ما سأقوله في هذا الموضوع ليس جديداً بل هو تذكير فقط ببعض الأساسيات التي لا أشك أننا نتفق عليها، كيف يمكن أن تعطي طفلك أفضل ما يمكن أن تعطيه عندما يذهب إلى المدرسة؟ الإجابة ستجدها في كتب ومقالات تربوية موزعة على الشبكة وفي المجلات والكتب، لذلك ابحث عنها ولا تكتفي بهذا الموضوع.
كما قلت في موضوع سابق، الأسرة هي أساس المجتمع ولا يمكن لأي مؤسسة أخرى أن تحل محل الأسرة، مهما حاولت المدارس أن تفعله فلن تكون بديلاً للأسرة، يمكن للمدرسة أن تساعد الأسرة لكن بدون تربية وتعليم من الأسرة لا يمكن للمدرسة أن تفعل الكثير.
جزء من مشاكل أنظمة تعليمنا تكمن في الأسرة، عندما لا تتابع الأسر أبنائها ولا تهتم كثيراً بما يحدث لهم في المدارس ولا تمارس دورها في التربية والتعليم فلن يحقق أي نظام تعليمي أهدافه بالكامل ولن يكون فعالاً، لذلك إن أردت أن تقدم الأفضل لأبنائك فعليك أن تتابعه في المدرسة.
قبل ذلك لا بد لعلاقتك بأبنائك أن تكون علاقة ثقة، من المفترض أن يكون الأب والأم هما الملجأ الأول لأبنائهما عندما تحدث مشكلة أو يواجه أحد الأبناء صعوبة، لا بد أن يفتح الأب المجال لأبنائه ويعلمهم أنه مهما حدث من مشاكل أو ارتكب أحد الأبناء أخطاء - أياً كانت - فهو موجود دائماً وسيسمعهم وسيساعدهم على تجاوز الأخطاء والتعلم منها، هذا ليس سهلاً، هذا يحتاج من الأبوين لصبر وحكمة في التعامل مع مشاكل الأبناء، بحاجة لأن يقاوم الأب مشاعره فلا يعاقب بأي شكل مهين بل يحاول أن يكون تربوياً فيخرج بنتيجة أفضل ويرفع مستوى علاقته بأبنائه، كيف يفعل ذلك؟ لا أدري، هناك كتب ألفها تربويون مثل الدكتور محمد فهد الثويني وجاسم المطوع وغيرهم، يمكنك شراءها والتعلم منها.
عندما يدخل ابنك للمدرسة عليك أن تجهزه لما قد يلاقيه في المدرسة، عليك أن تخبره كيف يتعامل مع المشاكل ومع مضايقات الآخرين، عليك أن تعلمه أن يكون خلوقاً فلا يعتدي بالضرب أو السب على أي طالب آخر، عليك أن تعلمه كيف يتعامل مع المدرسين وكيف يتصرف إن كان هناك مدرس يخطأ في حقه.
لا بد من حوار يومي مع طفلك عن المدرسة، ماذا فعل؟ ماذا حدث؟ هل هناك واجبات؟ ما الذي تعلمه؟ عليك أن تستمع جيداً لما يقوله فربما هناك إشارات تدل على مشكلة قد لا يريد الابن مصارحتك بها مباشرة، فمثلاً إذا قال لك ابنك "لا أحب الرياضيات" فلا يكن ردك على ذلك بأن تذكره بأن هذا سخيف وأن الرياضيات مهمة، هذا ليس مفيداً لابنك، لماذا لا يحب الرياضيات؟ ربما المدرس قاس عليه، ربما المادة صعبة والمدرس يسير بسرعة أكبر من قدرة ابنك، ربما ابنك لا يعاني من شيء بل فقط يريد من يتعاطف معه وإن لم يجد هذا التعاطف منك سيبحث عنه عند غيرك وسيغلق باب التواصل معك.
بعد ذلك لا بد من تواصل مستمر مع المدرسة، على مر السنين لم أجد من يتابع أبنائه بحرص إلا مرة أو مرتين، كثير من الآباء لا يعرفون عن ما يحدث لأبنائهم ولا يهمهم شيء سوى التوقيع على أوراق الامتحانات والشهادات وتقريع أبنائهم عندما لا يحصل على درجة كاملة، أتذكر بكاء أحد الزملاء في الفصل عندما حصل على علامة كاملة إلا نقطة واحدة، أي 59 من 60، كان يبكي بحرقة لأن أباه سيعاقبه بشدة على هذه العلامة، استأذن الاستاذ منا أن يعطيه علامة كاملة فوافق الفصل وغير الأستاذ العلامة.
التواصل يجب أن يكون على كل المستويات، يجب أن تعرف من هم مدرسو ابنك، وتتصل بهم كل أسبوع أو اسبوعين، لا بد أن تعرف الإدارة والمشرفين والأخصائي الاجتماعي وتتصل بهم بين حين وآخر، لا بد أن تعرف زملائه في الفصل وتعرف من يمكن أن يتسبب بمشاكل لابنك ومن يصلح أن يكون صديقاً له، بدون هذه هذا أمر متعب لكنه ضروري إن كان ابنك هو الأولوية الأولى في حياتك، هذه المعرفة ستجنب ابنك كثيراً من المشاكل قبل استفحالها.
من الضروري أن تشارك في أنشطة المدرسة، من تجاربي في الموضوع أجد أن كثيراً من الآباء ليس لديهم اهتمام بأي نشاط مدرسي يتطلب حضورهم، أتذكر اجتماعات الآباء التي يحضرها جزء صغير من آباء الطلبة، من المفترض أن تشجع ابنك على المشاركة في أي نشاط خارج الفصل ومن الأفضل أن تكون موجوداً في بعض هذه الأنشطة، من حق ابنك أن يراك فخوراً به ومشجعاً له، من حقه.
بقي لدي نقطتان لكنهما متعلقتان بالأسرة أكثر من المدرسة، الأولى موضوع الجنس، دعني أختصر الأمر، علم ابنك ما يجب أن يعرفه في العمر المناسب له، لا أدري متى هذا العمر، اقرأ كتب التربويين عن الموضوع فهم أكثر خبرة، المهم هنا أن تكون أنت مصدر المعلومات لا زملائه، وإن لم تعلمه أنت سيعلمه شخص آخر وأبصم لك بكل أصابعي أن الآخرين سيعطونه فكرة مشوهة عن هذا الموضوع والفكرة المشوهة قد تؤثر على حياته كلها.
لا بد من المصارحة، الأطفال لديهم فضول وسيتعلمون ويكتشفون بأنفسهم ما لم تعلمهم، جلسة مصارحة بينك وبين ابنك أو ابنتك توضح فيها ما هو صحيح وما هو خطأ ستكفي لتجنب مشاكل كثيرة، لا بد أن تعلم ابنك ما هو التحرش وكيف يتجنبه وكيف يتعامل معه، لا بد أن تعلمه ما هو حلال وما هو حرام، غير ذلك سيكون أثره وخيماً وصعباً على ابنك.
النقطة الثانية هي أن ابنك كلما كبر احتاج لوقت أكبر لنفسه، وفر لأبنائك فرصة أن يفعلوا ما يرغبون به في وقت مخصص لهم، وقت لا يراقبهم فيه أحد لا مدرس ولا أسرة، أبنائك بحاجة لذلك، ليس بالضرورة أن تختفي في هذا الوقت لكن تحكم بنفسك ولا تحاول التدخل في ما يفعله ابنك بوقته هذا، اذهب معه إلى الشاطئ أو الحديقة أو الكورنيش أو أي مكان مناسب للترفيه، ابقي المدرسة بعيداً في هذا الوقت، استمتع بوقتك مع ابنك وإن أراد ابنك مثلاً أن يمشي بعيداً لوحده فدعه يفعل ذلك.
كل ما قلته هنا بديهيات لا أظن أنها تغيب عن ذهن أحد، المهم أن توضع موضع التنفيذ، هذا كل شيء.
24 يوليو, 2010
22 يوليو, 2010
أكاديمية خان
سلمان خان يبلغ من العمر 33 عاماً، لديه شغف بالتقنية والرياضيات، كان يعمل محللاً مالياً لشركة استثمار، أراد مرة أن يعلم أبناء عمومته درساً في الرياضيات فصور الدرس بالفيديو ووضعه في يوتيوب، تلقى الدرس زيارات كثيرة من أناس مختلفين فبدأ سلمان بوضع دروس مختلفة للرياضيات والتاريخ والأحياء ووصلت عدد دروسه لأكثر من 1400 درس.
من أجل هذه الدروس استقال سلمان من وظيفته وتفرغ لدروسه وهو يضع كل يوم ما بين 1 إلى 5 دروس، شعبيته جعلت بعض الناس يتبرعون له بالمال ووجد تبرعات بعضها كبير وبعضها وفر له راتباً لكي يتفرغ لدروسه.
دروسه بسيطة وفي الغالب لا تزيد عن 10 إلى 20 دقيقة، يكتب ويرسم بيده على شاشة سوداء ويضع الصور والخرائط ليشرح أفكاراً ومعلومات مختلفة ويتحدث مباشرة للمشاهد.
هذا الأسلوب البسيط جعل دروسه تحصل على زيارات أكثر من أي دروس أخرى من أي جامعة أمريكية عريقة، كل هذا أنجزه شخص واحد فقط، أكثر من 1400 فيديو جعلته معلماً لكل من يستطيع الوصول إلى يوتيوب.
من فوائد دروس الفيديو التي يقدمها سلمان:
- يمكنك الإعادة أو تجاوز أي مقطع تريده.
- أن تتعلم لنفسك لا لإرضاء معلم أو أسرة.
- لا تشاهد المعلم، بل تسمعه، الأمر كله متعلق بالدرس.
- تستطيع أن تتعلم بالسرعة التي تناسبك
- سلمان خان يخطأ أحياناً، وهذا ما يجعل البعض يجدون راحتهم في معرفة أن المعلم يخطأ وبالتالي لا بأس من الوقوع من الأخطاء.
ما فعله سلمان هو ببساطة إنشاء منهج دراسي متكامل لبعض المواد، أو مدرسة على الشبكة تساعد الطلاب على التعلم والتفوق في مدارسهم وجامعاتهم، لكن هناك فرصة لتغير دور الجامعات والمدارس، ربما يكون التعليم في المستقبل مختلفاً بحيث يتعلم الطالب بنفسه وتكون المدرسة هي الحكم على مستوى تعليمه فتعطيه شهادة على أساس اختبارات مختلفة تمتحن فهمه أكثر من حفظه.
أكاديمية خان
لماذا انتقد التعليم؟
بعد كل ما كتبته عن التعليم - وهو ليس بالكثير ولا بالقليل - يبدو أن كلامي لم تصل معانيه للبعض، يبدو أنني لم أشرح الأمور بشكل كافي، لذلك هذه محاولة أخرى أعيد فيها ما قلته سابقاً لعل أن يفهم كلامي البعض حتى لو لم يوافقوا عليه، أريد فقط أن أتاكد أنهم عرفوا من أي موقع أتحدث ولماذا أتبنى هذه الآراء.
دعوني أذكركم بأنني كنت طالباً في المدرسة، 6 سنوات في الابتدائية، و6 في الإعدادية مع أنها 3 لكنني كررت الأعوام، و4 في الثانوية لأنني فصلت في الأول الثانوي لغيابي المتكرر، أي 18 سنة خبرة في المدارس، شيء لا أفتخر به صدقني، وشيء لا أعتبره مقياساً لأي شيء في حين أعرف جيداً أن بعض أو كثير من الناس يقيسونني به.
لأبدأ بالجانب الأخلاقي، رأيت من القصص ما يكفي لكتابة سلسلة مقالات حول هذا الجانب، لكنني أستحي من ذكر التفاصيل، يكفي العاقل أن أخبره بأن 5 تشاركوا في الاعتداء على سادس وكان كل هذا بالتراضي، حدث هذا أيام الإعدادية وكنت وقتها رئيس مجلس الطلاب، رأيت طلبة يتحرشون بطالب في ساحة المدرسة وأمام أعين المدرسين والإدارة، لم يحدث هذا مرة أو مرتين طوال سنوات الدراسة بل يحدث مرات كل عام، رأيت في الفصل الذي أدرس فيه تصرفات أخجل من ذكرها، عندما كنت صغيراً كنت أسكت لأنني خائف كبقية طلبة الفصل وبعد سنوات كنت أتحدث وأتصادم مع طلاب أكبر مني سناً وحجماً ويكاد أحدهم يصبح جداراً ونتيجة لهذا التصادم كنت أقع في المشاكل معهم لكنني من ناحية أخرى أحترم الإدارة والمدرسين لذلك كانوا يقفون معي ويصدقون كلامي ... هذا عندما كانت إدارة المدرسة تحوي وكيلاً يحترم الطلاب.
رأيت وسمعت الكثير، أكاد أتقيأ عندما أفكر بالأمر، هذه القصص بدأت منذ أيام الابتدائية، هل يمكنك تخيل ذلك؟ طالب في أول عام دراسي له يبلغ من العمر 7 سنوات يتعرض لاعتداء من طالب آخر رسب سنوات عديدة حتى أصبح أحد المعالم البارزة في المدرسة، أصبح عموداً أو إهراماً لا يمكن تخيل المدرسة بدونه، رأيت وسمعت ذلك وتكرر الأمر مرات كثيرة.
أما المدرسين فلدي قصتان أعرف أبطالها، مدرس في الابتدائية وآخر في الإعدادية، كلاهما كشف وفضح من قبل الطلبة وتحركت إدارة المدرستين لفصلهما من العمل في التدريس، لكن قبل فضح البطلين كم مرة اعتدوا على الطلاب من قبل؟
أما اليوم فهناك أخبار الصحف، هل يمكنك أن تتخيل مدرس تحفيظ قرآن يمارس الفعل القبيح؟ حدث هذا وقرأنا عنه، حدث هذا في بلادنا وفي بلدان أخرى، الأمر ليس نادراً أو مجرد استثناء صغير حقير لا يستحق الذكر، والأمر يتكرر في المدارس على اختلاف أنواعها.
هذه بيئة المدرسة في الماضي، اليوم دخلت التقنية إلى المدرسة وأصبحت في جيوب الطلاب، كما ترى الاهالي يخافون على طلابهم فيشترون لهم هواتف، بعضهم يشتري هاتفاً لابنه لأنه لا يرى مشكلة في ذلك، أو لأن الابن ألح - أصر يصر إلحاحاً! - على شراء هاتف، وما المشكلة في ذلك؟ في الغالب لا مشكلة إلى أن تحدث مشكلة!
مدرسة اكتشفت في هاتف طفل في الابتدائية معرض صور إباحية، هذا طفل في الابتدائية فما الذي تحويه بعض هواتف طلاب الإعدادية والثانوية؟ أضف إلى ذلك أن التواصل بين الطلاب أصبح داخل وخارج المدرسة، في الماضي كان التواصل خارج المدرسة صعباً، الشبكة والهواتف اليوم ألغت المسافات، لذلك الطالب السيء أخلاقياً لديه فرصة لبث تأثيره أثناء الحصص المدرسية وبعد انتهاء الدوام.
حتى الآن أشعر أنني لم أكون صورة واضحة عن الوضع الأخلاقي في المدرسة، لكن أتمنى أن يكون ما كتبته كافياً لأنني لو دخلت في التفاصيل فلن أنتهي، لم أتحدث عن الاعتداء لفظياً أو جسدياً على الطلاب من قبل المدرسين أو طلاب آخرين، لا أعني اعتداء جنسي بل عنف فقط، عنف لفظي وجسدي، يحدث أن يتنمر بعض الطلاب على آخري، تتكون عصابات ترهب الطلاب وتخيفهم، رأيت من حوادث العنف في المدرسة ما يكفي وبعضها وصل لمرحلة خطيرة، أو لأكون أكثر وضوحاً، بعضها أوصل بعض الطلاب إلى المستشفى في حالة خطيرة.
بعد كل ما قلته أعلم جيداً أن هناك من يجهز رداً "لكنك تبالغ، الوضع ليس بهذا السوء، هناك إيجابيات لم تذكرها ... إلخ" وبالطبع علي أن أقول بأن الأمر ليس بهذه السوداوية لكن ما حدث ورأيته بعيني لم يمكنني أن أكذبه وما يحدث اليوم لا يمكننا التغاضي عنه، لنعترف أن هناك مشاكل أخلاقية في مدارسنا، لنعترف أن هناك طلاب أبرياء يتعرضون لاعتداء بأنواعه ومن بينها التحرش وهذا يدمرهم، لا يدمرهم ليوم أو يومين، إن ضرب الطالب فقد تظهر كدمة تحت عينه تزول مع الأيام لكن أخبروني متى سيذهب أثر الاعتداء والتحرش؟ هذا التحرش قد يبقى أثره طول حياة الإنسان ... لذلك أخي الكريم، أختي الكريمة، أرجوكم ... أرجوكم من أعماق قلبي، لا تقللوا من شأن التحرش.
نقطة أخيرة، عندما يعتدي طالب على آخر أو مدرس على طالب فهذا سيحدث عندما لا يكون هناك رقيب يشاهد، وأعلم جيداً أن الآباء والأمهات لا يذهبون إلى المدرسة مع أبنائهم بل يتركونهم للمدرسة على أساس أن الإدارة المدرسية مسؤولة، من ناحية الإدارة المدرسية لا يمكنها أن تراقب كل الطلاب في كل وقت ومن ناحية أخرى عندما تقع الفأس على الرأس لا يمكن للإدارة المدرسية أن تبتكر معجزة لتزيل كل آثار الضرر.
من ناحية التعليم كنت في الماضي القريب أظن أنني الصوت الوحيد الذي يقول أن التعليم في مدارسنا ليس بالمستوى الذي يبرر وجود الطالب 12 عاماً في المدرسة، اكتشفت لاحقاً أن هناك أناس كثر يؤيدون كلامي، فإن كنت أنا أقول هذا الكلام لأنني فاشل دراسياً فماذا عسى أن يكون رد الناس الذين يذكرونني بفشلي على آراء خبراء في التعليم؟ هل المدرس الذي قضى 30 عاماً في التعليم لا يفهم مثلاً؟ أو أنه هو الآخر فاشل دراسياً؟
لم تعد هناك فائدة من تحويل الموضوع ليناقش أمراً يخصني عندما يتفق آلاف من المعنيين بالتعليم والمتخصصين فيه على أن نظم التعليم حول العالم سلبياتها كثيرة ولم تعد تلبي حاجة العالم اليوم، هناك عشرات الكتب والأبحاث حول الموضوع، هناك تجارب عديدة حول العالم تثبت أن هناك طرقاً مختلفة للتعليم ولم يعد من المجدي التركيز على أسلوب واحد في التعليم، المدارس بشكلها الحالي وبأسلوبها الحالي ليست مقدسات لا تمس، ليست إهرامات لا تهدم، ليست جبالاً لا تتزحزح، التعليم اليوم من صنع البشر، وما هو من صنع البشر لا يمكنه أن يبقى صالحاً لكل مكان وزمان.
حتى وقت قريب كنت أقرأ لمن يؤيد كلامي في الشبكة أو في الكتب، وقد بدأت أسمع من آباء كلاماً يوافق كلامي، بعضهم يرى التعليم مضيعة للوقت لأن ابنائهم لا يتعلمون الكثير ويقضون نصف يومهم في المدرسة ويعودون للبيت متعبين يحلون واجباتهم وينامون ليعيدوا اليوم نفسه غداً وبعد غد، هل تستحق المدارس هذا الجهد؟ في الماضي كان مجرد طرح السؤال يعتبره البعض وقاحة والآن آباء يفكرون جدياً في بدائل المدرسة، وبالمناسبة لم أحدثهم أنا بشيء، لم أفسد عقولهم، هم الذين تحدثوا في الموضوع.
هل هؤلاء الآباء مجانين؟ لا ... بالطبع لا، بعضهم ينظر للأمر من ناحية عملية فلا يرى الجهد والوقت والمال الذي يبذل في التعليم يبرر وجود ابنه في المدرسة لوقت طويل، بعضهم يرى الأمر من ناحية أخلاقية فهو يخشى على ابنه من أي اعتداء وهذا الخوف له ما يبرره، يغضبني أن يقلل البعض من شان هذا الخوف، ما لن تقبله أبداً لابنك عليك ألا تقبله لآبناء الآخرين ولا تقلل من شأنه.
إن وصلت لهذا السطر فلعلك تهز رأسك وتسأل: طيب ما الحل؟
حالياً؟ وبكل صراحة؟ لا يوجد حل! أو لا يوجد حل بدون سلبيات كبيرة، فمثلاً أنا أدعوا للتعليم المنزلي، ولا يعني هذا أن كل أسرة قادرة على تعليم ابنائها، لا شك لدي أن الأسرة المهملة للأبناء لا يمكنها تعليمهم، لذلك خيار التعليم المنزلي هو خيار للأسرة الواعية الحريصة على ابنائها، الأسرة الحريصة على أن يتلقى ابنائها تعليماً بجودة عالية يحفظ للابناء عقولهم وينمي مواهبهم، هؤلاء الذين يمكنهم توفير هذا المستوى من التعليم سيناسبهم التعليم المنزلي ... هل هذا واضح؟
الاعتراض الأساسي للتعليم المنزلي يدور حول أمرين، الشهادة والتواصل الاجتماعي، التعليم المنزلي في بلداننا مفهومه مختلف كلياً عن التعليم المنزلي الذي أقرأ عنه ويمارس في بلدان مختلفة، فما أعرفه لدينا هو تعلم المنهاج المدرسي الرسمي ثم أداء الامتحانات في منتصف ونهاية العام، هذا كل شيء، بينما التعليم المنزلي في دول أخرى يعني أن الأسرة تضع المنهاج بأكمله لابنائها وهي تصمم كل الأنشطة التعليمية، هذا النوع من التعليم غير معترف به لدينا وبالتالي لن يحصل الطالب على شهادة وبالتالي ستكون نظرة المجتمع له سلبية ولن يحصل على عمل حتى لو كان الأخ غير الشقيق لآينشتاين ... بالمناسبة ماذا تعني الأخ غير الشقيق؟
قيمة الإنسان لدينا بحاجة لمراجعة، أسلوب الحصول على شهادة بحاجة لمراجعة، ونحن بحاجة لاعتراف رسمياً بالتعليم المنزلي ووضع أسس لتقييمه كما هو الحال في أمريكا واستراليا وبلدان أخرى، حالياً من سيعلم ابناءه بنفسه في المنزل فعليه أن يتحمل تبعات هذا القرار، قد يكون الأمر إيجابياً لهم من ناحية وسيكون سلبياً لهم من ناحية أخرى.
أما الجانب الاجتماعي فهو أمر آخر يغضبني، لا أدري إلى أي مدى وصلت قناعة البعض أن المدرسة هي المكان الوحيد أو المكان الأنسب للتواصل الاجتماعي للطفل، أنا لا أوافق على هذه النظرة، على العكس أجد أن المدرسة هي صورة مشوهة للتواصل الاجتماعي فهي لا تعطي الطفل صورة كاملة عن المجتمع بل عن جزء منه.
بالنسبة لي أرى التواصل على مستوى الحي الذي يعيش فيه الطفل أهم بكثير من صداقاته في المدرسة، مجتمعاتنا العربية والمسلمة عموماً أساسها الأسرة لا أي مؤسسة أخرى، والأسر في الغالب تعيش في منطقة واحدة والانتقال من مكان لآخر لا يحدث لدينا كما يحدث في الغرب، الأمريكان مثلاً يرون بيع بيوتهم والانتقال لبيوت أخرى أمراً طبيعياً أما نحن ففي الغالب سنعيش في بيت واحد لمدة طويلة أي في حي واحد، الصداقات على مستوى الجيران والحي أراها أكثر أهمية وفائدة للطفل، أراها طبيعية أكثر من المدرسة.
ثم هناك التواصل الاجتماعي مع البقالة، السوبر ماركت، السوق، المؤسسات الحكومية، المكتبة، الحديقة العامة، عامل النظافة، الشرطي، إمام المسجد، بواب البناية وغير ذلك كثير، هؤلاء الأشخاص وهذه المؤسسات كلها جزء من المجتمع ومن المفترض أن المدرسة تعلم الطلاب كيف يتعاملون مع كل فرد وكل مؤسسة، هذا لن يحدث، على الأقل هذا لن يحدث في مدارسنا بوضعها الحالي، ولعل هذا أمر طبيعي مقبول لأن المدرسة لا يمكنها أن تقدم كل شيء وعلى الأسرة أن تكون هي أساس التعليم حتى لو كان الطفل يذهب لمدرسة، إرسال الطفل إلى مدرسة لا يرفع العبء عن الأسرة التي يجب أن تعلمه وتربيه.
اعتراضي هنا على فكرة أن المدرسة هي المكان الوحيد للتواصل الاجتماعي للطفل وإن كان الطفل يتعلم في المنزل فسنحرمه من هذا التواصل، لا أوافق هذا الكلام وأجد أن هذه مشكلة ستظهر لدى أي أسرة حتى لو أرسلت الطفل إلى مدرسة، التواصل الاجتماعي كما أسلفت أساسه الأسرة والحي وبيد الآبوين ربط الطفل بمحيطه الاجتماعي أو عزله عنه، مرة أخرى نعود للأسرة، ما يذكره البعض من سلبيات يمكن للأسرة المهتمة الحريصة أن تتجنبها.
نقطة أخرى مهمة وهذه رأيتها في منزلنا وبالتأكيد موجودة في منازل أخرى، وجود أجيال مختلفة حول الطفل ضروري لكي تنتقل الثقافة من جيل لآخر، كثير من أبناء إخواني رأوا أبي وتحدثوا معه ولعبوا معه، لن أنسى صورة أبي وهو يحبو على أربع بينما تركب ظهره ابنة أخي الصغيرة، وجود الأبناء مع الآباء والأجداد والأعمام والعمات هو نوع من التواصل الاجتماعي الأساسي، هذا لن يحدث في المدرسة، ولن يحدث عندما يقضي الطفل نصف يومه في المدرسة وفي المنزل يقضي معظم ما تبقى من يومه في الواجبات.
أعلم أنني حتى الآن لم أقدم حلاً عملياً أو كلاماً جديداً، كل ما قلته سابقاً سبق أن كتبته ... سابقاً!
كتاباتي في الماضي لم يكن هدفها أن أغير نظام التعليم فهذا أمر بعيد المنال وصعب - ليس مستحيلاً - هدفي أن أزرع فكرة عدم القبول بالنظام التعليمي بشكله الحالي، ربما لا توافق كلامي بسبب تجربتي في المدرسة، لا بأس بذلك، لا تستمع لي، استمع لخبراء التعليم والذين كتبوا كتباً وأبحاثاً مفصلة حول الموضوع، دعني أخبرك أنك ستجد ما قرأته هنا ستقرأ هناك بأسلوب مختلف، لكن هؤلاء خبراء وأناس قضوا حياتهم في التعليم،
ما الحل؟ أظن أن لدي جزء من الحل، سأكتب عنه في موضوع منفصل.
دعوني أذكركم بأنني كنت طالباً في المدرسة، 6 سنوات في الابتدائية، و6 في الإعدادية مع أنها 3 لكنني كررت الأعوام، و4 في الثانوية لأنني فصلت في الأول الثانوي لغيابي المتكرر، أي 18 سنة خبرة في المدارس، شيء لا أفتخر به صدقني، وشيء لا أعتبره مقياساً لأي شيء في حين أعرف جيداً أن بعض أو كثير من الناس يقيسونني به.
لأبدأ بالجانب الأخلاقي، رأيت من القصص ما يكفي لكتابة سلسلة مقالات حول هذا الجانب، لكنني أستحي من ذكر التفاصيل، يكفي العاقل أن أخبره بأن 5 تشاركوا في الاعتداء على سادس وكان كل هذا بالتراضي، حدث هذا أيام الإعدادية وكنت وقتها رئيس مجلس الطلاب، رأيت طلبة يتحرشون بطالب في ساحة المدرسة وأمام أعين المدرسين والإدارة، لم يحدث هذا مرة أو مرتين طوال سنوات الدراسة بل يحدث مرات كل عام، رأيت في الفصل الذي أدرس فيه تصرفات أخجل من ذكرها، عندما كنت صغيراً كنت أسكت لأنني خائف كبقية طلبة الفصل وبعد سنوات كنت أتحدث وأتصادم مع طلاب أكبر مني سناً وحجماً ويكاد أحدهم يصبح جداراً ونتيجة لهذا التصادم كنت أقع في المشاكل معهم لكنني من ناحية أخرى أحترم الإدارة والمدرسين لذلك كانوا يقفون معي ويصدقون كلامي ... هذا عندما كانت إدارة المدرسة تحوي وكيلاً يحترم الطلاب.
رأيت وسمعت الكثير، أكاد أتقيأ عندما أفكر بالأمر، هذه القصص بدأت منذ أيام الابتدائية، هل يمكنك تخيل ذلك؟ طالب في أول عام دراسي له يبلغ من العمر 7 سنوات يتعرض لاعتداء من طالب آخر رسب سنوات عديدة حتى أصبح أحد المعالم البارزة في المدرسة، أصبح عموداً أو إهراماً لا يمكن تخيل المدرسة بدونه، رأيت وسمعت ذلك وتكرر الأمر مرات كثيرة.
أما المدرسين فلدي قصتان أعرف أبطالها، مدرس في الابتدائية وآخر في الإعدادية، كلاهما كشف وفضح من قبل الطلبة وتحركت إدارة المدرستين لفصلهما من العمل في التدريس، لكن قبل فضح البطلين كم مرة اعتدوا على الطلاب من قبل؟
أما اليوم فهناك أخبار الصحف، هل يمكنك أن تتخيل مدرس تحفيظ قرآن يمارس الفعل القبيح؟ حدث هذا وقرأنا عنه، حدث هذا في بلادنا وفي بلدان أخرى، الأمر ليس نادراً أو مجرد استثناء صغير حقير لا يستحق الذكر، والأمر يتكرر في المدارس على اختلاف أنواعها.
هذه بيئة المدرسة في الماضي، اليوم دخلت التقنية إلى المدرسة وأصبحت في جيوب الطلاب، كما ترى الاهالي يخافون على طلابهم فيشترون لهم هواتف، بعضهم يشتري هاتفاً لابنه لأنه لا يرى مشكلة في ذلك، أو لأن الابن ألح - أصر يصر إلحاحاً! - على شراء هاتف، وما المشكلة في ذلك؟ في الغالب لا مشكلة إلى أن تحدث مشكلة!
مدرسة اكتشفت في هاتف طفل في الابتدائية معرض صور إباحية، هذا طفل في الابتدائية فما الذي تحويه بعض هواتف طلاب الإعدادية والثانوية؟ أضف إلى ذلك أن التواصل بين الطلاب أصبح داخل وخارج المدرسة، في الماضي كان التواصل خارج المدرسة صعباً، الشبكة والهواتف اليوم ألغت المسافات، لذلك الطالب السيء أخلاقياً لديه فرصة لبث تأثيره أثناء الحصص المدرسية وبعد انتهاء الدوام.
حتى الآن أشعر أنني لم أكون صورة واضحة عن الوضع الأخلاقي في المدرسة، لكن أتمنى أن يكون ما كتبته كافياً لأنني لو دخلت في التفاصيل فلن أنتهي، لم أتحدث عن الاعتداء لفظياً أو جسدياً على الطلاب من قبل المدرسين أو طلاب آخرين، لا أعني اعتداء جنسي بل عنف فقط، عنف لفظي وجسدي، يحدث أن يتنمر بعض الطلاب على آخري، تتكون عصابات ترهب الطلاب وتخيفهم، رأيت من حوادث العنف في المدرسة ما يكفي وبعضها وصل لمرحلة خطيرة، أو لأكون أكثر وضوحاً، بعضها أوصل بعض الطلاب إلى المستشفى في حالة خطيرة.
بعد كل ما قلته أعلم جيداً أن هناك من يجهز رداً "لكنك تبالغ، الوضع ليس بهذا السوء، هناك إيجابيات لم تذكرها ... إلخ" وبالطبع علي أن أقول بأن الأمر ليس بهذه السوداوية لكن ما حدث ورأيته بعيني لم يمكنني أن أكذبه وما يحدث اليوم لا يمكننا التغاضي عنه، لنعترف أن هناك مشاكل أخلاقية في مدارسنا، لنعترف أن هناك طلاب أبرياء يتعرضون لاعتداء بأنواعه ومن بينها التحرش وهذا يدمرهم، لا يدمرهم ليوم أو يومين، إن ضرب الطالب فقد تظهر كدمة تحت عينه تزول مع الأيام لكن أخبروني متى سيذهب أثر الاعتداء والتحرش؟ هذا التحرش قد يبقى أثره طول حياة الإنسان ... لذلك أخي الكريم، أختي الكريمة، أرجوكم ... أرجوكم من أعماق قلبي، لا تقللوا من شأن التحرش.
نقطة أخيرة، عندما يعتدي طالب على آخر أو مدرس على طالب فهذا سيحدث عندما لا يكون هناك رقيب يشاهد، وأعلم جيداً أن الآباء والأمهات لا يذهبون إلى المدرسة مع أبنائهم بل يتركونهم للمدرسة على أساس أن الإدارة المدرسية مسؤولة، من ناحية الإدارة المدرسية لا يمكنها أن تراقب كل الطلاب في كل وقت ومن ناحية أخرى عندما تقع الفأس على الرأس لا يمكن للإدارة المدرسية أن تبتكر معجزة لتزيل كل آثار الضرر.
من ناحية التعليم كنت في الماضي القريب أظن أنني الصوت الوحيد الذي يقول أن التعليم في مدارسنا ليس بالمستوى الذي يبرر وجود الطالب 12 عاماً في المدرسة، اكتشفت لاحقاً أن هناك أناس كثر يؤيدون كلامي، فإن كنت أنا أقول هذا الكلام لأنني فاشل دراسياً فماذا عسى أن يكون رد الناس الذين يذكرونني بفشلي على آراء خبراء في التعليم؟ هل المدرس الذي قضى 30 عاماً في التعليم لا يفهم مثلاً؟ أو أنه هو الآخر فاشل دراسياً؟
لم تعد هناك فائدة من تحويل الموضوع ليناقش أمراً يخصني عندما يتفق آلاف من المعنيين بالتعليم والمتخصصين فيه على أن نظم التعليم حول العالم سلبياتها كثيرة ولم تعد تلبي حاجة العالم اليوم، هناك عشرات الكتب والأبحاث حول الموضوع، هناك تجارب عديدة حول العالم تثبت أن هناك طرقاً مختلفة للتعليم ولم يعد من المجدي التركيز على أسلوب واحد في التعليم، المدارس بشكلها الحالي وبأسلوبها الحالي ليست مقدسات لا تمس، ليست إهرامات لا تهدم، ليست جبالاً لا تتزحزح، التعليم اليوم من صنع البشر، وما هو من صنع البشر لا يمكنه أن يبقى صالحاً لكل مكان وزمان.
حتى وقت قريب كنت أقرأ لمن يؤيد كلامي في الشبكة أو في الكتب، وقد بدأت أسمع من آباء كلاماً يوافق كلامي، بعضهم يرى التعليم مضيعة للوقت لأن ابنائهم لا يتعلمون الكثير ويقضون نصف يومهم في المدرسة ويعودون للبيت متعبين يحلون واجباتهم وينامون ليعيدوا اليوم نفسه غداً وبعد غد، هل تستحق المدارس هذا الجهد؟ في الماضي كان مجرد طرح السؤال يعتبره البعض وقاحة والآن آباء يفكرون جدياً في بدائل المدرسة، وبالمناسبة لم أحدثهم أنا بشيء، لم أفسد عقولهم، هم الذين تحدثوا في الموضوع.
هل هؤلاء الآباء مجانين؟ لا ... بالطبع لا، بعضهم ينظر للأمر من ناحية عملية فلا يرى الجهد والوقت والمال الذي يبذل في التعليم يبرر وجود ابنه في المدرسة لوقت طويل، بعضهم يرى الأمر من ناحية أخلاقية فهو يخشى على ابنه من أي اعتداء وهذا الخوف له ما يبرره، يغضبني أن يقلل البعض من شان هذا الخوف، ما لن تقبله أبداً لابنك عليك ألا تقبله لآبناء الآخرين ولا تقلل من شأنه.
إن وصلت لهذا السطر فلعلك تهز رأسك وتسأل: طيب ما الحل؟
حالياً؟ وبكل صراحة؟ لا يوجد حل! أو لا يوجد حل بدون سلبيات كبيرة، فمثلاً أنا أدعوا للتعليم المنزلي، ولا يعني هذا أن كل أسرة قادرة على تعليم ابنائها، لا شك لدي أن الأسرة المهملة للأبناء لا يمكنها تعليمهم، لذلك خيار التعليم المنزلي هو خيار للأسرة الواعية الحريصة على ابنائها، الأسرة الحريصة على أن يتلقى ابنائها تعليماً بجودة عالية يحفظ للابناء عقولهم وينمي مواهبهم، هؤلاء الذين يمكنهم توفير هذا المستوى من التعليم سيناسبهم التعليم المنزلي ... هل هذا واضح؟
الاعتراض الأساسي للتعليم المنزلي يدور حول أمرين، الشهادة والتواصل الاجتماعي، التعليم المنزلي في بلداننا مفهومه مختلف كلياً عن التعليم المنزلي الذي أقرأ عنه ويمارس في بلدان مختلفة، فما أعرفه لدينا هو تعلم المنهاج المدرسي الرسمي ثم أداء الامتحانات في منتصف ونهاية العام، هذا كل شيء، بينما التعليم المنزلي في دول أخرى يعني أن الأسرة تضع المنهاج بأكمله لابنائها وهي تصمم كل الأنشطة التعليمية، هذا النوع من التعليم غير معترف به لدينا وبالتالي لن يحصل الطالب على شهادة وبالتالي ستكون نظرة المجتمع له سلبية ولن يحصل على عمل حتى لو كان الأخ غير الشقيق لآينشتاين ... بالمناسبة ماذا تعني الأخ غير الشقيق؟
قيمة الإنسان لدينا بحاجة لمراجعة، أسلوب الحصول على شهادة بحاجة لمراجعة، ونحن بحاجة لاعتراف رسمياً بالتعليم المنزلي ووضع أسس لتقييمه كما هو الحال في أمريكا واستراليا وبلدان أخرى، حالياً من سيعلم ابناءه بنفسه في المنزل فعليه أن يتحمل تبعات هذا القرار، قد يكون الأمر إيجابياً لهم من ناحية وسيكون سلبياً لهم من ناحية أخرى.
أما الجانب الاجتماعي فهو أمر آخر يغضبني، لا أدري إلى أي مدى وصلت قناعة البعض أن المدرسة هي المكان الوحيد أو المكان الأنسب للتواصل الاجتماعي للطفل، أنا لا أوافق على هذه النظرة، على العكس أجد أن المدرسة هي صورة مشوهة للتواصل الاجتماعي فهي لا تعطي الطفل صورة كاملة عن المجتمع بل عن جزء منه.
بالنسبة لي أرى التواصل على مستوى الحي الذي يعيش فيه الطفل أهم بكثير من صداقاته في المدرسة، مجتمعاتنا العربية والمسلمة عموماً أساسها الأسرة لا أي مؤسسة أخرى، والأسر في الغالب تعيش في منطقة واحدة والانتقال من مكان لآخر لا يحدث لدينا كما يحدث في الغرب، الأمريكان مثلاً يرون بيع بيوتهم والانتقال لبيوت أخرى أمراً طبيعياً أما نحن ففي الغالب سنعيش في بيت واحد لمدة طويلة أي في حي واحد، الصداقات على مستوى الجيران والحي أراها أكثر أهمية وفائدة للطفل، أراها طبيعية أكثر من المدرسة.
ثم هناك التواصل الاجتماعي مع البقالة، السوبر ماركت، السوق، المؤسسات الحكومية، المكتبة، الحديقة العامة، عامل النظافة، الشرطي، إمام المسجد، بواب البناية وغير ذلك كثير، هؤلاء الأشخاص وهذه المؤسسات كلها جزء من المجتمع ومن المفترض أن المدرسة تعلم الطلاب كيف يتعاملون مع كل فرد وكل مؤسسة، هذا لن يحدث، على الأقل هذا لن يحدث في مدارسنا بوضعها الحالي، ولعل هذا أمر طبيعي مقبول لأن المدرسة لا يمكنها أن تقدم كل شيء وعلى الأسرة أن تكون هي أساس التعليم حتى لو كان الطفل يذهب لمدرسة، إرسال الطفل إلى مدرسة لا يرفع العبء عن الأسرة التي يجب أن تعلمه وتربيه.
اعتراضي هنا على فكرة أن المدرسة هي المكان الوحيد للتواصل الاجتماعي للطفل وإن كان الطفل يتعلم في المنزل فسنحرمه من هذا التواصل، لا أوافق هذا الكلام وأجد أن هذه مشكلة ستظهر لدى أي أسرة حتى لو أرسلت الطفل إلى مدرسة، التواصل الاجتماعي كما أسلفت أساسه الأسرة والحي وبيد الآبوين ربط الطفل بمحيطه الاجتماعي أو عزله عنه، مرة أخرى نعود للأسرة، ما يذكره البعض من سلبيات يمكن للأسرة المهتمة الحريصة أن تتجنبها.
نقطة أخرى مهمة وهذه رأيتها في منزلنا وبالتأكيد موجودة في منازل أخرى، وجود أجيال مختلفة حول الطفل ضروري لكي تنتقل الثقافة من جيل لآخر، كثير من أبناء إخواني رأوا أبي وتحدثوا معه ولعبوا معه، لن أنسى صورة أبي وهو يحبو على أربع بينما تركب ظهره ابنة أخي الصغيرة، وجود الأبناء مع الآباء والأجداد والأعمام والعمات هو نوع من التواصل الاجتماعي الأساسي، هذا لن يحدث في المدرسة، ولن يحدث عندما يقضي الطفل نصف يومه في المدرسة وفي المنزل يقضي معظم ما تبقى من يومه في الواجبات.
أعلم أنني حتى الآن لم أقدم حلاً عملياً أو كلاماً جديداً، كل ما قلته سابقاً سبق أن كتبته ... سابقاً!
كتاباتي في الماضي لم يكن هدفها أن أغير نظام التعليم فهذا أمر بعيد المنال وصعب - ليس مستحيلاً - هدفي أن أزرع فكرة عدم القبول بالنظام التعليمي بشكله الحالي، ربما لا توافق كلامي بسبب تجربتي في المدرسة، لا بأس بذلك، لا تستمع لي، استمع لخبراء التعليم والذين كتبوا كتباً وأبحاثاً مفصلة حول الموضوع، دعني أخبرك أنك ستجد ما قرأته هنا ستقرأ هناك بأسلوب مختلف، لكن هؤلاء خبراء وأناس قضوا حياتهم في التعليم،
ما الحل؟ أظن أن لدي جزء من الحل، سأكتب عنه في موضوع منفصل.
16 يوليو, 2010
كيف نحمي الأطفال في الشبكة؟
وصلتني رسالة يسألني فيها المرسل عن كيفية حماية الأطفال من المحتوى الخليع، فكرت طويلاً في الموضوع وأجد أن أفضل إجابة سيقدمها زوار المدونة، لذلك أرجو من كل شخص لديه مقترح أن يضعه، سواء أسلوب تربوي، أو برنامج أو إضافة لمتصفح، ضع كل طريقة ممكنة لحماية الأطفال في الشبكة.
لاحظوا أنني قلت "في الشبكة" وليس "من الشبكة" فهناك فرق كبير، لا أوافق على إبعاد الأطفال كلياً عن الشبكة، بل أفضل أن يستخدموها بوجود رقابة وتربية وإرشاد.
في انتظار تعليقاتكم.
لاحظوا أنني قلت "في الشبكة" وليس "من الشبكة" فهناك فرق كبير، لا أوافق على إبعاد الأطفال كلياً عن الشبكة، بل أفضل أن يستخدموها بوجود رقابة وتربية وإرشاد.
في انتظار تعليقاتكم.
14 يوليو, 2010
كتاب: Does IT Matter
هل تقنية المعلومات مهمة؟ الجواب يبدو بديهياً لكن الكتاب يطرح السؤال في سياق محدد ويقدم إجابة طويلة يمكن اختصارها إلى التالي: لا!
نيكولاس كار كاتب أمريكي يكتب حول التقنية والأعمال والثقافة وكتبه ومقالاته تدور حول نقد التقنية والثقافة التي تخلقها التقنية، كتابه هذا كان أول كتاب له وقد بدأ بمقالة نشرها في مجلة هارفرد للأعمال عام 2003 وفي العام التالي تحولت المقالة إلى الكتاب.
ما يقوله الكاتب في 147 صفحة كان يمكن أن يختصر إلى أقل من 90 صفحة، لكن أرى أن التوسع والتعمق له فائدة، فالكاتب تحدث عن الماضي وبالتحديد عن اختراعات مثل التيليغرام أو البرق والقطار البخاري والكهرباء، في الماضي عندما ظهرت هذه التقنيات لأول مرة كانت غالية الثمن ولا يمكن إلا للشركات الكبيرة أن تستخدمها، بعد ذلك انخفضت الأسعار وتمكن الجميع من استخدام هذه التقنيات بالتالي فقدت الشركات الكبيرة ما كان يميزها، فقد كانت في الماضي تستطيع أن تنتج أكثر وتنقل بضائعها لمسافة أكبر وبسرعة أكبر بينما الشركات الصغيرة تكتفي بالسوق المحلي وعندما انتشرت التقنية أصبح عامل التفوق متاحاً للجميع بالتالي لم يعد عامل تفوق.
هذا يذكرني بمقولة: أنت متميز جداً تماماً كالآخرين!
كذلك الحال مع تقنية المعلومات، في الماضي كانت الشركات الكبيرة فقط هي التي تستطيع تأجير حواسيب آي بي أم وأجهزة تنظيم البطاقات - وسيلة تخزين البيانات في ذلك الوقت - وبالتالي كانت تستطيع أن تنجز مهمات معالجة المعلومات أسرع من أي شركة أخرى لا تمتلك نفس التقنية، بعد عقود أصبحت تقنية المعلومات رخيصة ومتوفرة لكثير من الشركات وبالتالي فقدت الشركات الكبيرة عامل تفوق.
المسئلة تبدو بديهية لدرجة لا أصدق فيها أن هناك من يعارض هذا الرأي، تصور مثلاً أنك تمتلك سلسلة من البقالات، محلات صغيرة تبيع الأغذية على اختلاف أنواعها، ولديك في السوق منافس واحد فقط، قررت في يوم ما أن تضع شبكة حاسوب لكي تدير الأموال وتعرف التكاليف وتعرف احتياجات كل بقالة، الآن لديك ما يجعلك تتفوق على منافسك لأنك تعرف بسرعة ما الذي تحتاجه كل بقالة وتوفره لها قبل منافسك، في يوم ما عرف المنافس أنك تستخدم شبكة حواسيب فقرر أن يقلدك بل وقرر أن يفعل ذلك بطريقته الخاصة، استخدم برامج حرة ليوفر على نفسه بعض التكلفة واستخدم حواسيب أصغر وأقل استهلاكاً للطاقة، الآن لم تعد تقنية المعلومات مهمة في عامل التنافس، ما يهم الآن أن تدير تقنية المعلومات بأكبر فعالية ممكنة وبأقل التكاليف، تماماً كما تدير أصولاً أخرى مثل المباني والسيارات وشاحنات النقل.
هذا ما يعنيه الكاتب وأجد أنني أوافقه، لا عجب أن مدراء بعض الشركات مثل ستيف بالمر من مايكروسوفت ومديرة أتش بي في ذلك الوقت انتقدوا الكتاب بأنه يقول كلاماً فارغاً، من مصلحتهم أن تبقى الشركات تشتري الحواسيب الجديدة وتتخلص من القديمة وفي هذه العملية تتبدل أنظمة التشغيل، لكن هل هذا في صالح الشركة نفسها؟ هل هناك مصلحة في الترقية إلى الجديد؟
مدراء التقنية في الشركات وصلوا إلى قناعة أن الإنفاق على الجديد لم يعد مجدياً بل استغلال ما هو متوفر بفعالية هو ما يجب أن يحدث، التحديث من ويندوز أكس بي إلى ويندوز 7 ليس ضرورياً، التحديث إلى آخر نسخة من أوفيس ليس مهماً، لذلك قررت شركات كثيرة أن تبقى على ما تملكه ولا تنتقل إلى حواسيب جديدة إلا عند الحاجة.
مرة أخرى، يبدو الأمر بديهياً، لكن من الطبيعي أن يختلف الناس وبالتالي هناك من يخالف هذا الرأي ويرى ضرورة الترقية والتطوير دائماً، لماذا؟ لم أجد حتى الآن سبباً مقنعاً.
هل أنصح بشراء الكتاب؟ نعم إن كنت مديراً لشركة، أو مسؤول قسم تقنية المعلومات لمؤسسة أو كنت مهتماً بالتقنيات بشكل عام.
نيكولاس كار كاتب أمريكي يكتب حول التقنية والأعمال والثقافة وكتبه ومقالاته تدور حول نقد التقنية والثقافة التي تخلقها التقنية، كتابه هذا كان أول كتاب له وقد بدأ بمقالة نشرها في مجلة هارفرد للأعمال عام 2003 وفي العام التالي تحولت المقالة إلى الكتاب.
ما يقوله الكاتب في 147 صفحة كان يمكن أن يختصر إلى أقل من 90 صفحة، لكن أرى أن التوسع والتعمق له فائدة، فالكاتب تحدث عن الماضي وبالتحديد عن اختراعات مثل التيليغرام أو البرق والقطار البخاري والكهرباء، في الماضي عندما ظهرت هذه التقنيات لأول مرة كانت غالية الثمن ولا يمكن إلا للشركات الكبيرة أن تستخدمها، بعد ذلك انخفضت الأسعار وتمكن الجميع من استخدام هذه التقنيات بالتالي فقدت الشركات الكبيرة ما كان يميزها، فقد كانت في الماضي تستطيع أن تنتج أكثر وتنقل بضائعها لمسافة أكبر وبسرعة أكبر بينما الشركات الصغيرة تكتفي بالسوق المحلي وعندما انتشرت التقنية أصبح عامل التفوق متاحاً للجميع بالتالي لم يعد عامل تفوق.
هذا يذكرني بمقولة: أنت متميز جداً تماماً كالآخرين!
كذلك الحال مع تقنية المعلومات، في الماضي كانت الشركات الكبيرة فقط هي التي تستطيع تأجير حواسيب آي بي أم وأجهزة تنظيم البطاقات - وسيلة تخزين البيانات في ذلك الوقت - وبالتالي كانت تستطيع أن تنجز مهمات معالجة المعلومات أسرع من أي شركة أخرى لا تمتلك نفس التقنية، بعد عقود أصبحت تقنية المعلومات رخيصة ومتوفرة لكثير من الشركات وبالتالي فقدت الشركات الكبيرة عامل تفوق.
المسئلة تبدو بديهية لدرجة لا أصدق فيها أن هناك من يعارض هذا الرأي، تصور مثلاً أنك تمتلك سلسلة من البقالات، محلات صغيرة تبيع الأغذية على اختلاف أنواعها، ولديك في السوق منافس واحد فقط، قررت في يوم ما أن تضع شبكة حاسوب لكي تدير الأموال وتعرف التكاليف وتعرف احتياجات كل بقالة، الآن لديك ما يجعلك تتفوق على منافسك لأنك تعرف بسرعة ما الذي تحتاجه كل بقالة وتوفره لها قبل منافسك، في يوم ما عرف المنافس أنك تستخدم شبكة حواسيب فقرر أن يقلدك بل وقرر أن يفعل ذلك بطريقته الخاصة، استخدم برامج حرة ليوفر على نفسه بعض التكلفة واستخدم حواسيب أصغر وأقل استهلاكاً للطاقة، الآن لم تعد تقنية المعلومات مهمة في عامل التنافس، ما يهم الآن أن تدير تقنية المعلومات بأكبر فعالية ممكنة وبأقل التكاليف، تماماً كما تدير أصولاً أخرى مثل المباني والسيارات وشاحنات النقل.
هذا ما يعنيه الكاتب وأجد أنني أوافقه، لا عجب أن مدراء بعض الشركات مثل ستيف بالمر من مايكروسوفت ومديرة أتش بي في ذلك الوقت انتقدوا الكتاب بأنه يقول كلاماً فارغاً، من مصلحتهم أن تبقى الشركات تشتري الحواسيب الجديدة وتتخلص من القديمة وفي هذه العملية تتبدل أنظمة التشغيل، لكن هل هذا في صالح الشركة نفسها؟ هل هناك مصلحة في الترقية إلى الجديد؟
مدراء التقنية في الشركات وصلوا إلى قناعة أن الإنفاق على الجديد لم يعد مجدياً بل استغلال ما هو متوفر بفعالية هو ما يجب أن يحدث، التحديث من ويندوز أكس بي إلى ويندوز 7 ليس ضرورياً، التحديث إلى آخر نسخة من أوفيس ليس مهماً، لذلك قررت شركات كثيرة أن تبقى على ما تملكه ولا تنتقل إلى حواسيب جديدة إلا عند الحاجة.
مرة أخرى، يبدو الأمر بديهياً، لكن من الطبيعي أن يختلف الناس وبالتالي هناك من يخالف هذا الرأي ويرى ضرورة الترقية والتطوير دائماً، لماذا؟ لم أجد حتى الآن سبباً مقنعاً.
هل أنصح بشراء الكتاب؟ نعم إن كنت مديراً لشركة، أو مسؤول قسم تقنية المعلومات لمؤسسة أو كنت مهتماً بالتقنيات بشكل عام.
13 يوليو, 2010
رداً على مقال سطحي
بالأمس وصلت لمقالة بعنوان 10 تقنيات يجب أن تنقرض لكنها لم تنقرض (إنجليزي)، المقالة تبدو ساخرة وجادة في نفس الوقت، أعني أن الكاتب جاد في فكرة أن هذه التقنيات العشر يجب أن تنقرض وفي نفس الوقت يسخر من بعض مستخدميها - كبار السن غالباً - ويسخر من التقنيات نفسها، في الغالب مثل هذه المقالات لا أعيرها اهتماماً بعد قراءتها، لكن هذه المرة لدي ما أقوله.
بعض من يكتبون حول التقنية يتعمدون كتابة مقالات مثيرة للجدل لجذب انتباه الناس وجذب مزيد من الزوار لمواقعهم، أحدهم يكتب لمجلة معروفة اعترف أنه يفعل ذلك عن قصد لكي يجذب الزوار، مقالاته سطحية ساخرة ومع ذلك يعطيه البعض اهتماماً أكبر مما يستحق، هذه مشكلة تتكرر في مجالات كثيرة، تجد من يكتب السطحي من المقالات وما يثير الجدل وتجد جمهوراً يتابع هذه المقالات، جزء من الجمهور يؤيد الكاتب وجزء يتابعه لكي يخالفه الرأي! لا أفهم النوع الثاني من الجمهور، إن لم تعجبك كتابات شخص فلم تتابعها؟ الكاتب الذي أعنيه لم اقرأ له منذ سنوات، ليس ثلاث أو أربع سنوات بل أكثر من ذلك، منذ أن كان يكتب لمجلة وتترجم مقالاته للعربية في مجلة عربية.
لنعد إلى المقالة، الكاتب يقول أن هذه التقنيات يجب أن تموت:
من يكتب في الشبكة وباللغة الإنجليزية عليه أن يدرك أنه يخاطب العالم حتى لو لم يرغب في ذلك، ومن الطبيعي أن هؤلاء سينتقدون المقالة على أساس ظروفهم وهم يعلمون أنها مقالة نشرت في موقع أمريكي وكتبها أمريكي، وفي هذه الحالة كتبها أمريكي يبدو أن عالمه لا يزيد كثيراً عن المدينة التي يسكنها لأن الأمريكان أنفسهم ينتقدونه ويتحدثون عن حاجتهم لبعض هذه التقنيات في مناطق مختلفة من أمريكا.
التقنية التي تبتكر لا تموت بسهولة خصوصاً إن أصبحت جزء من الواقع الاجتماعي والاقتصادي لأي مجموعة من الناس، خذ على سبيل المثال الهاتف الأرضي، من يستخدم هذه الهواتف الآن؟ بيتنا لم يعد له رقم هاتف فالكل لديه هاتف نقال، مع ذلك الهواتف الأرضية تستخدم في الشركات وفي المناطق النائية حيث تغطية الهاتف النقال معدومة، ثم هناك ملايين الناس حول العالم الذين يعتمدون على هذا النوع من الهواتف، النظرة الضيقة للكاتب حصر التقنية بعالمه الذي كما يبدو يخلوا من أي حاجة لهذه الهواتف.
ماذا عن الآلات الكاتبة؟ ظهور شبكة الويب جعل مزيداً من الناس يدركون أنهم بحاجة للآلات الكاتبة أكثر من الحاسوب، بعض أكثر الناس معرفة وخبرة بالتقنيات الحديثة يجدها تشتت الذهن وتجعل عملية التركيز صعبة ويجد أنه يدور في دائرة من محاولة الإنجاز وعدم إنجاز أي مشروع لديه فالشبكة لا نهائية وكل ساعة هناك أشياء جديدة، لذلك الابتعاد عن الحاسوب والجلوس في خلوة مع آلة كاتبة تساعد البعض على التركيز والكتابة.
ثم الآلة الكاتبة ستعمل في أي وقت وأي مكان، حاسوبك بحاجة لطاقة مستمرة وإن لم تجد مصدراً للطاقة سيتعطل، هذا بالإضافة إلى أنواع مختلفة من الأعطال في البرامج والأجهزة، كل هذا لا تعاني منه الآلات الكاتبة، من جانب آخر الآلة الكاتبة لا تقدم مرونة الحاسوب، الأمر يعتمد على ما يحتاجه المرء وما يمكن أن يضحي به، البعض اختار أن يضحي بالمرونة من أجل أن يستعيد تركيزه.
أما الفونوغراف أو "البشتخته" فسوقها يثير استغراب البعض، مبيعاتها بدأت ترتفع، في عالم آيبود وآيفون هناك أناس يفضلون تقنية قديمة، المشكلة في التقنيات الرقمية هو عدم ثباتها وجودتها التي لا يقبلها البعض، أخي مثلاً عانى من الأقراص المدمجة بأنواعها وفقد مجموعة من الملفات التي تهمه، وتكرر الأمر مع الأقراص الصلبة، لا ألوم الناس الذين يبحثون عن تقنية قديمة تعطيهم بعض الثقة بأن ما يملكونه لن يتعطل أو يصبح عديم الفائدة بعد سنوات قليلة.
بقي التلفاز، شخصياً اشتريت تلفازاً بتقنية قديمة في حين كان البعض ينصحني بأن أشتري شاشة مسطحة، الذي يجعلني أفضل التقنية القديمة هي الألوان والدقة، تلفازي القديم يقدم شاشة أوضح وألواناً أغنى وبسعر أقل بكثير من التلفاز المسطح بأحدث تقنية، حقيقة أنا لست فقط متضايق من الشاشات المسطحة بل غاضب لأن مصنعيها يبيعون الوهم، يستخدمون مصطلحات تسويقية تجعل المشتري غير الخبير يظن أنه يشتري الأفضل في حين أن هذه المصطلحات لو بحثت قليلاً حولها لعرفت أنها لا تعني الكثير بل هي مجرد محاولات تسويقية.
لا أقول أن التلفاز المسطح سيء لكنه بالنسبة لي لا يحقق ما أريد، عندما أشاهد قرص دي في دي لبرنامج وثائقي أريد وضوحاً وألواناً جيدة وهذا ما لم اجده في أي تلفاز مسطح رخيص، البعض يقول عليك أن تستخدم أقراص بلوراي بدقة عالية وشاشة بدقة عالية لكي تحصل على الوضوح، أعلم أن هذا صحيح وقد جربته لكن أخبروني ما التقنية التي ستظهر بعد بلوراي وهل سنحتاج إلى ترقية أجهزة التلفاز أيضاً؟ كم مرة سنحتاج إلى تغيير الأجهزة والتقنيات إلى أن نصل إلى مرحلة نقول فيها "هذا يكفينا، لسنا بحاجة للمزيد،" أخمن بأن هذا لن يحدث، من مصلحة شركات الإلكترونيات ووسائل الإعلام أن تبقي هذه العجلة تدور، فهم يربحون من إعادة طرح نفس المادة بتقنيات مختلفة، بالأمس أشرطة فيديو ثم دي في دي ثم بلوراي ثم ستأتي بلوى أخرى إلى هذه القائمة، وشركات الإلكترونيات باعتنا التلفاز القديم، ثم المسطح، ثم المسطح بتقنية عالية، والآن المسطح بشاشة ثلاثية الأبعاد، ثم ستأتي بلوى أخرى.
ألا يفكر أحد بالبيئة؟ أين تذهب الأجهزة القديمة؟ الأقراص المدمجة والأشرطة؟ كم تستهلك من الطاقة الإلكترونيات الحديثة؟ هذه اسئلة لا يريد البعض أن يفكر بها أو لا يريدنا أن نفكر بها، يريدون من المستهلك أن يكون شعاره: استهلك ارمي استهلك ارمي استهلك ... إلخ.

التقنيات لا تموت بسهولة، كثير من التقنيات القديمة لا زالت تستخدم في مكان ما حول العالم، بعض التقنيات عمرها أكثر من 150 عاماً وبعضها أقدم من ذلك، التقنيات الرقمية بإيجابياتها ليست هي الحل الأخير لكل مشاكلنا فهي تأتي مع حزمة من المشاكل ومن السذاجة أن نظن أن أي تقنية رقمية حديثة ستكون بالتأكيد أفضل من أي تقنية غير رقمية قديمة.
بعض من يكتبون حول التقنية يتعمدون كتابة مقالات مثيرة للجدل لجذب انتباه الناس وجذب مزيد من الزوار لمواقعهم، أحدهم يكتب لمجلة معروفة اعترف أنه يفعل ذلك عن قصد لكي يجذب الزوار، مقالاته سطحية ساخرة ومع ذلك يعطيه البعض اهتماماً أكبر مما يستحق، هذه مشكلة تتكرر في مجالات كثيرة، تجد من يكتب السطحي من المقالات وما يثير الجدل وتجد جمهوراً يتابع هذه المقالات، جزء من الجمهور يؤيد الكاتب وجزء يتابعه لكي يخالفه الرأي! لا أفهم النوع الثاني من الجمهور، إن لم تعجبك كتابات شخص فلم تتابعها؟ الكاتب الذي أعنيه لم اقرأ له منذ سنوات، ليس ثلاث أو أربع سنوات بل أكثر من ذلك، منذ أن كان يكتب لمجلة وتترجم مقالاته للعربية في مجلة عربية.
لنعد إلى المقالة، الكاتب يقول أن هذه التقنيات يجب أن تموت:
- البرقية، أو تيليغرام.
- الآلات الكاتبة.
- الناسوخ، أو الفاكس.
- الهواتف المنزلية أو الأرضية.
- الغرامافون، أو الفونوغراف، أي تلك الأقراص السوداء التي تضع إبرة عليها وتديرها لتسمع الموسيقى، تسمى البشتختة في الخليج.
- آلة تسجيل النقد، أو مركز البيع، تلك الآلة التي تجدها عند المحاسب في المحلات.
- الكاميرات الفورية.
- مشغلات الأقراص المدمجة بأنواعها.
- التلفاز بالتقنية القديمة، بتقنية CRT، أي التلفاز غير المسطح.
- الراديو، لا يقصد الإذاعات بل أجهزة الراديو التي تستخدم للاتصال لا سلكياً بين عدة أفراد.
من يكتب في الشبكة وباللغة الإنجليزية عليه أن يدرك أنه يخاطب العالم حتى لو لم يرغب في ذلك، ومن الطبيعي أن هؤلاء سينتقدون المقالة على أساس ظروفهم وهم يعلمون أنها مقالة نشرت في موقع أمريكي وكتبها أمريكي، وفي هذه الحالة كتبها أمريكي يبدو أن عالمه لا يزيد كثيراً عن المدينة التي يسكنها لأن الأمريكان أنفسهم ينتقدونه ويتحدثون عن حاجتهم لبعض هذه التقنيات في مناطق مختلفة من أمريكا.
التقنية التي تبتكر لا تموت بسهولة خصوصاً إن أصبحت جزء من الواقع الاجتماعي والاقتصادي لأي مجموعة من الناس، خذ على سبيل المثال الهاتف الأرضي، من يستخدم هذه الهواتف الآن؟ بيتنا لم يعد له رقم هاتف فالكل لديه هاتف نقال، مع ذلك الهواتف الأرضية تستخدم في الشركات وفي المناطق النائية حيث تغطية الهاتف النقال معدومة، ثم هناك ملايين الناس حول العالم الذين يعتمدون على هذا النوع من الهواتف، النظرة الضيقة للكاتب حصر التقنية بعالمه الذي كما يبدو يخلوا من أي حاجة لهذه الهواتف.
ماذا عن الآلات الكاتبة؟ ظهور شبكة الويب جعل مزيداً من الناس يدركون أنهم بحاجة للآلات الكاتبة أكثر من الحاسوب، بعض أكثر الناس معرفة وخبرة بالتقنيات الحديثة يجدها تشتت الذهن وتجعل عملية التركيز صعبة ويجد أنه يدور في دائرة من محاولة الإنجاز وعدم إنجاز أي مشروع لديه فالشبكة لا نهائية وكل ساعة هناك أشياء جديدة، لذلك الابتعاد عن الحاسوب والجلوس في خلوة مع آلة كاتبة تساعد البعض على التركيز والكتابة.
ثم الآلة الكاتبة ستعمل في أي وقت وأي مكان، حاسوبك بحاجة لطاقة مستمرة وإن لم تجد مصدراً للطاقة سيتعطل، هذا بالإضافة إلى أنواع مختلفة من الأعطال في البرامج والأجهزة، كل هذا لا تعاني منه الآلات الكاتبة، من جانب آخر الآلة الكاتبة لا تقدم مرونة الحاسوب، الأمر يعتمد على ما يحتاجه المرء وما يمكن أن يضحي به، البعض اختار أن يضحي بالمرونة من أجل أن يستعيد تركيزه.
أما الفونوغراف أو "البشتخته" فسوقها يثير استغراب البعض، مبيعاتها بدأت ترتفع، في عالم آيبود وآيفون هناك أناس يفضلون تقنية قديمة، المشكلة في التقنيات الرقمية هو عدم ثباتها وجودتها التي لا يقبلها البعض، أخي مثلاً عانى من الأقراص المدمجة بأنواعها وفقد مجموعة من الملفات التي تهمه، وتكرر الأمر مع الأقراص الصلبة، لا ألوم الناس الذين يبحثون عن تقنية قديمة تعطيهم بعض الثقة بأن ما يملكونه لن يتعطل أو يصبح عديم الفائدة بعد سنوات قليلة.
بقي التلفاز، شخصياً اشتريت تلفازاً بتقنية قديمة في حين كان البعض ينصحني بأن أشتري شاشة مسطحة، الذي يجعلني أفضل التقنية القديمة هي الألوان والدقة، تلفازي القديم يقدم شاشة أوضح وألواناً أغنى وبسعر أقل بكثير من التلفاز المسطح بأحدث تقنية، حقيقة أنا لست فقط متضايق من الشاشات المسطحة بل غاضب لأن مصنعيها يبيعون الوهم، يستخدمون مصطلحات تسويقية تجعل المشتري غير الخبير يظن أنه يشتري الأفضل في حين أن هذه المصطلحات لو بحثت قليلاً حولها لعرفت أنها لا تعني الكثير بل هي مجرد محاولات تسويقية.
لا أقول أن التلفاز المسطح سيء لكنه بالنسبة لي لا يحقق ما أريد، عندما أشاهد قرص دي في دي لبرنامج وثائقي أريد وضوحاً وألواناً جيدة وهذا ما لم اجده في أي تلفاز مسطح رخيص، البعض يقول عليك أن تستخدم أقراص بلوراي بدقة عالية وشاشة بدقة عالية لكي تحصل على الوضوح، أعلم أن هذا صحيح وقد جربته لكن أخبروني ما التقنية التي ستظهر بعد بلوراي وهل سنحتاج إلى ترقية أجهزة التلفاز أيضاً؟ كم مرة سنحتاج إلى تغيير الأجهزة والتقنيات إلى أن نصل إلى مرحلة نقول فيها "هذا يكفينا، لسنا بحاجة للمزيد،" أخمن بأن هذا لن يحدث، من مصلحة شركات الإلكترونيات ووسائل الإعلام أن تبقي هذه العجلة تدور، فهم يربحون من إعادة طرح نفس المادة بتقنيات مختلفة، بالأمس أشرطة فيديو ثم دي في دي ثم بلوراي ثم ستأتي بلوى أخرى إلى هذه القائمة، وشركات الإلكترونيات باعتنا التلفاز القديم، ثم المسطح، ثم المسطح بتقنية عالية، والآن المسطح بشاشة ثلاثية الأبعاد، ثم ستأتي بلوى أخرى.
ألا يفكر أحد بالبيئة؟ أين تذهب الأجهزة القديمة؟ الأقراص المدمجة والأشرطة؟ كم تستهلك من الطاقة الإلكترونيات الحديثة؟ هذه اسئلة لا يريد البعض أن يفكر بها أو لا يريدنا أن نفكر بها، يريدون من المستهلك أن يكون شعاره: استهلك ارمي استهلك ارمي استهلك ... إلخ.

التقنيات لا تموت بسهولة، كثير من التقنيات القديمة لا زالت تستخدم في مكان ما حول العالم، بعض التقنيات عمرها أكثر من 150 عاماً وبعضها أقدم من ذلك، التقنيات الرقمية بإيجابياتها ليست هي الحل الأخير لكل مشاكلنا فهي تأتي مع حزمة من المشاكل ومن السذاجة أن نظن أن أي تقنية رقمية حديثة ستكون بالتأكيد أفضل من أي تقنية غير رقمية قديمة.
12 يوليو, 2010
إما التوظيف وإما الاعتذار مع توضيح السبب
قبل التخرج من الجامعة أو الكلية بأشهر يبدأ بعض الطلبة بجمع أوراقهم وكتابة سيرتهم الذاتية ثم إرسالها لمؤسسات مختلفة، قد يفعل نفس الأمر من تخرج من الثانوية العامة أو أي عاطل عن العمل، في الغالب يذهب الشخص بنفسه إلى المؤسسة ويسلم أوراقه في مكتب الاستقبال أو في قسم شؤون الموظفين أو قد يزور معرض توظيف ويعطي أوراقه لأكثر من مؤسسة.
البعض يوفق ويحصل على وظيفة، ماذا عن البعض الآخر؟ من لم يحصل على وظيفة ماذا يحدث له؟ إليكم ما يحدث، ينتظر ثم ينتظر ثم ينتظر، يذهب للمؤسسة مرة أخرى ويذكرهم بالأمر وقد يعطيهم مرة أخرى نسخاً جديدة من أوراقه ثم يعود للعبة الانتظار وما أبشعها من لعبة، هذه اللعبة مارسها البعض لسنوات بعد تخرجهم ولا فرق بين من يحمل شهادة جامعية أو ثانوية، الحصول على شهادة جامعية لن يضمن للجامعي أنه سيحصل على فرصة عمل.
المؤسسات يمكنها أن تكون أكثر إنسانية بأن تكون أكثر صراحة، فهي إما أن تستطيع أن توظف الشخص أو لا تستطيع، فإن كانت تستطيع توظيفه فهذا ما يريده المتقدم للوظيفة، وإن لم تكن تستطيع ذلك فعلى الأقل يجب عليها أن تنهي لعبة الانتظار هذه وترسل له رسالة رسمية تخبره فيها أنها غير قادرة على توظيفه وتوضح السبب، ربما لم يعد هناك شاغر، ربما هناك شخص مؤهل أكثر للوظيفة وحصل عليها، ربما لم يحصل أحد على الوظيفة لكن المؤسسة لا تريد توظيف شخص بدون خبرة حقيقية، المهم أن توضح وتنهي لعبة الانتظار.
"لكن المتقدمين للوظيفة كثر وليس من المعقول مراسلتهم كلهم" هذا أول اعتراض سمعته وقد أقرأه في أحد الردود، وجوابي بأن شركات أمريكية كثيرة تفعل ذلك، كذلك الأمر في أوروبا واليابان، إن كان هؤلاء يستطيعون مراسلة المتقدمين للوظائف فلا أرى مانعاً من أن تتمكن مؤسساتنا من فعل نفس الأمر.
نقطة ثانية قد يثيرها البعض وهي "لماذا ينتظر وظيفة؟ لم لا يعمل في مشروعه الخاص" وهذا لا علاقة له بالموضوع، في البداية قد يكون المتقدم للوظائف يعمل بالفعل في مشروعه الخاص لكنه أيضاً يبحث عن وظيفة، أليس من الأجدى لهذا الشخص أن يعرف ما إذا كان سيحصل على الوظيفة أم لا؟ الانتظار حالة نفسية لا يحبها أحد، الانتظار لا يعني بالضرورة أن الشخص لا يفعل شيئاً آخر غير الانتظار، من الأفضل للمنتظر أن يسمع الخبر المؤلم فيوفر على نفسه قلق الانتظار والترقب ليفرغ عقله لأمر آخر.
كل ما أدعوا له هو قليل من الإنسانية في تعامل المؤسسات مع الناس، لا تعطوا الأمل للشخص ثم تسلبوه منه ببطء، هذا يتكرر مرة تلو مرة إلى أن يصاب المرء بالضجر ثم الإحباط ثم الغضب وربما يصل إلى اليأس.
لماذا كتبت هذا الموضوع؟ قرأت في كتاب كيف اعتذرت شركة أمريكية لأحد المتقدمين لوظيفة في الشركة، لماذا لا يحدث هذا لدينا؟
البعض يوفق ويحصل على وظيفة، ماذا عن البعض الآخر؟ من لم يحصل على وظيفة ماذا يحدث له؟ إليكم ما يحدث، ينتظر ثم ينتظر ثم ينتظر، يذهب للمؤسسة مرة أخرى ويذكرهم بالأمر وقد يعطيهم مرة أخرى نسخاً جديدة من أوراقه ثم يعود للعبة الانتظار وما أبشعها من لعبة، هذه اللعبة مارسها البعض لسنوات بعد تخرجهم ولا فرق بين من يحمل شهادة جامعية أو ثانوية، الحصول على شهادة جامعية لن يضمن للجامعي أنه سيحصل على فرصة عمل.
المؤسسات يمكنها أن تكون أكثر إنسانية بأن تكون أكثر صراحة، فهي إما أن تستطيع أن توظف الشخص أو لا تستطيع، فإن كانت تستطيع توظيفه فهذا ما يريده المتقدم للوظيفة، وإن لم تكن تستطيع ذلك فعلى الأقل يجب عليها أن تنهي لعبة الانتظار هذه وترسل له رسالة رسمية تخبره فيها أنها غير قادرة على توظيفه وتوضح السبب، ربما لم يعد هناك شاغر، ربما هناك شخص مؤهل أكثر للوظيفة وحصل عليها، ربما لم يحصل أحد على الوظيفة لكن المؤسسة لا تريد توظيف شخص بدون خبرة حقيقية، المهم أن توضح وتنهي لعبة الانتظار.
"لكن المتقدمين للوظيفة كثر وليس من المعقول مراسلتهم كلهم" هذا أول اعتراض سمعته وقد أقرأه في أحد الردود، وجوابي بأن شركات أمريكية كثيرة تفعل ذلك، كذلك الأمر في أوروبا واليابان، إن كان هؤلاء يستطيعون مراسلة المتقدمين للوظائف فلا أرى مانعاً من أن تتمكن مؤسساتنا من فعل نفس الأمر.
نقطة ثانية قد يثيرها البعض وهي "لماذا ينتظر وظيفة؟ لم لا يعمل في مشروعه الخاص" وهذا لا علاقة له بالموضوع، في البداية قد يكون المتقدم للوظائف يعمل بالفعل في مشروعه الخاص لكنه أيضاً يبحث عن وظيفة، أليس من الأجدى لهذا الشخص أن يعرف ما إذا كان سيحصل على الوظيفة أم لا؟ الانتظار حالة نفسية لا يحبها أحد، الانتظار لا يعني بالضرورة أن الشخص لا يفعل شيئاً آخر غير الانتظار، من الأفضل للمنتظر أن يسمع الخبر المؤلم فيوفر على نفسه قلق الانتظار والترقب ليفرغ عقله لأمر آخر.
كل ما أدعوا له هو قليل من الإنسانية في تعامل المؤسسات مع الناس، لا تعطوا الأمل للشخص ثم تسلبوه منه ببطء، هذا يتكرر مرة تلو مرة إلى أن يصاب المرء بالضجر ثم الإحباط ثم الغضب وربما يصل إلى اليأس.
لماذا كتبت هذا الموضوع؟ قرأت في كتاب كيف اعتذرت شركة أمريكية لأحد المتقدمين لوظيفة في الشركة، لماذا لا يحدث هذا لدينا؟
كتاب: Maximum Mini
عالم السيارات كعالم الحواسيب، هناك دائماً سيارة جديدة لتحل محل السيارة القديمة، هناك دائماً تصميم أجمل، سيارة أكبر، محرك أقوى، سرعة أعلى، أمان أفضل، تلويث أقل، لكن هل نحن بحاجة لكل هذا؟ لا شك لدي أن تحسين الأمان وتقليل التلوث أمران ضروريان، أما بقية الجوانب الأخرى فيمكن للناس العيش بدونها، كما ترى إن لم تشتري سيارة لتصميمها الجميل فلن يتوقف العالم، أنا أضمن لك ذلك!
قليل من السيارات عاشت لمدة طويلة دون تغيير كبير في أساسها وتصميمها، منها سيارة ميني البريطانية التي بقيت 41 عاماً في الأسواق دون تغيير كبير، بدأ إنتاجها عام 1959م واستمر حتى عام 2000م وفي هذه العقود الأربعة ظهرت عشرات الأنواع من هذه السيارة واستخدمتها عشرات الشركات كأساس لسيارات أخرى، ميني كانت ولا زالت محبوبة من قبل كثير من الناس لبساطتها وصغر حجمها، كانت تصلح أساساً لسيارات أخرى بسبب بساطة هندستها وهذا ما دفع أفراد كثر حول العالم لتصميم سياراتهم الخاصة، أمر لم يعد يحدث كثيراً هذه الأيام، ميني الجديدة تملكها الشركة الألمانية بي أم دبليو وهي سيارة حديثة معقدة وكبيرة الحجم مقارنة مع ميني القديمة.
كتاب ماكسيمام ميني يدور حول السيارات التي صنعت على أساس ميني أو تستخدم محركات ميني، الكاتب صحفي هولندي متخصص في عالم السيارات ويبدو أنه بذل جهداً واضحاً في تجميع مادة الكتاب، والكتاب مطبوع بشكل ممتاز ويمكن قراءته بسرعة لأن أكثره صور والنصوص قصيرة.
هذه بعض السيارات التي عرضت في الكتاب، بعض الروابط تشير لصفحات من الكتاب نفسه:
ما يعجبني في كل هذا هو ثقافة اصنع بنفسك في عالم السيارات، اليوم هناك نوع من السيارات يسمى Kit Car وهي سيارات يشتريها المرء ليجمعها بنفسه في منزله وقد يضطر لصنع بعض قطعها أو شراء محرك لها وتركيبه، بحسب ما أعلم هذه السيارات لا يمكنها السير في طرقاتنا فهي غير قانونية في حين أنها في بريطانيا مثلاً تعبتر قانونية ولا تخضع لكثير من القوانين التي تحكم شركات السيارات، لأنها تصنع بأعداد قليلة فالقوانين المتعلقة بها أكثر مرونة.
في بريطانيا كانت ولا زالت هناك شركات صغيرة تصنع سيارات بأعداد صغيرة وكثير منها توقف وتظهر شركات جديدة بين حين وآخر، هناك ثقافة تشجع على التصنيع وعلى أن يتعلم المرء بنفسه ويصنع لنفسه ما يريد، هذا ما نحتاجه لدينا لكي نستطيع أن نصنع ليس فقط سياراتنا بل أشياء مختلفة، لا أقول أن كل شخص سيرغب في صنع سيارته فلا شك أن الأغلبية ستفضل شراء السيارة لكن لنفتح المجال لمن يريد صنع سيارة ولنشجع على ذلك فمن يدري لعل شخصاً يفتتح شركة سيارات متخصصة.
صنع سيارة يحتاج لمهارات كثيرة وخبرات هندسية مختلفة، التشجيع على صنع سيارة يعني التشجيع على تعلم هذه المهارات وتنمية الخبرات وهذه المهارات ستكون مفيدة في مجالات عديدة وفي المستقبل، فمثلاً هناك اتفاق بين عدد من المهتمين بعالم السيارات أن السيارة الكهربائية هي المستقبل وهناك فرصة لشركات صغيرة أن تدخل هذا السوق مبكراً وتبتكر ما لا يمكن للشركات الكبيرة أن تبتكره.
أما الكتاب فلا أنصحك بقراءته، بصراحة قراءته لن تفيدك وعدم قراءته لن يضرك، مع ذلك إن كنت مصراً على شراءه ستجد فيه ما لن تجده في الشبكة، المعلومات في الشبكة حول بعض السيارات شحيحة أو معدومة.
قليل من السيارات عاشت لمدة طويلة دون تغيير كبير في أساسها وتصميمها، منها سيارة ميني البريطانية التي بقيت 41 عاماً في الأسواق دون تغيير كبير، بدأ إنتاجها عام 1959م واستمر حتى عام 2000م وفي هذه العقود الأربعة ظهرت عشرات الأنواع من هذه السيارة واستخدمتها عشرات الشركات كأساس لسيارات أخرى، ميني كانت ولا زالت محبوبة من قبل كثير من الناس لبساطتها وصغر حجمها، كانت تصلح أساساً لسيارات أخرى بسبب بساطة هندستها وهذا ما دفع أفراد كثر حول العالم لتصميم سياراتهم الخاصة، أمر لم يعد يحدث كثيراً هذه الأيام، ميني الجديدة تملكها الشركة الألمانية بي أم دبليو وهي سيارة حديثة معقدة وكبيرة الحجم مقارنة مع ميني القديمة.
كتاب ماكسيمام ميني يدور حول السيارات التي صنعت على أساس ميني أو تستخدم محركات ميني، الكاتب صحفي هولندي متخصص في عالم السيارات ويبدو أنه بذل جهداً واضحاً في تجميع مادة الكتاب، والكتاب مطبوع بشكل ممتاز ويمكن قراءته بسرعة لأن أكثره صور والنصوص قصيرة.
هذه بعض السيارات التي عرضت في الكتاب، بعض الروابط تشير لصفحات من الكتاب نفسه:
- Biota Mk2، سيارة رياضية مكشوفة.
- Coldwell GT ، سيارة رياضية صممت للسباقات، استطاعت في بعض السباقات أن تتفوق على سيارات أكبر وأقوى.
- Domino Pimlico، سيارة مكشوفة تبدو كسيارة دفع رباعي لكنها ليست كذلك، لا تحوي أبواباً وجسمها مصنوع من البلاستيك، بدأ إنتاجها عام 1986م وتوقف عام 2007م.
- Lolita Mk2، سيارة رياضية للسباقات، استطاعت تحقيق سرعة 200 كيلومتر في الساعة، ليست سرعة كبيرة لسيارة سباق لكنها كبيرة لمحرك ميني الذي تنبلغ سعته 1.3 لتر فقط.
- Midas Bronze، لعلها السيارة الأفضل صنعاً من بين كل السيارات التي تعتمد على ميني، سيارة رياضية عملية وتستطيع واستهلاكها للوقود يبلغ 40 ميل للغالون، هذا رقم يفوق بعض سيارات اليوم الحديثة.
- Ogle SX1000، في رأيي إحدى أجمل السيارات التي تعتمد على ميني كأساس، تغيير في الشكل دون تغيير في المحرك والأساس، هذه سيارة تعجبني لدرجة أتمنى أن أملك واحدة لكن هذا شبه مستحيل حيث لم يصنع منها إلى 69 نسخة.
- Pellandini، سيارة رياضية بمحرك خلفي ودفع خلفي، شكلها مميز حقاً.
- Mini Bug، قليلة السيارات التي تجعلني أضحك لرؤيتها، هذه واحدة أتمنى قيادتها.
- Terrapin، سيارة رياضية يميزها أن لها كتاب خاص بها يعلمك كيف تصنع واحدة مثلها إن لم تستطع شراءها، الكتاب بعنوان High Speed, Low Cost وقد وجدت نسخة واحدة مستعملة منه بعد بحث طويل، السيارة استطاعت تحقيق سرعة 225 كلم من محرك بسعة لتر واحد! وتمكنت من الفوز ببعض السباقات.
- Tici، أصغر سيارة مبنية على أساس ميني، طولها 2.26 متر فقط.
ما يعجبني في كل هذا هو ثقافة اصنع بنفسك في عالم السيارات، اليوم هناك نوع من السيارات يسمى Kit Car وهي سيارات يشتريها المرء ليجمعها بنفسه في منزله وقد يضطر لصنع بعض قطعها أو شراء محرك لها وتركيبه، بحسب ما أعلم هذه السيارات لا يمكنها السير في طرقاتنا فهي غير قانونية في حين أنها في بريطانيا مثلاً تعبتر قانونية ولا تخضع لكثير من القوانين التي تحكم شركات السيارات، لأنها تصنع بأعداد قليلة فالقوانين المتعلقة بها أكثر مرونة.
في بريطانيا كانت ولا زالت هناك شركات صغيرة تصنع سيارات بأعداد صغيرة وكثير منها توقف وتظهر شركات جديدة بين حين وآخر، هناك ثقافة تشجع على التصنيع وعلى أن يتعلم المرء بنفسه ويصنع لنفسه ما يريد، هذا ما نحتاجه لدينا لكي نستطيع أن نصنع ليس فقط سياراتنا بل أشياء مختلفة، لا أقول أن كل شخص سيرغب في صنع سيارته فلا شك أن الأغلبية ستفضل شراء السيارة لكن لنفتح المجال لمن يريد صنع سيارة ولنشجع على ذلك فمن يدري لعل شخصاً يفتتح شركة سيارات متخصصة.
صنع سيارة يحتاج لمهارات كثيرة وخبرات هندسية مختلفة، التشجيع على صنع سيارة يعني التشجيع على تعلم هذه المهارات وتنمية الخبرات وهذه المهارات ستكون مفيدة في مجالات عديدة وفي المستقبل، فمثلاً هناك اتفاق بين عدد من المهتمين بعالم السيارات أن السيارة الكهربائية هي المستقبل وهناك فرصة لشركات صغيرة أن تدخل هذا السوق مبكراً وتبتكر ما لا يمكن للشركات الكبيرة أن تبتكره.
أما الكتاب فلا أنصحك بقراءته، بصراحة قراءته لن تفيدك وعدم قراءته لن يضرك، مع ذلك إن كنت مصراً على شراءه ستجد فيه ما لن تجده في الشبكة، المعلومات في الشبكة حول بعض السيارات شحيحة أو معدومة.
02 يوليو, 2010
الكتاب الإلكتروني أكثر من مجرد صندوق
الكتاب الإلكتروني بشكله الحالي لا يختلف كثيراً عن الورقي، عندما تحول الورق إلى ملف رقمي فكل ما تفعله هو استخدام صندوق مختلف، هذا كل شيء، بدلاً من الورق يظهر النص على الشاشة، صحيح أن الملف الرقمي يمكن نسخه بلا تكلفة وإرساله بدون أي تكلفة تقريباً، هذا لن ينفي حقيقة أن الوظائف لم تتغير، الكتاب كما هو والذي تغير فقط هي وسيلة القراءة لا أكثر، حتى طريقة عرض الكتب الإلكترونية لا زالت تشبه الكتب الورقية، الكتب الإلكترونية تعرض على شكل صفحات وإن كان ملف الكتاب الإلكتروني من نوع بي دي أف (PDF) سترى المحتويات موزعة على صفحات ثابتة ولا يمكنك تكبير أو تصغير الخط، يمكنك الاقتراب من الصفحة أو الابتعاد لكن ليس تغيير حجم النص، هذا أمر طبيعي مع هذا النوع من الملفات لأنها مصممة أصلاً لطباعة محتويات الملف.
محاولة تقليد ما هو حاسوبي - أو رقمي إن شئت - لما هو غير رقمي لا تتوقف عند الكتب، مصممي واجهات الاستخدام يحاولون تبسيط استخدام الحاسوب من خلال ربط الواجهة بأفكار من واقع المستخدم، فمثلاً سطح المكتب كأنه سطح الطاولة التي تعمل عليها، والملفات التي تجدها في سطح المكتب لا تختلف فكرتها عن الورق الذي قد تضعه فوق طاولتك لكن هناك بالتأكيد فرق بين الطريقتين، عندما يكون هناك ملف في سطح المكتب على حاسوبك فهو في الحقيقة رسم أو إيقونة (icon) تشير إلى ملف، لا يمكنك أن تقرأ محتويات الملف من خلال الإيقونة، عليك تضغط عليها لتشغل البرنامج المناسب لعرض الملف، بينما في الواقع إذا كانت هناك ورقة فوق طاولتك فكل ما عليك أن تفعل لقراءتها هو أن تحرك رأسك قليلاً أو ربما تجر الورقة إليك.
الأمر يتكرر مع أجزاء مختلفة من واجهات الحاسوب وبرامجه، خذ على سبيل المثال الآلة الحاسبة، لتبسيط استخدامها تصمم الآلات الحاسبة في الحاسوب لكي تشبه الآلات الحاسبة التي قد يضعها المستخدم بجانبه، هذا قد يجعل استخدام الآلة الحاسبة سهلاً ومن ناحية أخرى يحد من الإمكانيات التي يستطيع الحاسوب تقديمها.
ما الذي يمكن للآلة الحاسبة في الحاسوب أن تقدمه؟ أظن أن برنامج سولفر يقدم إجابة جيدة، فبدلاً من النقر على الأزرار لإدخال العملية الحسابية اكتبها مباشرة على لوحة المفاتيح، وبدلاً من الاكتفاء بالأرقام يمكنك أن تضع الكلمات بجانب الأرقام، موقع سولفر يضع العديد من الأمثلة للحسابات التي يمكن تقديمها مثل (عمري: 22 عاماً بالثواني) فتظهر النتيجة عمر الشخص بالثواني، ليس مثالاً مفيداً لكنه يعيطك فكرة عن ما يمكن للبرنامج تقديمه.
الكتاب الإلكتروني يمكنه أن يقدم الكثير عندما نخرجه من حدود الكتاب الورقي، في البداية مفهوم الصفحات في الكتاب الإلكتروني غير ضروري، يمكن أن يعرض الكتاب الإلكتروني في صفحة واحدة طويلة ويمكن أن يعرف المستخدم مدى تقدمه في قراءة الكتاب من خلال نسبة مئوية أو رسم يشير إلى موقعه، ربما هذا غير عملي، ربما مفهوم الصفحات جيد كفاية ليبقى في الكتب الإلكترونية، فما الذي يمكن للكتب الإلكترونية أن تقدمه؟
لتقرأ الكتاب الورقي عليك أن تحمله معك فهو محدود بقوانين الفيزياء التي تقول أنه لا يمكن لأي شيء أن يكون في مكانين في نفس الوقت، الكتاب الإلكتروني لم يسمع بقوانين الفيزياء، الكتاب الإلكتروني يمكنه أن يكون في كل مكان في نفس الوقت، عندما أشتري كتاباً أريده أن يكون متوفراً لي في أي جهاز استخدمه، سواء الهاتف، القارئ الإلكتروني، الحاسوب المكتبي، الحاسوب اللوحي وأي حاسوب آخر، عندما أقرأ الكتاب في القارئ الإلكتروني وأصل للصفحة الخمسين بعد المئة أريد أن أستخدم هاتفي بينما أنتظر دوري لإنهاء معاملة ما وأريد أن يعرض الهاتف آخر صفحة وصلت لها، وعندما أعود للمنزل واستخدم حاسوباً لوحياً أريد أن يعرض الحاسوب آخر صفحة وصلت لها، هكذا اقرأ الكتاب باستمرار بدون أي مشكلة وبدون أن يكون تبديل الأجهزة عائقاً.
أمازون تقدم هذه الخاصية من خلال كندل، أمازون لا تتعامل مع كندل على أنه جهاز فقط بل خدمة وتعمل على أن تكون هي مقدم المحتويات، لذلك طورت العديد من البرامج لقراءة الكتب التي اشتريتها من أي جهاز، ولا تكتفي أمازون بعرض آخر صفحة وصلت لها من أي كتاب بل تنقل كل ملاحظاتك والصفحات المفضلة بين كل الأجهزة التي تملكها، حتى لو لم تكن تمتلك جهاز كندل يمكنك أن تستخدم برامج كندل في آيفون وآيباد وماك وويندوز، هذا ما يجب أن تكون عليه جميع الكتب الإلكترونية، أريد أن أقرأها في أي جهاز.
بعد قابلية النقل والقراءة في كل مكان تأتي قابلية إضافة الفيديو والصوت والتفاعل، هذا أمر أنجز منذ وقت طويل منذ أن ظهرت أول الأقراص المدمجة في الثمانينات وكانت بحجم صحن كبير، والتفاعل قد يكون بأشكال مختلفة، فمثلاً كتاب أليس في بلاد العجائب لآيفون وآيباد يعطي القارئ إمكانية اللعب بمحتويات القصة، هز الجهاز قليلاً لتتناثر الأوراق أو تتحرك الرؤوس، يبدو رائعاً لأول وهلة لكن هذا النوع من التفاعل يفقد قيمته مع مرور الوقت لأن التسلية تتكرر وتصبح مملة وهي لا تساعد القارئ على القراءة، في حالة كتاب أليس لآيباد الكتاب لم يتغير، النص هو نفسه لم يتغير، حتى الرسومات لا تختلف عن الرسومات القديمة المعروفة للكتاب لكنها تحسنت قليلاً وأضيف لها الألوان والتفاعل، قد يكون كل هذا وسيلة جذب للأطفال لكن لدي شك في قيمتها وفائدتها على المدى البعيد.
رأينا في شبكة الويب كثيراً من وسائل إضافة التفاعل أو فرضه على المستخدم بطرق مختلفة، في التسعينات وما بعدها كانت المواقع تعرض مقدمة مصورة قبل الوصول للموقع أو أسوأ من ذلك تعرض مقدمة فلاش لا يمكن تجاوزها، هذا كان ولا زال يضايق الناس والحمدلله أن الظاهرة تكاد تنعدم، الآن أشكال فرض التفاعل تختلف، فمواقع تعرض لك رسائل تحجب المحتويات وتطلب منك المشاركة في استبيان أو إيقاف استخدام إضافة منع الإعلانات أو حتى تعرض لك إعلاناً يجب أن تشاهده بالكامل لكي تتمكن من رؤية المحتوى.
مع ذلك هناك وعي أكبر من قبل مطوري المواقع بأهمية تبسيط التفاعل مع الموقع وعدم فرضه على الزائر، الأمر يجب ألا يتكرر مع الكتب، التفاعل قد يكون على شكل ضغط زر أو مقطع فيديو يظهر عندما تصل لقسم ما أو لغز لا يمكنك قراءة الكتاب بدون تجاوزه، هذه الأفكار ليست بالضرورة سيئة فقد تكون مسلية إن استخدمت بشكل صحيح، المشكلة عندما تستخدم في غير مكانها لتصبح إزعاجاً بدلاً من أن تغني تجربة الاستخدام.
ثم هناك إضافة القواميس والموسوعات، هذا أمر بديهي وقد أنجز منذ سنوات وبطرق مختلفة، معرفة معاني الكلمات يجب ألا تحتاج من المستخدم أن يخرج من برنامج قراءة الكتب لكي يبحث عن معنى ويعود، هذا الانقطاع في القراءة قد يجعل المستخدم يضيع وقته في تصفح الشبكة، من المفترض أن توفر له الكتب الإلكترونية وسيلة لمعرفة معاني الكلمات باختصار ووضوح وبدون إمكانية أن يتوه في القواميس والموسوعات.
لعل أهم ما يمكن للكتاب الإلكتروني أن يقدمه هو الربط المعرفي والاجتماعي، أريد أن أعرف من قرأ الكتاب الذي أقرأه، أريد معرفة تعليقات الآخرين على هذه الفقرة أو هذا السطر أو تلك النكتة، بعد أن أنتهي من قراءة الكتاب هل هناك مقالات تحليلية حوله؟ أريد روابطها، ماذا عن ربط الكتاب بكتاب آخر؟ لماذا الكتب الإلكترونية لا زالت تشير للكتب الأخرى بنفس أسلوب الكتاب الورقي؟ بدلاً من ملاحظة أريد رابطاً يقودوني للفقرة التي اقتبسها الكتاب، أريد معرفة كم قرأ الناس من هذا الكتاب فليس كل كتاب يقرأ من أوله لآخره، أريد أن أرى ملاحظات الآخرين وتنبيهاتهم حول الفقرات أو الصفحات التي يجب أن أقرأها، أريد طباعة ملاحظاتي ونسخها لجهاز آخر، أريد أن أنشر ملاحظة مع رابط في تويتر، يضغط الآخرون على هذا الرابط فيصلون للصفحة التي وضعت فيها الملاحظة ويقرأون تعليقات الآخرين.
هكذا يصبح الكتاب رابطاً بين الناس، هكذا تصبح الروابط في الشبكة روابط معرفية واجتماعية مفيدة، صور القطط قد تكون مضحكة وقد تربط بين بعض الناس لكنني أريد المشاركة في شيء أكثر فائدة، الكتب كانت وستبقى أساساً للمعرفة والثقافة وحتى التسلية، وعندما نرفع مشاركة الناس في المعرفة إلى هذا المستوى سنرى مزيداً من الفائدة في كل كتاب، فالمؤلف لم يعد الشخص الوحيد الذي يقدم قيمة بل يمكن للقراء أن يشاركوه بآرائهم.
لكن - وهناك دائماً لكن - هناك عوائق أمام تحقيق هذا التصور، العوائق ليست تقنية بل قانونية، دور وصناعة النشر حول العالم لا زالت تعيش في القرن العشرين، لا زالت تظن أن الكتاب الرقمي مجرد كتاب ورقي لكن استبدلنا الورق بشاشة، لا زالت تريد أن تحكم سيطرتها على الكتاب حتى لو كان ذلك على حساب الفائدة التي يمكن تقديمها، صناعة النشر تتشبث بالماضي وتريد أن تجر المجتمعات نحو البقاء هناك لأن الماضي يعني عدم التغيير لأن الماضي يعني ضمان سيطرتهم على الكتب، لكن هذا لن يستمر وهذا ما يدركه بعض الناشرين لكن ببطء.
ماذا عن الكتاب الإلكتروني عربياً؟ هذا حديث طويل، لكن إن كان هناك شيء واحد نحتاجه فهو أن تكتب أنت كتاباً إلكترونياً صغيراً مكوناً من 10 إلى 70 صفحة حول موضوع متخصص، ليكن موضوعاً بسيطاً أو فكاهياً أو أي شيء، المهم أن تقدم قيمة في الكتاب، لماذا أدعوا لذلك؟ لأن الكلام لا فائدة منه، ساهم بشيء، هذا هو حل أي مشكلة لا الكلام.
محاولة تقليد ما هو حاسوبي - أو رقمي إن شئت - لما هو غير رقمي لا تتوقف عند الكتب، مصممي واجهات الاستخدام يحاولون تبسيط استخدام الحاسوب من خلال ربط الواجهة بأفكار من واقع المستخدم، فمثلاً سطح المكتب كأنه سطح الطاولة التي تعمل عليها، والملفات التي تجدها في سطح المكتب لا تختلف فكرتها عن الورق الذي قد تضعه فوق طاولتك لكن هناك بالتأكيد فرق بين الطريقتين، عندما يكون هناك ملف في سطح المكتب على حاسوبك فهو في الحقيقة رسم أو إيقونة (icon) تشير إلى ملف، لا يمكنك أن تقرأ محتويات الملف من خلال الإيقونة، عليك تضغط عليها لتشغل البرنامج المناسب لعرض الملف، بينما في الواقع إذا كانت هناك ورقة فوق طاولتك فكل ما عليك أن تفعل لقراءتها هو أن تحرك رأسك قليلاً أو ربما تجر الورقة إليك.
الأمر يتكرر مع أجزاء مختلفة من واجهات الحاسوب وبرامجه، خذ على سبيل المثال الآلة الحاسبة، لتبسيط استخدامها تصمم الآلات الحاسبة في الحاسوب لكي تشبه الآلات الحاسبة التي قد يضعها المستخدم بجانبه، هذا قد يجعل استخدام الآلة الحاسبة سهلاً ومن ناحية أخرى يحد من الإمكانيات التي يستطيع الحاسوب تقديمها.
ما الذي يمكن للآلة الحاسبة في الحاسوب أن تقدمه؟ أظن أن برنامج سولفر يقدم إجابة جيدة، فبدلاً من النقر على الأزرار لإدخال العملية الحسابية اكتبها مباشرة على لوحة المفاتيح، وبدلاً من الاكتفاء بالأرقام يمكنك أن تضع الكلمات بجانب الأرقام، موقع سولفر يضع العديد من الأمثلة للحسابات التي يمكن تقديمها مثل (عمري: 22 عاماً بالثواني) فتظهر النتيجة عمر الشخص بالثواني، ليس مثالاً مفيداً لكنه يعيطك فكرة عن ما يمكن للبرنامج تقديمه.
الكتاب الإلكتروني يمكنه أن يقدم الكثير عندما نخرجه من حدود الكتاب الورقي، في البداية مفهوم الصفحات في الكتاب الإلكتروني غير ضروري، يمكن أن يعرض الكتاب الإلكتروني في صفحة واحدة طويلة ويمكن أن يعرف المستخدم مدى تقدمه في قراءة الكتاب من خلال نسبة مئوية أو رسم يشير إلى موقعه، ربما هذا غير عملي، ربما مفهوم الصفحات جيد كفاية ليبقى في الكتب الإلكترونية، فما الذي يمكن للكتب الإلكترونية أن تقدمه؟
لتقرأ الكتاب الورقي عليك أن تحمله معك فهو محدود بقوانين الفيزياء التي تقول أنه لا يمكن لأي شيء أن يكون في مكانين في نفس الوقت، الكتاب الإلكتروني لم يسمع بقوانين الفيزياء، الكتاب الإلكتروني يمكنه أن يكون في كل مكان في نفس الوقت، عندما أشتري كتاباً أريده أن يكون متوفراً لي في أي جهاز استخدمه، سواء الهاتف، القارئ الإلكتروني، الحاسوب المكتبي، الحاسوب اللوحي وأي حاسوب آخر، عندما أقرأ الكتاب في القارئ الإلكتروني وأصل للصفحة الخمسين بعد المئة أريد أن أستخدم هاتفي بينما أنتظر دوري لإنهاء معاملة ما وأريد أن يعرض الهاتف آخر صفحة وصلت لها، وعندما أعود للمنزل واستخدم حاسوباً لوحياً أريد أن يعرض الحاسوب آخر صفحة وصلت لها، هكذا اقرأ الكتاب باستمرار بدون أي مشكلة وبدون أن يكون تبديل الأجهزة عائقاً.
أمازون تقدم هذه الخاصية من خلال كندل، أمازون لا تتعامل مع كندل على أنه جهاز فقط بل خدمة وتعمل على أن تكون هي مقدم المحتويات، لذلك طورت العديد من البرامج لقراءة الكتب التي اشتريتها من أي جهاز، ولا تكتفي أمازون بعرض آخر صفحة وصلت لها من أي كتاب بل تنقل كل ملاحظاتك والصفحات المفضلة بين كل الأجهزة التي تملكها، حتى لو لم تكن تمتلك جهاز كندل يمكنك أن تستخدم برامج كندل في آيفون وآيباد وماك وويندوز، هذا ما يجب أن تكون عليه جميع الكتب الإلكترونية، أريد أن أقرأها في أي جهاز.
بعد قابلية النقل والقراءة في كل مكان تأتي قابلية إضافة الفيديو والصوت والتفاعل، هذا أمر أنجز منذ وقت طويل منذ أن ظهرت أول الأقراص المدمجة في الثمانينات وكانت بحجم صحن كبير، والتفاعل قد يكون بأشكال مختلفة، فمثلاً كتاب أليس في بلاد العجائب لآيفون وآيباد يعطي القارئ إمكانية اللعب بمحتويات القصة، هز الجهاز قليلاً لتتناثر الأوراق أو تتحرك الرؤوس، يبدو رائعاً لأول وهلة لكن هذا النوع من التفاعل يفقد قيمته مع مرور الوقت لأن التسلية تتكرر وتصبح مملة وهي لا تساعد القارئ على القراءة، في حالة كتاب أليس لآيباد الكتاب لم يتغير، النص هو نفسه لم يتغير، حتى الرسومات لا تختلف عن الرسومات القديمة المعروفة للكتاب لكنها تحسنت قليلاً وأضيف لها الألوان والتفاعل، قد يكون كل هذا وسيلة جذب للأطفال لكن لدي شك في قيمتها وفائدتها على المدى البعيد.
رأينا في شبكة الويب كثيراً من وسائل إضافة التفاعل أو فرضه على المستخدم بطرق مختلفة، في التسعينات وما بعدها كانت المواقع تعرض مقدمة مصورة قبل الوصول للموقع أو أسوأ من ذلك تعرض مقدمة فلاش لا يمكن تجاوزها، هذا كان ولا زال يضايق الناس والحمدلله أن الظاهرة تكاد تنعدم، الآن أشكال فرض التفاعل تختلف، فمواقع تعرض لك رسائل تحجب المحتويات وتطلب منك المشاركة في استبيان أو إيقاف استخدام إضافة منع الإعلانات أو حتى تعرض لك إعلاناً يجب أن تشاهده بالكامل لكي تتمكن من رؤية المحتوى.
مع ذلك هناك وعي أكبر من قبل مطوري المواقع بأهمية تبسيط التفاعل مع الموقع وعدم فرضه على الزائر، الأمر يجب ألا يتكرر مع الكتب، التفاعل قد يكون على شكل ضغط زر أو مقطع فيديو يظهر عندما تصل لقسم ما أو لغز لا يمكنك قراءة الكتاب بدون تجاوزه، هذه الأفكار ليست بالضرورة سيئة فقد تكون مسلية إن استخدمت بشكل صحيح، المشكلة عندما تستخدم في غير مكانها لتصبح إزعاجاً بدلاً من أن تغني تجربة الاستخدام.
ثم هناك إضافة القواميس والموسوعات، هذا أمر بديهي وقد أنجز منذ سنوات وبطرق مختلفة، معرفة معاني الكلمات يجب ألا تحتاج من المستخدم أن يخرج من برنامج قراءة الكتب لكي يبحث عن معنى ويعود، هذا الانقطاع في القراءة قد يجعل المستخدم يضيع وقته في تصفح الشبكة، من المفترض أن توفر له الكتب الإلكترونية وسيلة لمعرفة معاني الكلمات باختصار ووضوح وبدون إمكانية أن يتوه في القواميس والموسوعات.
لعل أهم ما يمكن للكتاب الإلكتروني أن يقدمه هو الربط المعرفي والاجتماعي، أريد أن أعرف من قرأ الكتاب الذي أقرأه، أريد معرفة تعليقات الآخرين على هذه الفقرة أو هذا السطر أو تلك النكتة، بعد أن أنتهي من قراءة الكتاب هل هناك مقالات تحليلية حوله؟ أريد روابطها، ماذا عن ربط الكتاب بكتاب آخر؟ لماذا الكتب الإلكترونية لا زالت تشير للكتب الأخرى بنفس أسلوب الكتاب الورقي؟ بدلاً من ملاحظة أريد رابطاً يقودوني للفقرة التي اقتبسها الكتاب، أريد معرفة كم قرأ الناس من هذا الكتاب فليس كل كتاب يقرأ من أوله لآخره، أريد أن أرى ملاحظات الآخرين وتنبيهاتهم حول الفقرات أو الصفحات التي يجب أن أقرأها، أريد طباعة ملاحظاتي ونسخها لجهاز آخر، أريد أن أنشر ملاحظة مع رابط في تويتر، يضغط الآخرون على هذا الرابط فيصلون للصفحة التي وضعت فيها الملاحظة ويقرأون تعليقات الآخرين.
هكذا يصبح الكتاب رابطاً بين الناس، هكذا تصبح الروابط في الشبكة روابط معرفية واجتماعية مفيدة، صور القطط قد تكون مضحكة وقد تربط بين بعض الناس لكنني أريد المشاركة في شيء أكثر فائدة، الكتب كانت وستبقى أساساً للمعرفة والثقافة وحتى التسلية، وعندما نرفع مشاركة الناس في المعرفة إلى هذا المستوى سنرى مزيداً من الفائدة في كل كتاب، فالمؤلف لم يعد الشخص الوحيد الذي يقدم قيمة بل يمكن للقراء أن يشاركوه بآرائهم.
لكن - وهناك دائماً لكن - هناك عوائق أمام تحقيق هذا التصور، العوائق ليست تقنية بل قانونية، دور وصناعة النشر حول العالم لا زالت تعيش في القرن العشرين، لا زالت تظن أن الكتاب الرقمي مجرد كتاب ورقي لكن استبدلنا الورق بشاشة، لا زالت تريد أن تحكم سيطرتها على الكتاب حتى لو كان ذلك على حساب الفائدة التي يمكن تقديمها، صناعة النشر تتشبث بالماضي وتريد أن تجر المجتمعات نحو البقاء هناك لأن الماضي يعني عدم التغيير لأن الماضي يعني ضمان سيطرتهم على الكتب، لكن هذا لن يستمر وهذا ما يدركه بعض الناشرين لكن ببطء.
ماذا عن الكتاب الإلكتروني عربياً؟ هذا حديث طويل، لكن إن كان هناك شيء واحد نحتاجه فهو أن تكتب أنت كتاباً إلكترونياً صغيراً مكوناً من 10 إلى 70 صفحة حول موضوع متخصص، ليكن موضوعاً بسيطاً أو فكاهياً أو أي شيء، المهم أن تقدم قيمة في الكتاب، لماذا أدعوا لذلك؟ لأن الكلام لا فائدة منه، ساهم بشيء، هذا هو حل أي مشكلة لا الكلام.
الاشتراك في:
الرسائل (Atom)
