من النوع القديم) لطفولتي البسيطة :)
- انجزت كثيراً من المهام المؤجلة (صيانة السيارة، الخ)
- فجأة وجدت نفسي غارقا في احلام اليقضة حيث اقوم بتخطيط مستقبلي بالتفصيل.
- انصتت الى البحر وانصت اليّ فمنذ زمن لم ازره حتى نسيت اغلب ملامحه

كانت تجربة ايجابية جعلتني انظر للتقنية من منظور اكبر او لنقل انني رايت اللوحة كاملة او معظمها كما ذكرت في طرحك.

يمكنني القول بأنني أستطيع الان أن أعيش بلا انترنت! وانوي التقليل من استخدامها في المستقبل القريب .. استخدامي للحاسب كان شبه يومي منذ ان ادمنت البرمجة قبل 7 سنوات.

قمت بالتسجيل في نادي رياضي وثلاثة اندية اجتماعية وانوي الذهاب للبحر ثلاث مرات كل اسبوع! لنأمل ان التزم بها!

السلبية الوحيدة التي واجهتها هو انه يجب علي الآن الاطّلاع على اكثر من 700 تحديث ما بين رسائل على البريد و قاريء الخلاصات! تدفق معلوماتي رهيب نعاصره في هذه الأيام!

عبدالله المهيري يقول...

@فوضى عارمة: هل تستطيع أن تدلني على درس في الشبكة يشرح ما قلته أكثر؟

@عبد الرحمن: تجربة جميلة بلا شك، ما إن قطعت الشبكة حتى بدأت في ملاحظة كل شيء آخر في حياتك وحقيقة الأشياء الأخرى جميلة ولعلها أكثر أهمية من العالم الافتراضي، ما قلته حول تدفق المعلومات يمكن علاجه، قلص المعلومات التي تصلك بكل الطرق الممكنة وتذكر أنك لن تستطيع أن تلحق كل شيء، لا بأس إن فاتك شيء ما.

محمد من المغرب يقول...

بعضنا يغرم بمرحلة زمنية ما فلا يرضى بديلا عنها ولو تقدّمت العلوم، لا يرى ضرورة لمواكبة التطوّر التقني.

أعرف شخصا تعلّم البرمجة في أوائل التسعينات، هذا يعني أنّ علاقته بالحاسب ليست سيئة، مع ذلك، يحبّ استخدام الآلة الكاتبة اليدوية لطباعة رسالة ما سواء بالعربية أو اللاتينية! لا أدري مدى معرفة الجيل الحالي بهاته الآلة، وصوت الطباعة عليها.

نفس الشخص لا زال مغرما باستخدام الكاميرات الفلمية القديمة (رغم قدرته على استخدام الرقمية منها)، بالنسبة له لا معنى لأن تلتقط صورة وتراها قبل طباعتها، لا معنى لأن تلتقط عشرات ومئات الصور ثم تختار بينها وتعدّل عليها وأخيرا ربّما تطبع واحدة... لطالما سخر من الكاميرات الرقمية! المتعة بالنسبة له هي أن تستعمل كاميرا تصوير فلمية وتحرص على التقاط أفضل صورة دون أن تراها، انتبه لديك عدد محدود من الصور، ثم تحمضّ الفلم وتطبع النتيجة وتسعد بصورتك، وجهة نظر :)
بالمناسبة، هذا الشخص لا زال يملك كاميرا تصوير بفلاش أحادي الإستخدام (بمعنى، كلّ صورة تحتاج مصباح فلاش لأنّ هذا الأخير صالح للإستخدام مرّة واحدة! من لا زال يتذكّر هذه الكاميرات الأثرية؟)

هذا الشخص لا يستخدم هاتفا جوالا لأنّه يراه اعتداء على خصوصيته ووقته. يملك سيارة صنعت في سبعينيات القرن الماضي لا يستخدمها أحد في زمننا هذا، بكل بساطة اشتراها في السبعينيات وأغرم بها، ولا زال يستخدمها :)، لديه كاميرا فيديو تصوّر بالأبيض والأسود (وبالتالي فكلّما سافر لخارج البلد إلّا وعاد بمشاهد ولقطات من تسجيله فتعرّفت الأسرة على العالم الخارجي، هذا قبل أن أولد أنا!).

ممم، أخيرا، هذا الشخص أحد أفراد العائلة، وهو مستمتع بحياته :)

عبدالله المهيري يقول...

@محمد من المغرب: هذا هو المطلوب، أن يستمتع المرء بحياته وأن يطبق قناعاته دون أن يكترث لما يقوله الناس، حقيقة أغبط قريبك هذا، قليل من الناس اليوم لديهم الجرأة على فعل ما يفعله.