الاثنين، 4 أكتوبر، 2010

الرحلة الثانية - 2

In the road to Chikmagalur
من اليمين: محمد ابن داوود، داوود، عبد الحميد المهندس المسؤول عن بناء مسجدي أبي والمدرسة وكذلك مساجد أخرى
الناس في الهند بسطاء، كثير منهم لم يسافر قط خارج الهند بل كثير منهم لم يسافر خارج ولايته التي ولد فيها، تصورهم عن العالم الخارجي ليس واقعياً أو ليس دقيقاً وهذا يجعلهم يتصرفون بشكل غير مرغوب فيه، هم يرون تصرفاتهم عادية وطبيعية في حين أن من سافر للخارج منهم يعلم أن هناك خطأ ما، والأمثلة كثيرة.

زرت ولاية كيرلا هذه المرة ورأيت اختلاف الثقافة بينها وبين جارتها ولاية كارناتكا، رجال كيرلا يسافرون للعمل وكثير منهم سافر إلى الخليج وجاؤوا بالثروة وأصبحوا أغنياء مع أنهم بدأوا في العمل في محل بقالة متواضع، في حين أن الناس في كارناتكا يبقون فيها ويعملون فيها واتصالهم بالعالم خارج الهند أو حتى خارج ولايتهم محدود، داوود وإخوته استثناء لأنهم سافروا للخليج واشتغلوا في وظائف مختلفة.

داوود يعمل سائقاً منذ أن جاء للإمارات في عام 1979م وحتى اليوم، لم يكمل تعليمه واضطر للعمل بسبب ظروفه العائلية، فقد أمه صغيراً ثم فقد أباه وكانت ظروفهم صعبة، جاء إلى الشارقة أول مرة وفي ذهنه أنه جاء ليرى "أحفاد الصحابة" لكن في المسجد رأى أن الأغلبية هم الهنود والباكستانيون وكبار السن من المواطنين، انتقل من عائلة لأخرى وجاء إلى أبوظبي واشتغل في عدة بيوت حتى استقر في بيتنا.

قبل أن يأتي لبيتنا كان داوود يعمل في بيت آخر وحدث خلاف بينه وبين العائلة لأنه رفض توصيل أحد أقاربهم، ولد مراهق في ذلك الوقت، رفضه كان على أساس أنه متعب وأن الظهر وقت الراحة ويمكن الانتظار إلى العصر، أمر بسيط لكنه أدى لقرار الكفيل أن يلغي كفالة داوود ويرسله إلى بلاده، في اليوم التالي كان داوود يقود السيارة ويذهب مع كفيله إلى دائرة الجوازات لكي ينهي كفيله معاملة إلغاء الكفالة، هل تتصور ذلك؟ هل تتصور أن تساعد شخصاً على إنهاء عملك؟

عاد داوود لبلاده وبقي هناك عاماً بلا عمل، وفي فترة بدأ يرى رؤية لم يفهم معناها، يرى البحر ثم سمك الهامور ثم أبي رحمه الله، تكررت الرؤيا ثلاث ليالي وبعد ذلك جاء اتصال من حسن أخو داوود والذي ما زال يعمل معنا وأخبره أن أبي بحاجة لسائق ثاني، كان أول تنبيه من أبي لداوود أن يذهب للمسجد ولا يعمل لأحد في وقت الصلاة وكانت هذه أمنية لداوود تحققت إذ كان في عمله السابق يضطر في بعض الأحيان لتأخير الصلاة.

قبل رحيل أبي عن الدنيا بسنتين بدأ داوود يلمح له بخصوص بناء المساجد والمدارس، كان يخبره أن فلان من الناس بنى مسجداً وفلانة فعلت ذلك وفلان تكفل ببناء مدرسة وهكذا يردد على أبي حتى جاء الوقت الذي يساهم أبي في بناء مسجدين ومدرسة، شاهد أبي فيلماً مصوراً لافتتاح أحد المساجد التي بناها ورحل عن الدنيا قبل أن يكتمل بناء المسجد الثاني، رحمه الله وأسكنه بيته في الجنة.

في السنوات التي اشتغل فيها داوود سائقاً في الإمارات استطاع أن ينظم أموره ويجمع ما يكفي من المال لبناء منزله، الناس هناك ظنوا أن داوود غني وأنه تاجر أو مدير شركة، زاد من يقين ظنهم أنه ساهم في بناء مساجد ومدارس عديدة ولم يعلموا أنه فقط منسق بين المتبرعين والمستفيدين من التبرع، يخبرهم "أنا سائق! دريول!" فلا يصدقونه.

في رحلتي هذه زرت في آخر يوم من رمضان مسجداً يحتاج لتوسعة، المسجد بني على أرض صغيرة ثم بنيت له توسعة لكن على أرض حكومية وبشكل غير قانوني، المهم أننا اطلعنا على المكان وأخذنا بعض الصور وسجلت البيانات الضرورية، داوود ذهب لمساحة أمام المسجد وبقيت أنا بالقرب من السيارة، اقترب شاب يلبس طاقية ويعرف القليلة من العربية فسألني "داوود يعمل عندكم؟" أجبته "داوود يعمل معنا" فسأل "مدير؟" قلت له ضاحكاً "لا، ليس مدير!" واكتفيت بذلك، لاحقاً ذكرت القصة لداوود فهز رأسه، يبدو أنه يحاول ومنذ سنوات أن يقنع الناس بأنه "مجرد سائق" لكنهم لا يريدون تصديق ذلك.

نتيجة لعدم تصديقهم هذا يزورون داوود بين حين وآخر ويطالبونه بمساعدتهم ببناء مسجد أو مدرسة أو حفر بئر وهو يسجل البيانات ويعدهم بمحاولة البحث عن متبرع ويؤكد لهم أن التوفيق من الله وأنه لا يملك شيئاً، مع ذلك يعودون لزيارته مرة بعد مرة في إلحاح متكرر لا ينقطع.

الإلحاح، لعله أكثر ما يعجبني في الهنود وأكثر ما يزعجني في نفس الوقت، لا أملك إلا أن أقدر وأحترم رغبتهم في استضافتي وداوود لكن عندما أصبح ضيفاً ينسون أن هناك مساحة محدودة في معدتي ويقدمون لي أنواعاً من الطعام وكله طعام ثقيل، الأرز والمرق واللحم والدجاج وأنواع من خبز الأرز - يسمونه دوسا - كلها تطبخ بالزيت وفي كل وجبة هناك أنواع منها وعلي أن آجرب كل واحدة منها، يسألونني هل أريد هذا أو ذاك فأشير لهم أنني اكتفيت بما لدي لكن إلحاحهم يجعلهم لا يسمعون إجابتي ويضيفون مزيداً من الطعام، كأن لسان حالهم يقول: الرجل ليس سميناً كفاية ... سمنوه!

حتى في بيت داوود يتكرر الأمر لكن بطريقة مختلفة، في يوم ما كنت متعباً وليس لي رغبة في تناول أي طعام لأن الإفطار كان كافياً، أخبرت داوود أنني سأتجاوز وجبة العشاء وأنام مباشرة فوافق، في اليوم التالي أخبرني أن زوجه تضايقت من الأمر فكان حكماً نهائياً علي بأن أتناول كل وجبة، لا أريد أن أضايق أهل داوود مرة أخرى.

في آخر يوم من الرحلة كنا على موعد لافتتاح مدرسة بنيت في منطقة جبلية نائية، كنت الضيف وكان هناك حفل بسيط واجتمع الناس والأطفال حول المدرسة وداخلها وكان حفل عادي، كلمات بسيطة ثم وجبة بسيطة والحمدلله لم يغني أحدهم طلع البدر علينا، بعد الحفل طلب منا أحد الرجال أن نذهب لمكان قريب لنشاهد مسجداً ينقصه مدرسة ثم لنشاهد مسجداً يحتاج لصيانة، الرجل كان معنا وأكل معنا مع ذلك أصر إلا أن يجرني وداوود لكي نجلس في بيت قريب له، فقط نجلس لا أكثر، ثواني ونخرج هذا كل شيء، جلست وعرفت أنها لن تكون ثواني وعرفت أن هناك صحوناً ستأتي وقد جائت فأكلت لقمة وأكل داوود لقمة وخرجنا ... الرجل ليس سميناً كفاية!

وإن تحدثت عن الإلحاح فيجب أن أتحدث عن الرياضة الوطنية التي يمارسها كل هندي، أعني البحلقة بالتأكيد! مفهوم الخصوصية في الهند مختلف، فإن كنت في الشارع وكنت مميز الشكل لأي سبب - كأن تلبس ثياباً مختلفة - ستجد الناس يبحلقون فيك طوال الوقت، ولا أعني ثواني قليلة بل دقائق، والبحلقة لا يعقبها كلام أو فعل بل يبقى الرجل يبحلق فيك كأنه لا يرى أي شيء آخر، حتى بعد الصلاة أجد بعض الرجال وبعض الأطفال يبحلقون، أحدهم ضايقني فالتفت له وبدأت أبحلق فيه فلم يتحرك فيه شيء وبقي على حاله حتى استحيت.

الخصوصية أمر مهم بالنسبة لي خصوصاً في غرفتي، لا أقبل أن يدخل غرفتي أي شخص بدون أن يطرق الباب، بل أتضايق من دخول أي شخص لغرفتي حتى لو استئذن، أعلم أن هذه أنانية لكنه شعور داخلي لا أستطيع منعه، الغرفة هي المكان الوحيد الذي أعتبره مكاني الخاص، مملكتي الصغيرة إن شئت، ألا يحق أن يكون لي مكان خاص جداً لا يدخله أحد غيري؟

على أي حال، في الهند تعلمت الدرس سريعاً، بمجرد أن علم الناس أن هناك ضيف عربي عند داوود بدأوا في زيارة بيت داوود وبعضهم اقتحم غرفتي، يطرق أحدهم الباب ثم يفتحه سريعاً، أحدهم لم يزعج نفسه بطرق الباب ففتحه مباشرة وقد كنت جالساً أقرأ كتاباً لكنني تضايقت، فأقفلت الباب، حاول أكثر من شخص فتح الباب مباشرة لكن القفل منعهم.

عند زيارتنا لأي مسجد يتجمهر الناس ويبدأون رياضة البحلقة، أريد الوضوء فيتبعني مجموعة منهم، أسأل عن الحمام فيخبرونني ويتبعوني إلى باب الحمام! أصرخ في داخلي "أتركوني لوحدي! ابتعدوا قليلاً" لكن أخرج من الحمام وأجدهم يبحلقون، أتوضأ فأجدهم يبحلقون، أدخل للمسجد وأصلي ركعتين وهم لا زالوا يمارسون رياضتهم، أخرج فيأتون بصحن وكوب شاي لي وآخر لداوود وتكون هذه فرصة لممارسة البحلقة.

مع مرور الأيام اعتدت على الأمر أو تجاهلته، هؤلاء مساكين لم يروا الدنيا خارج قراهم والعربي لديهم كائن مقدس، داوود كان يفكر بنفس الطريقة قبل أن يزور الإمارات لكنه الآن يعرف العرب فقد عاش معهم 30 عاماً، لذلك كنت أذكر نفسي بألا أتضايق وأتذكر أن الأمر مؤقت، كلها نصف ساعة وأعود إلى الطريق.

تعرفت هناك على عدة أشخاص من بينهم الشاب أكرم، شاب مثقف لا أعرف عنه الكثير سوى أنه جامعي ومتفوق في دراسته ويقرأ بنهم، في رحلتي الأولى التقيت به في بيت أحد أقارب داوود وهناك أهديته كتاباً يجمع مقالات الصحفي البريطاني روبرت فيسك، أعطيته عنوان البريد الإلكتروني الخاص بي وكانت بيننا نقاش طوال الأشهر الماضية، في هذه الرحلة التقت به سريعاً لأهديه بعض الكتب وطلبت منه أن يزورني في بيت داوود وقد فعل في اليوم قبل الأخير، اليوم المخصص للراحة، جاء في الصباح الباكر بعد صلاة الفجر فجلسنا في الشرفة العلوية، تناولنا بعض الخبز والشاي وبدأ نقاشنا حول كل شيء، الكتب، السياسة في الهند، الكتب، الفضاء ونظرية التطور وعلاقة الصحة بعدد الأطفال في كل منزل، الكتب مرة أخرى ... كنا ننتقل من موضوع لآخر وبقينا هكذا حتى الساعة العاشرة صباحاً.

أهداني رواية A Passage to India ومجلة هندية تنشر باللغة الإنجليزية وطلبت منه مراسلتي مرة أخرى، ولم ألتقط له صورة لأنني أعرف أنه لا يحب الصور، واتفقنا أن الوقت لن يكون كافياً أبداً لأن النقاش لن ينتهي، كلانا نحب الكتب ولدينا اهتمامات واسعة وكل معلومة لدينا لها رابط أو روابط بمعلومات ومواضيع أخرى وبالتالي كل فكرة تجر أختها بلا نهاية.

شخص آخر تعرفت عليه في الرحلة الماضية وزرته في هذه الرحلة هو المصور الهندوسي وقد كتبت عنه في موضوع سابق، زرته في الاستدوديو الخاص به، كان سعيداً بالزيارة وحاول أن يكرر فعله بأن يقبل يده ويضعها على قدمي لكنني منعته وصافحته، كذكل فعل داوود، عرفني بولده وبنته وهؤلاء حاولوا فعل نفس الحركة لكن منعناهم، صافحناهم ثم اكتشفت أن أمهم موجودة في المحل خلف المكتب، ألقيت التحية، طلب مني المصور أن يلتقط صورة لي فوافقت، ثم أراني صورة أخرى من رحلة سابقة علقها على الجدار، شكرته ثم خرجنا، زيارة سريعة أسعدت الرجل وأتمنى أن تجعله يقترب من الهداية ولو خطوة، قلت لداوود أنني أدعوا الله أن يهدي الرجل وعائلته وعليهم الدعاء أيضاً ولتدعوا له أنتم كذلك.

5 تعليقات:

بسام حكار يقول...

أدعو الله ان يتعمد أباك برحته الواسعة، أدعو الله أن يهي الرجل الهندوسي وعائلته، أشكر على كل مجهود تبذله في كل مرة، هذا النوع من الكتابات يعجبني.

Eslam يقول...

بالنسبة للأكلة " الشعرية " موجودة في صعيد مصر لكن الجهاز المستخدم ابسط و اصغر من ذلك بكثير و كمية اللبن كبيرة ، تملأ الطبق بالكامل :) انا اعشقها مع السكر .

البحلقة : عادة مصرية ايضاً منتشرة عند الرجال و يستعملوها مع الجنس اللطيف و ايضاً الأجانب (أمريكان -ألمان ..الخ) السياح في مصر كما ذكرت بالأعلي شخصيات مقدسة، لكن الفرق انه يوجد بعض الحياء و التحديق يكون لثواني فقط ، نسأل الله الهداية.

ولكني كنت اريد ان اسأل هل هناك في الهند طرق سريعة و سيارات حديثة و ناطحات سحاب ، كما أني سمعت ان الهند هذه الفترة متقدمة في التكنولوجيا و يتميز ابنائها بالذكاء .

تدوينة أكثر من رائعة و في انتظار المزيد من الرحلات ، بس ياريت لو تاخدنا معاك :) ، تخيل لو سويت رحلة جماعية مع زوار المدونة بتكون روعة .

تقبل مروري :)

نوفه يقول...

الله يهديهم ويشرح صدرهم للإسلام

الهنود شعب طيب سافرت قبلًا لهم جدًا طيبين

لكني الآن فهمت تصرف البحلقة لاحظت هذا الفعل فيهم

لكني لم أتنبه له سوى من كلامك

شكرًا لك

عبدالله المهيري يقول...

@بسام حكار: بارك الله فيك، شكراً.

@إسلام: إذا زرتكم أريد تجربة الشعرية هذه :-)

أما الهند ففيها الطرق السريعة والسيارات الحديثة وناطحات السحاب وفيها برنامج فضاء ومبرمجي حاسوب ومهندسين وأطباء، أبنائها يتميزون بالذكاء فعلاً، لكن هذا لن تجده في كل الهند بل في بعض مدنها.

أتخيل رحلة جماعية وأظن أنها ستكون تجربة رائعة.

@نوفه: هو نوع من الفضول، يرون شيئاً جديداً لم يروه من قبل ولذلك يحدقون، وهم بالفعل شعب طيب.

L.G. يقول...

جميل .. كل ما كتبته جميل وأسلوب السرد جعلني وكأني أعرف الأشخاص وذهبت للأماكن وجعلتنا نعرف الهنود بشكل أفضل فإن الله خلقنا شعوبا وقبائل لنتعارف وكنت دليلنا للهند
بس المرة الجاية خدنا معاك :)
إذا أردت التعليق على كل ما أعجبني ولفت نظري ستكون تدوينة كاملة فرفقاً بكم آثرت الصمت