الاثنين، 15 فبراير 2010

الرحلة الهندية - 5

في صباح أول يوم في رحلتي للهند جاء ضيوف يزورون داوود في منزله فجلسنا خارج المنزل نشرب الشاي ويأتي الناس يسلمون على داوود وعليه ضيفه العربي - المخلوق الغريب - وكل واحد منهم لديه شيء يريده، هذا يريد منا زيارة منزله وذاك يريد أن نزور منطقته لنرى المسجد وكيف أنهم بحاجة لتوسعة، ثالث جاء مع مظروف كبير وأخرج منه ما يشبه الإعلانات التي تعلق على الجدران، يقول الإعلان أن العالم الفلاني الكبير سيأتي من كيرلا وسيلقي محاضرة في يوم ما، يسمون اليوم "ذكر" وهو في الحقيقة محاضرة والهدف هو حث الناس على التبرع لبناء مسجد أو توسعة آخر، وفي الإعلان ذكر أن هناك ضيوف سيأتون منهم داوود وأنا.

سبق أن حدثني داوود عن الموضوع في أبوظبي وكنت رافضاً للأمر، هم يريدون التفرج على هذا العربي والتبرك بقدومه وأنا أشعر بأن ذهابي لهناك غير ضروري فلن أقوم بعمل مفيد، الشيء الوحيد الذي يريدونه هو أن أجلس أمام الناس ويقولون "انظروا هذا عربي بيننا" أشعر بأنني سأكون مجرد دمية يتفرجون عليها، رفضت مرة ومرتين وثلاث ثم وافقت لنصف ساعة وليتني لم أفعل.

في اليوم المحدد وبعد صلاة العشاء انطلقنا لمكان "الذكر" وهو لا يبعد عنا إلا مسافة عشر دقائق بالسيارة، ما إن وصلنا للمكان حتى عرفت كم سأندم على حضوري، يا إلهي ماذا فعلت بنفسي؟ لماذا علي أن أوقع نفسي في هذا الاحراج؟ صوت العالم الكبير يخرج مدوياً من سماعات كبيرة، الرجال يجلسون على كراسي البلاستك الموزعة في ساحة المسجد، قدرت عددهم بألفي رجل وكان تقديري قريباً من العدد الفعلي وللنساء مكان مخصص وعددهن وصل لأكثر من ألف.



جاءت لجنة استقبال وتتكون من أحد الأئمة الذي لبس عمامة صغيرة لفها بأناقة على رأسه ويلبس ثياباً بيضاء ويبدو شاباً لا يكبرني بأكثر من ثلاث أو أربع سنوات، معه فريقان من الأطفال وقفوا على شكل سطرين، أوقفني وداوود في المنتصف، الأطفال يحملون دفوفاً صغيرة ويلبسون العمامات البيضاء وثياباً بيضاء، وأنا أحاول التهرب من هذا الموقف بالحديث مع داوود الذي لم يرى مشكلة في أي شيء نراه، كنت أريد أن تبتلعني الأرض في هذه اللحظة أعرف ما الذي سيأتي ولا أريد أن أبقى لحظة هناك.

الإمام تأكد أن الكل جاهز ثم أعطى إشارة البدء، رفع الأطفال دفوفهم وهزوها بطريقة عجيبة وضربوا عليها لحناً بطيئاً معروفاً، الإمام رفع رأسه وبدأ في الغناء "طلع البدر علينا" وأنا أريد حقاً أن تبتلعني الأرض أو أختفي من على وجه الأرض بأي طريقة، أشعر بالإحراج الآن وأنا أكتب هذه الكلمات، كنت أريد تقليد عادل إمام عندما قال حكمته الشهيرة "يا خرابي!" لكن بلا فائدة، المفاجأة كانت من العيار الثقيل جداً ووجهي يكاد يشوي نفسه من الحرارة، لم أمشي مع ضاربي الدفوف والتفت لداوود للمرة الألف أريده أن ينقذني وداوود يكتفي بالابتسامة دون فعل شيء فهو أيضاً يعيش نفس الموقف.

الإمام غضب وأمسكني من يدي يجرني بعنف وهو يكمل الغناء، غريب أن ترى وجه الرجل غاضباً وهو يغني "من ثنيات الوداع، وجب الشكر ..." لم يكمل لأن الخطيب طلب منه أن يهدأ، "أوف، الحمدلله" انتهى الاحراج والآن مرحلة أخرى مختلفة من المجاملات الاجتماعية التي أمقتها، دخلنا والخطيب يسأل هل هذا عربي واحد أم اثنان؟ داوود يلبس ثوباً كالذي نلبسه في الإمارات فظنوه عربي مثلي، ثم بدأ الإمام في التكبير والحمد لأن عربياً بينهم، الإحراج ذهب وجاء الغضب.

لماذا يبالغون في التحية والسلام والانحناء ورسم الابتسامات؟ أقدر ذلك لكنني أرى أنني لا أستحق كل هذا وكوني عربي لا يجعلني أفضل منهم والأفضلية في ديننا أساسها التقوى لا كون المرء عربياً أو غير ذلك، غضبي ازداد إلى حد لا يمكنني وصفه عندما جاء رجل ومد يده يسلم فسلمت فجرها وقبلها، أخذت يدي ونهرته فابتعد مبتسماً، لا أحب المديح بكل أشكاله وأستعيذ بالله منه فلا يدري أحدنا متى يدخل الكبر قلبه ويعجب بنفسه ويبدأ في الحديث عن الأنا، أنا فعلت وأنا فعلت.

التقدير والاحترام شيء وأن يرى الإنسان أنه أقل من الآخرين شيء آخر، منذ صغري وأنا لدي فكرة مجنونة - في هذا الزمن على الأقل - تقول بأن الناس كلهم سواء وكلهم يستحق التعامل باحترام وتقدير إلا إن فعلوا ما يجعلهم يستحقون غير ذلك، ولا فرق لدي بين الفراش وأكبر رأس في البلد بل أتواضع للفراش أكثر لأنني أجد البركة بين البسطاء والمساكين من الناس، ومن المفترض ألا يرى الفراش أو المسكين نفسه أقل من الآخرين لقلة ماله أو لتواضع مكانته في المجتمع ومن المفترض ألا يراه الآخرون بنظرة دونية، لكن هذه مثالية في عالمنا اليوم لأننا نعيش في زمن يرى فيه بعض الناس أنه من الوقاحة أن أقول ما قلت وأن ألمح إلى أن الناس متساوون فكيف يستوي علية القوم مع من دونهم؟

بقينا لنصف ساعة كما وعد داوود ونزلنا من المنصة وأذناي تريدان التبرأ مني بعد أن وقفتا أمام سماعات تصرخ في وجوهنا مع كل كلمة يقولها العالم الخطيب، والخطبة لديهم ليست كالخطب التي نعرفها، العالم لم يكن يتكلم بقدر ما كان يغني، يسرع في نطق الكلمات في أول الجملة ثم يمد آخر جملة كأنه يؤذن، أخي مرشد يعرف جيداً كيف يقلد هذا الأسلوب ويستخدمه في الوقت غير المناسب دائماً.

الرجل الذي حج ولم يحج
إحدى القصص المحزنة التي سمعتها هناك قصة رجل ذهب عقله لشدة رغبته في الذهاب إلى أرض الحرم، يشتاق لرؤية الكعبة وزيارة المدينة وفي كل عام يقول للناس أنه سيذهب إلى هناك لكن الفرصة لا تأتي أبداً وقد لا تأتي لأنه رجل فقير والحج يكلف الكثير، بدأ يحمل صورة للكعبة معه ويريها الناس ويخبرهم أنه سيذهب، ثم تغير شيء ما فيه جعله يصدق نفسه أنه ذهب فأصبح يخبر الناس أن ذهب وطاف ورأى وفعل وهو لم يفارق المكان الذي ولد فيه.

شريط يومي مسموع
قصة أخرى لكنها مضحكة، أخبرني داوود عن رجل هناك يعمل في التجارة والأعمال وله اتصالات كثيرة بالآخرين، عندما ينام الرجل يفعل شيئاً عجيباً، فهو يكرر اليوم الذي مر به بشكل صوتي، بمعنى أنه يعيد تسجيلاً صوتياً ليومه، فلنتصور مثلاً أنه في ذلك اليوم اتصل بفلان ثم خرج من المؤسسة وقاد السيارة وذهب إلى بيت فلان وضغط الجرس، ما سيفعله الرجل أثناء نومه هو تكرار صوتي لليوم، سيعيد المكالمة ثم سيقلد صوت السيارة ثم يقلد صوت الجرس "دينغ دونغ" ثم سيكرر حواره مع فلان، يفعل هذا في كل ليلة! ولا يحاول أي شخص إيقاظه لأنهم جربوا ذلك من قبل ولم يجدوا سوى صفعات على وجوههم يعود بعدها الرجل لنومه وإكمال شريطه الصوتي.

15 تعليقات:

Grnas يقول...

مت من الضحك

لكن فكرت ماذا سوف أفعل لو وضعت في هذا الموقف.. أدعي بالمرض؟
شكراً على التقرير الجميل

غير معرف يقول...

احببتهم و أنا لم ارهم
لو كنت مقتدراً لتكلفت بحجة ذلك الرجل
ترى هل تظن ان هناك عوائق اخرى غير المال ؟

قلم الجاحظ يقول...

و اضح من الصورة أنك في غاية الحرج .. تكبر و تنساها (:

تألمت على هذا الرجل الذي فقد عقله بسبب الحج .. الحمد لله على نعمة الحج و العقل و النعم الأخرى ..

عبدالله المهيري يقول...

جرناس: جميل، هذا ما أردته من الموضوع، أن أرسم ابتسامة ولو كانت صغيرة :-)

@غير معرف: يبقى عائق تأشيرة الحج، هذا يعتمد على العدد الذي تخصصه المملكة للحجاج القادمين من كل بلد، لكنه ليس بالعائق الكبير.

@قلم الجاحظ: لا أظن أنني سأنسى، مضت سنوات منذ حادث محرج أمام امرأة وأبنائها ولا زلت حتى اليوم أتذكره وأشعر بالحرج، وبالفعل قصة الرجل صعبة فلنحمد الله على نعمه، لن ندركها حتى نرى حال غيرنا.

حُسام عادل يقول...

فعلاً موقف مُحرج جداً
لا أتخيل وجهي حتي ولو بعد 20 سنة ورجل ينحني ليقبل يدي .. لا أستطيع أن أحتمل ذلك صراحة
كان الله في عونك أستاذ عبد الله

أضحكني أيضاً موقف رجل التكرار .. لكن فيه سؤال ، ماذا علي النسيان ؟ هل هذا الشخص بعيد كل البعد عن مرض النيان :) ؟

a.magdy يقول...

عذرا لكنني لم أفهم لماذا يفرح الهنود بهذه الطريقة لوجود عربي؟

عبدالله المهيري يقول...

@حسام عادل: يضيق صدري بهذه الأمور إلى حد لا يمكن تصوره، أما الرجل ففي الغالب هو طبيعي مثل بقية الناس إلا في نومه.

@a.magdy: لا حاجة لعذراً وسؤالك وجيه وقد طرحته على داوود، هؤلاء الناس مساكين ولا يعرفون الدنيا خارج قراهم ومدنهم، يرون العربي حفيداً للصحابة ويظنون أن العرب اليوم لا يختلفون عن عرب الأمس من ناحية التقوى والتمسك بالدين، وفي ثقافتهم تكريم العربي هو مفخرة لهم وزيارة العربي لهم شيء سيذكرونه طوال حياتهم فالعربي يربطهم بأرض الحجاز ... هذا ما يتصورونه، بالطبع نحن نعرف حال العرب ولذلك كنت أستاء من المبالغة في التكريم والاحتفاء.

وضّاح يقول...

موقف صعب فعلاً, لكنه أعجبني :)

بعيدًا عن هذا, فقد قرأت كل تدويناتك عن الهند, وقد استمعت جدًا, وكان الرابط بينها جميعًا ما ذكرته في تدوينتك هذه, من حيث تعظيمهم للعربي.

وهذا ينبئ عن تقصيرنا نحن - المسلمين العرب - في إيصال الإسلام بمفهومه الصحيح إلى مثل هذه الدول.

مختار الجندي يقول...

خواطر جميلة رسمت علي شفتي بسمة كنت أحتاجها، أما عن الرجل الذي حج لم يحج فإذا صدق نيته فسيكتب الله له حجة كاملة، وليري الأغنياء وأهل مكة المكرمة ما هم فيه من نعمة ليحمدوا الله عليها .

بخصوص تكريم العربي، فأنا من صعيد مصر وكذلك في بلادي هناك حفاوة وتقدير بالغ يصل أحيانا الي المبالغة السيئة بالعرب الأشراف ( وهم الذين من نسل رسول الله صلي الله عليه وسلم ) سواء كان هؤلاء الأشراف من العرب الذين فتحوا مصر واستقروا بها أو أي زائر عربي لنا في الصعيد، والأشراف أراهم الغالبية ببلدنا فأصل أغلب عائلاتنا من الحجاز وأحمد الله أني من هذا النسل المبارك ولكن أعيب جدا التفريق المبالغ فيه عندنا للأشراف عن من دونهم من العرب أو الذين اسلموا بعد الفتح الاسلامي ، وكما يقول صلي الله عليه وسلم " لا فضل لعربي علي أعجمي الا بالتقوي "

reem elshoq يقول...

أخذتني كلماتكـ إلى ذات المكان
أضحكتني قصة الرجل الاخيره مع التسجيل..!
ربما لديه مواهب في التقليد او التدوين و لم يجد سوى هذه الطريقه البدائية

بو خليل يقول...

عشت وعاشت أيامك يا عبدالله ...


لكن قصة ( طلع البدر علينا )
أخذتني الى عالم عجيب من الخيال ..


تمنايتي لك برحلات موفقة دوما

مبارك محمد المهيري يقول...

بارك الله فيك أخي عبدالله.
لعلك تورطت في وسط (الطُرُقية)!
وأسأل الله تبارك وتعالى أن لا أشاهدك في يوم من الأيام تضرب الطار :)

د محسن النادي يقول...

ذكرتني ب 17 عاما مضت على تخرجي من الهند
اذا هي هي لم تتغير الامور
سبحان الله
ننتظر البقيه
ودمتم سالمين

malotaibi يقول...

اضحكتني كثيرا اخي عبدالله في هذه التدوينه.
وموقف لاتحسد عليه.

والمحزن هو لهفه المسلمين في انحاء العالم للتواصل مع العرب والتقرب منهم ونحن العرب لهفتنا التقرب من الغرب بتقليدهم في كل صغيره وكبيره.
فياليتنا وان قصرنا في الدعم المادي لانعجز عن التواصل معهم وتوضيح ما يخفى عليهم عن الاسلام ونؤدي رسالتنا كما هو مطلوب.

شكرا على هذا الاسلوب المميز الذي جعلني وكأني معك في الرحله.

وياترى الى اين ستكون رحلتك القادمة؟

محمد العتيبي

Sonnet يقول...

تأثرت بقصة الرجل الذي حج و لم يحج...
ما أجمل ان نرى الشعوب و القبائل المختلفة و نتعارف عليها
غنه حقا غسلام واحد و مسلمون عدة
http://shayunbiqalbi.blogspot.com/2010/02/blog-post_25.html