الجمعة، 2 يوليو، 2010

الكتاب الإلكتروني أكثر من مجرد صندوق

الكتاب الإلكتروني بشكله الحالي لا يختلف كثيراً عن الورقي، عندما تحول الورق إلى ملف رقمي فكل ما تفعله هو استخدام صندوق مختلف، هذا كل شيء، بدلاً من الورق يظهر النص على الشاشة، صحيح أن الملف الرقمي يمكن نسخه بلا تكلفة وإرساله بدون أي تكلفة تقريباً، هذا لن ينفي حقيقة أن الوظائف لم تتغير، الكتاب كما هو والذي تغير فقط هي وسيلة القراءة لا أكثر، حتى طريقة عرض الكتب الإلكترونية لا زالت تشبه الكتب الورقية، الكتب الإلكترونية تعرض على شكل صفحات وإن كان ملف الكتاب الإلكتروني من نوع بي دي أف (PDF) سترى المحتويات موزعة على صفحات ثابتة ولا يمكنك تكبير أو تصغير الخط، يمكنك الاقتراب من الصفحة أو الابتعاد لكن ليس تغيير حجم النص، هذا أمر طبيعي مع هذا النوع من الملفات لأنها مصممة أصلاً لطباعة محتويات الملف.

محاولة تقليد ما هو حاسوبي - أو رقمي إن شئت - لما هو غير رقمي لا تتوقف عند الكتب، مصممي واجهات الاستخدام يحاولون تبسيط استخدام الحاسوب من خلال ربط الواجهة بأفكار من واقع المستخدم، فمثلاً سطح المكتب كأنه سطح الطاولة التي تعمل عليها، والملفات التي تجدها في سطح المكتب لا تختلف فكرتها عن الورق الذي قد تضعه فوق طاولتك لكن هناك بالتأكيد فرق بين الطريقتين، عندما يكون هناك ملف في سطح المكتب على حاسوبك فهو في الحقيقة رسم أو إيقونة (icon) تشير إلى ملف، لا يمكنك أن تقرأ محتويات الملف من خلال الإيقونة، عليك تضغط عليها لتشغل البرنامج المناسب لعرض الملف، بينما في الواقع إذا كانت هناك ورقة فوق طاولتك فكل ما عليك أن تفعل لقراءتها هو أن تحرك رأسك قليلاً أو ربما تجر الورقة إليك.

الأمر يتكرر مع أجزاء مختلفة من واجهات الحاسوب وبرامجه، خذ على سبيل المثال الآلة الحاسبة، لتبسيط استخدامها تصمم الآلات الحاسبة في الحاسوب لكي تشبه الآلات الحاسبة التي قد يضعها المستخدم بجانبه، هذا قد يجعل استخدام الآلة الحاسبة سهلاً ومن ناحية أخرى يحد من الإمكانيات التي يستطيع الحاسوب تقديمها.

ما الذي يمكن للآلة الحاسبة في الحاسوب أن تقدمه؟ أظن أن برنامج سولفر يقدم إجابة جيدة، فبدلاً من النقر على الأزرار لإدخال العملية الحسابية اكتبها مباشرة على لوحة المفاتيح، وبدلاً من الاكتفاء بالأرقام يمكنك أن تضع الكلمات بجانب الأرقام، موقع سولفر يضع العديد من الأمثلة للحسابات التي يمكن تقديمها مثل (عمري: 22 عاماً بالثواني) فتظهر النتيجة عمر الشخص بالثواني، ليس مثالاً مفيداً لكنه يعيطك فكرة عن ما يمكن للبرنامج تقديمه.

الكتاب الإلكتروني يمكنه أن يقدم الكثير عندما نخرجه من حدود الكتاب الورقي، في البداية مفهوم الصفحات في الكتاب الإلكتروني غير ضروري، يمكن أن يعرض الكتاب الإلكتروني في صفحة واحدة طويلة ويمكن أن يعرف المستخدم مدى تقدمه في قراءة الكتاب من خلال نسبة مئوية أو رسم يشير إلى موقعه، ربما هذا غير عملي، ربما مفهوم الصفحات جيد كفاية ليبقى في الكتب الإلكترونية، فما الذي يمكن للكتب الإلكترونية أن تقدمه؟

لتقرأ الكتاب الورقي عليك أن تحمله معك فهو محدود بقوانين الفيزياء التي تقول أنه لا يمكن لأي شيء أن يكون في مكانين في نفس الوقت، الكتاب الإلكتروني لم يسمع بقوانين الفيزياء، الكتاب الإلكتروني يمكنه أن يكون في كل مكان في نفس الوقت، عندما أشتري كتاباً أريده أن يكون متوفراً لي في أي جهاز استخدمه، سواء الهاتف، القارئ الإلكتروني، الحاسوب المكتبي، الحاسوب اللوحي وأي حاسوب آخر، عندما أقرأ الكتاب في القارئ الإلكتروني وأصل للصفحة الخمسين بعد المئة أريد أن أستخدم هاتفي بينما أنتظر دوري لإنهاء معاملة ما وأريد أن يعرض الهاتف آخر صفحة وصلت لها، وعندما أعود للمنزل واستخدم حاسوباً لوحياً أريد أن يعرض الحاسوب آخر صفحة وصلت لها، هكذا اقرأ الكتاب باستمرار بدون أي مشكلة وبدون أن يكون تبديل الأجهزة عائقاً.

أمازون تقدم هذه الخاصية من خلال كندل، أمازون لا تتعامل مع كندل على أنه جهاز فقط بل خدمة وتعمل على أن تكون هي مقدم المحتويات، لذلك طورت العديد من البرامج لقراءة الكتب التي اشتريتها من أي جهاز، ولا تكتفي أمازون بعرض آخر صفحة وصلت لها من أي كتاب بل تنقل كل ملاحظاتك والصفحات المفضلة بين كل الأجهزة التي تملكها، حتى لو لم تكن تمتلك جهاز كندل يمكنك أن تستخدم برامج كندل في آيفون وآيباد وماك وويندوز، هذا ما يجب أن تكون عليه جميع الكتب الإلكترونية، أريد أن أقرأها في أي جهاز.

بعد قابلية النقل والقراءة في كل مكان تأتي قابلية إضافة الفيديو والصوت والتفاعل، هذا أمر أنجز منذ وقت طويل منذ أن ظهرت أول الأقراص المدمجة في الثمانينات وكانت بحجم صحن كبير، والتفاعل قد يكون بأشكال مختلفة، فمثلاً كتاب أليس في بلاد العجائب لآيفون وآيباد يعطي القارئ إمكانية اللعب بمحتويات القصة، هز الجهاز قليلاً لتتناثر الأوراق أو تتحرك الرؤوس، يبدو رائعاً لأول وهلة لكن هذا النوع من التفاعل يفقد قيمته مع مرور الوقت لأن التسلية تتكرر وتصبح مملة وهي لا تساعد القارئ على القراءة، في حالة كتاب أليس لآيباد الكتاب لم يتغير، النص هو نفسه لم يتغير، حتى الرسومات لا تختلف عن الرسومات القديمة المعروفة للكتاب لكنها تحسنت قليلاً وأضيف لها الألوان والتفاعل، قد يكون كل هذا وسيلة جذب للأطفال لكن لدي شك في قيمتها وفائدتها على المدى البعيد.

رأينا في شبكة الويب كثيراً من وسائل إضافة التفاعل أو فرضه على المستخدم بطرق مختلفة، في التسعينات وما بعدها كانت المواقع تعرض مقدمة مصورة قبل الوصول للموقع أو أسوأ من ذلك تعرض مقدمة فلاش لا يمكن تجاوزها، هذا كان ولا زال يضايق الناس والحمدلله أن الظاهرة تكاد تنعدم، الآن أشكال فرض التفاعل تختلف، فمواقع تعرض لك رسائل تحجب المحتويات وتطلب منك المشاركة في استبيان أو إيقاف استخدام إضافة منع الإعلانات أو حتى تعرض لك إعلاناً يجب أن تشاهده بالكامل لكي تتمكن من رؤية المحتوى.

مع ذلك هناك وعي أكبر من قبل مطوري المواقع بأهمية تبسيط التفاعل مع الموقع وعدم فرضه على الزائر، الأمر يجب ألا يتكرر مع الكتب، التفاعل قد يكون على شكل ضغط زر أو مقطع فيديو يظهر عندما تصل لقسم ما أو لغز لا يمكنك قراءة الكتاب بدون تجاوزه، هذه الأفكار ليست بالضرورة سيئة فقد تكون مسلية إن استخدمت بشكل صحيح، المشكلة عندما تستخدم في غير مكانها لتصبح إزعاجاً بدلاً من أن تغني تجربة الاستخدام.

ثم هناك إضافة القواميس والموسوعات، هذا أمر بديهي وقد أنجز منذ سنوات وبطرق مختلفة، معرفة معاني الكلمات يجب ألا تحتاج من المستخدم أن يخرج من برنامج قراءة الكتب لكي يبحث عن معنى ويعود، هذا الانقطاع في القراءة قد يجعل المستخدم يضيع وقته في تصفح الشبكة، من المفترض أن توفر له الكتب الإلكترونية وسيلة لمعرفة معاني الكلمات باختصار ووضوح وبدون إمكانية أن يتوه في القواميس والموسوعات.

لعل أهم ما يمكن للكتاب الإلكتروني أن يقدمه هو الربط المعرفي والاجتماعي، أريد أن أعرف من قرأ الكتاب الذي أقرأه، أريد معرفة تعليقات الآخرين على هذه الفقرة أو هذا السطر أو تلك النكتة، بعد أن أنتهي من قراءة الكتاب هل هناك مقالات تحليلية حوله؟ أريد روابطها، ماذا عن ربط الكتاب بكتاب آخر؟ لماذا الكتب الإلكترونية لا زالت تشير للكتب الأخرى بنفس أسلوب الكتاب الورقي؟ بدلاً من ملاحظة أريد رابطاً يقودوني للفقرة التي اقتبسها الكتاب، أريد معرفة كم قرأ الناس من هذا الكتاب فليس كل كتاب يقرأ من أوله لآخره، أريد أن أرى ملاحظات الآخرين وتنبيهاتهم حول الفقرات أو الصفحات التي يجب أن أقرأها، أريد طباعة ملاحظاتي ونسخها لجهاز آخر، أريد أن أنشر ملاحظة مع رابط في تويتر، يضغط الآخرون على هذا الرابط فيصلون للصفحة التي وضعت فيها الملاحظة ويقرأون تعليقات الآخرين.

هكذا يصبح الكتاب رابطاً بين الناس، هكذا تصبح الروابط في الشبكة روابط معرفية واجتماعية مفيدة، صور القطط قد تكون مضحكة وقد تربط بين بعض الناس لكنني أريد المشاركة في شيء أكثر فائدة، الكتب كانت وستبقى أساساً للمعرفة والثقافة وحتى التسلية، وعندما نرفع مشاركة الناس في المعرفة إلى هذا المستوى سنرى مزيداً من الفائدة في كل كتاب، فالمؤلف لم يعد الشخص الوحيد الذي يقدم قيمة بل يمكن للقراء أن يشاركوه بآرائهم.

لكن - وهناك دائماً لكن - هناك عوائق أمام تحقيق هذا التصور، العوائق ليست تقنية بل قانونية، دور وصناعة النشر حول العالم لا زالت تعيش في القرن العشرين، لا زالت تظن أن الكتاب الرقمي مجرد كتاب ورقي لكن استبدلنا الورق بشاشة، لا زالت تريد أن تحكم سيطرتها على الكتاب حتى لو كان ذلك على حساب الفائدة التي يمكن تقديمها، صناعة النشر تتشبث بالماضي وتريد أن تجر المجتمعات نحو البقاء هناك لأن الماضي يعني عدم التغيير لأن الماضي يعني ضمان سيطرتهم على الكتب، لكن هذا لن يستمر وهذا ما يدركه بعض الناشرين لكن ببطء.

ماذا عن الكتاب الإلكتروني عربياً؟ هذا حديث طويل، لكن إن كان هناك شيء واحد نحتاجه فهو أن تكتب أنت كتاباً إلكترونياً صغيراً مكوناً من 10 إلى 70 صفحة حول موضوع متخصص، ليكن موضوعاً بسيطاً أو فكاهياً أو أي شيء، المهم أن تقدم قيمة في الكتاب، لماذا أدعوا لذلك؟ لأن الكلام لا فائدة منه، ساهم بشيء، هذا هو حل أي مشكلة لا الكلام.

9 تعليقات:

ماجد الحمدان يقول...

أفكار جديدة وعملية لتطوير الكتاب الإلكتروني، كما أن مجال الكتاب الإلكتروني والنشر العربي لا زال خصبا، سواء من حيث الابتكار أو حتى التقليد.

ما هذا اليأس الغريب عند العرب من الكتاب؟

أعتقد أن هناك شيئا جديدا لا بد أن يحدث كي يحول الكتاب الإلكتروني كخيار بديل للعصر الورقي، فنحن في العصر الرقمي، وكأن العصر الورقي رديف للحجري!

أفكارك جميلة، سلمت على المقال يا عبدلله، هناك إشارة في خاتمة المقال أتمنى أن تصل لبعض القراء.

غير معرف يقول...

أنا في حالة إحباط وماقرأته هنا يؤكد لي بأن عقلي يعيش في القرن الماضي .. اسأل الله تعالى أن يفتح علي علما نافعا لي وللمسلمين .

أسامة يونس يقول...

اعتقد مجلة wired حاولت إخراج المجلة من الصورة التقليدية لتصبح اكثر تفاعلا مع المستخدم عندما أنشأت نسخة إلكترونية على الآيباد

إنشاء الله يحدث ذلك مع الكتب أيضا.

majjood يقول...

أفكار رائعة وتدفعني للتفكير في المزيد منها..

فكرة كون الكتاب جزء من شبكة التواصل الاجتماعي بين القراء لها فوائدها لكنها مرهونة بطريقة تطبيقها.

فقراءة الكتب -في الغالب - تستدعي التركيز على أفكار الكاتب دون وجود أي شيء آخر ، وكون الكتاب جزء من شبكة اجتماعية يعني دخول تعليقات وملاحظات مئات القراء والروابط الخارجية لمقالات أخرى على جو الكتاب.
فكيف يمكن أن يحقق الكتاب الجمع بين هاتين الفكرتين معاً؟

عبدالله المهيري يقول...

@ماجد الحمدان: الفارق بين الرقمي والورقي ليس واضحاً كفاية والورق سيبقى معنا لمدة طويلة، لا أظن أن الكتاب الورقي سيختفي في الخمسين أو المئة سنة القادمة، وهو بالتأكيد قد قدم فائدة كبيرة للبشرية بنشر المعرفة وبتكلفة صغيرة، من ناحية أخرى التقنيات الرقمية لم تأتي بدون مشاكل معها فهي من ناحية ملوثة للبيئة بدء من تصنيعها وحتى رميها في سلة المهملات مروراً باستهلاك الطاقة عند استخدامها، الورق بالطبع له سلبية أنه يأتي من الأشجار.

أما العرب واليأس من الكتاب فأنا لا أوافق اليائسين، هناك حياة تعود للكتاب العربي وتزداد عاماً بعد عام، أن متفائل.

@غير معرف: آمين، كل شيء يمكنه أن يتغير، هذا يجب أن يدعوك للتفاؤل.

@أسامة يونس: مجلة وايرد طرحت مجلتها رقمياً بدون أي تفاعل وانتقدها الناس على ذلك، في حين أن هناك مجلات أخرى أضافت التفاعل لكنه أصبح مزعجاً بمرور الوقت لأن القارئ يريد القراءة لا التفاعل.

"إن شاء الله" وليس "إنشاء" فالفرق بينهما كبير :-)

@majjood: نعم الفكرة مرهونة بكيفية تطبيقها، فمثلاً عندما أقرأ لا أريد رؤية شيء غير الكتاب، لكن إن أردت رؤية التعليقات وكل معلومة أخرى يمكن فعل ذلك من خلال ضغطة زر، كأنني أضيف طبقة من المعلومات فوق الكتاب، تماماً كما يحدث في خرائط غوغل مثلاً.

ماجد الحمدان يقول...

شخصيا تغيرت وجهة نظري للكتاب الرقمي، الآن أصبحت أقرأ أكثر بسبب استخدامي لـ pdf عن طريق آيفون.

تخيل أن موادي الدراسية ذاكرتها بنفس الطريقة، فترى الطلاب عند قاعة الامتحان بأوراقهم الكثيرة والمزعجة وأنا أحمل آيفون كأنني ألعب.

وهناك سبب هو تلك الإمكانيات الفائقة للكتاب الرقمي، فهو أكثر فعالية في التعلم والتأثير، بسبب الروابط التشعبية وإمكانية البحث وغيرها.

آمر آخر.. أنا من متابعي مدونتك الدائمين.

تحياتي.

Abdullah يقول...

مقال جميل . بدأ كمقال كلاسيكي وانتهى بأفكار إبداعية.

>معرفة معاني الكلمات يجب ألا تحتاج من المستخدم أن يخرج
>من برنامج قراءة الكتب لكي يبحث عن معنى ويعود، هذا
>الانقطاع في القراءة قد يجعل المستخدم يضيع وقته في
>تصفح الشبكة.

صحيح .. هذا يحدث معي دائماً ، تقرأ في كتاب تقني فتبحث عن معنى كلمة معينة فتجد نفسك في تشاهد توم وجيري على اليوتيوب ..

Anas Emad يقول...

يجب علي من يبحث عن أفكار ان يقرأ تدويناتك من حين لأخر

اكتر تدوينة غنية بالافكار قرأتها منذ فترة

يجب علي المبرمجين في امازون و ابل قراءة مدونتك :D

عبداللطيف العماري.. يقول...

بارك الله فيك ..وبأذن الله نبدأ بالكتابة لان هي الطريق الصحيح ..