الجمعة، 8 أغسطس، 2014

قائمة: لن أفعلها!

في السنوات الماضية كتبت عن التبسيط بجوانبه المختلفة، عن تقليل الممتلكات إلى حدها الأدنى لتوفير الوقت ومال وراحة البال، وعن التنظيم والتنظيف كذلك، هذه أمور مهمة بلا شك لكن بعد أن تنجز تبسيط البيئة من حولك ما الذي يمكنك أن تفعله بعدها؟ هناك جانب أهم يحتاج لتبسيط أيضاً وهو وقتك وكيف تقضيه.

كتب ومواقع تنظيم الوقت تتحدث عن وسائل تساعدك على تنظيم حياتك، لكن هناك مشكلة في كلمة "تنظيم" لأنها لا تتعامل مع أصل المشكلة بل تحاول التعايش معها.

في الثقافة الاستهلاكية العالمية هناك فكرة بأن الناس يمكن تقسيمهم إلى قسمين: أناس منظمون وأناس فوضويون.

المنظمون لديهم كثير من الأشياء لكنها مخزنة في نظام وترتيب أو معروضة بأناقة ليراها الجميع، أوراقهم في ملفات مرتبة بطريقة ما وأشيائهم الكثيرة مرتبة في صناديق عليها ملصقات توضح محتوياتها، ومكتباتهم فيها الكثير من الكتب مرتبة ربما حسب اللون لكي تعطي صورة رائعة أو حسب المواضيع، لديهم أدوات لترتيب كل شيء فيكون منظر منازلهم ومكاتبهم عجيباً وجميلاً ويشرح الصدر، سيعجبك أن تفعل مثلهم، وربما أنت تبحث عن صورهم في الشبكة لترى كيف نظموا الأشياء فتفعل مثلهم.

الفوضوين يعيشون في واقع آخر، أشيائهم ليست مرتبة، أوراقهم مبعثرة في كل مكان، قد يجمعون الأشياء لحد مرضي، قد تضيع أشيائهم بين المخازن والصناديق ومئات المحاولات لتنظيم ما لا يمكن تنظيمه، تضيع أموالهم في إعادة شراء أشياء يمتلكونها لأنهم نسوا أنهم يملكونها فهي ضائعة في مكان ما قد لا يبعد عنهم سوى أمتار في المسافة لكن البحث عنه قد يأخذ وقتاً أكثر من وقت شراء واحد جديد، أموالهم وأوقاتهم تضيع وفوق ذلك عقولهم متعبة ومع ذلك ... ومع ذلك بعضهم لن يعترف بأن الفوضى تتعبهم، بعضهم سيذهب لأبعد من ذلك ليقول لك: الإبداع يحتاج للفوضى، المبدعون فوضوين، أنا أستطيع التعايش مع الفوضى ... إلى آخر هذه المبررات.

الإعلام وكثير من الكتب والمقالات تتحدث عن هذا الواقع وعن المقارنة بين التنظيم والفوضى دون أن تتحدث عن أن الصورتين هنا وجهان لعملة واحدة؛ وهي اقتصاد وثقافة الاستهلاك، كلاهما يشتري أكثر من حاجته وكلاهما يرضيان العيش في اقتصاد، الكتب والمواقع لا تتحدث عن أن شراء الكثير وامتلاك الكثير مشكلة في حد ذاته بل تحاول تقديم حل للمشكلة دون حتى أن تعترف بوجودها، هم يظنون أن المشكلة هي الفوضى والحل هو التنظيم، في حين أن المشكلة هو امتلاك الكثير والحل هو الاقتصاد والتبسيط.

ما علاقة كل هذا بقائمة "لن أفعلها" في العنوان؟ أحضر قلماً وبضع أوراق، لدينا تمرين عملي.

قائمة لن أفعلها

في البداية أنا جاد جداً هنا، أحضر قلماً وأوراق، وإن لم يكن لديك قلم وأوراق فاستعر من أقرب شخص، لا تستخدم الحاسوب لأداء هذا التمرين، أريدك أن تحرك يدك وتكتب بقلم وتقرأ ما تكتبه بصوت خفيف، جرب فقط وأخبرني إن كانت التجربة سلبية أم إيجابية.

اكتب في أعلى ورقة "قائمة لن أفعلها" كما تكتب أحياناً "قائمة الأعمال" أو ما يسمى بالإنجليزية: To-do list.

لا تخف، لن أطلب منك أن تفعل شيئاً أكثر من كتابة القائمة، بعد ذلك أنت حر في فعل ما تشاء، في الحقيقة أنت حر في كل شيء آخر لكن أفترض أنك إن وصلت لهذه النقطة فأنت تريد حقاً أن تتابع المقال ... شكراً! ولنكمل.

الآن فكر جيداً في كل أعمالك وفي كل ما تفعله وفي كل صغيرة وكبيرة، حاول تذكر الأمس وما فعلت فيه بكل تفاصيله وتذكر ما قبل الأمس وقبل شهر أو شهرين، حاول تذكر كل هذا، لا تكتب شيئاً، فقط فكر وحلل كل شيء، هل كنت بحاجة حقاً لفعل هذا الشيء أو ذاك؟ هل كنت بحاجة لأن تشتري ذلك الشيء؟ أو تأكل هذا وذاك؟ أو تقضي ٥ ساعات في شيء مسل لكنه بلا فائدة؟ فكر في كل شيء.

إن كنت صريحاً مع نفسك ستجد أن هناك أمور كثيرة يفترض ألا تفعلها لأنها تضيع الوقت والمال والانتباه وتشتت حياتك في اتجاهات مختلفة وبالتالي عليك أن تتوقف عن فعلها ومع ذلك لم تفعل، لا شك لدي أن هناك بعض الناس يدركون ذلك جيداً، محاولات كثيرة للتوقف عن أمور مختلفة يرونها مضرة أو مضيعة للوقت ومع ذلك لم يتغير شيء فيهم يجعلهم يتوقفون جدياً، ولن أدعي أن كتابة القائمة ستجعلهم يتوقفون، لكن أكمل معي واصبر.

اكتب في القائمة أموراً كثيرة ينبغي التوقف عن فعلها وهذه أمثلة:

التسلية: لا شك أن كل إنسان بحاجة لشيء من التسلية، لكن هناك فرق بين مشاهدة التلفاز لنصف ساعة ومشاهدته ٥ ساعات كل يوم، نصف ساعة تعني في الأسبوع ٣ ساعات ونصف أما ٥ ساعات فتعني ٣٥ ساعة في الأسبوع، فكر في كل ما تفعله من أشياء للتسلية، التلفاز، الهاتف، ألعاب الفيديو، جلسات اجتماعية مع الاصدقاء تدوم لساعات كل يوم وغير ذلك، وفكر جيداً: هل أنت بحاجة لكل هذا؟ هل يمكنك تقليص الوقت الذي تقضيه في هذه الأشياء أو حتى إلغاء بعض هذه الأشياء؟ مثلاً شخصياً ألغيت التلفاز من حياتي وهو أحد أفضل الأشياء التي فعلتها، كذلك لا أشاهد كثيراً من مقاطع الفيديو في يوتيوب مثلاً، ما أشاهده غالباً يكون شيئاً متعلقاً بالأمور التي أهتم بها، التقنية، البيئة، التعليم وغير ذلك، وبين حين وآخر أشاهد مقاطع صغيرة للتسلية، لن أخفي حقيقة أنني أحب رؤية مقاطع مسلية للأغنام! نعم الأغنام! ما الغريب في ذلك؟ أجدها مضحكة جداً.

الطعام: كلنا نهتم بصحتنا أو ندعي ذلك، ما الذي تأكله ويفترض بك أن تتجنبه؟ الصحون التي تطفح بالأرز واللحم ليست طعاماً صحياً، كثير من أكل المطاعم غير صحي لأنه متخم بالسكر أو الملح والزيوت، نعلم أن علينا زيادة جرعة الخضروات والفواكه وتقليل كميات اللحوم ومنتجات الألبان والخبز والأرز ومع ذلك نقبل على ما هو غير صحي ونتجنب الصحي، ضع في القائمة الأشياء التي ينبغي أن تتجنبها أو تخفف منها.

العلم! أعلم أن البعض قد يستغرب هذه النقطة، لكن ربما لو سميتها "الفضول" فلن تشد انتباه أحد، شخصياً أعاني كثيراً من رغبتي في تعلم وفعل كل شيء، ومع أنني أدركت أن هذا مضيع للوقت منذ سنوات إلا أنني لم أفعل شيئاً إلا مؤخراً وما زلت أجد صعوبة في التوقف عن تشتيت انتباهي في اتجاهات عدة وكل هذا بدعوى الفضول ومحاولة تعلم كل شيء وبعذر "كل العلم مفيد" وأعذار أخرى.

فكر بالأمر ما الذي يمكنك التوقف عن تعلمه أو متابعته ولن يضرك فعل ذلك؟ وأعني بالضرر هنا شيء فعلي، كأن تكون مثلاً مهندساً وتتوقف عن قراءة كتب الهندسة وبالتالي تصبح متأخراً في مجال تخصصك ويتأثر عملك، لكن إن كنت مهندساً وتقرأ عن شيء لا علاقة له بالهندسة وفي نفس الوقت لا يقدم لك فائدة أو تسلية فلم تتابع أو تقرأ؟

شخصياً كنت أتابع مواقع التصوير الفوتوغرافي إلى وقت قريب، أهتم بالتصوير وأمارسه بين حين وآخر لكن متابعتي لهذه المواقع لا تفيدني كثيراً في تحسين صوري لأنني لا أزورها لهذا الغرض بل أتابعها لأنني أقنعت نفسي بأنني أحتاج لذلك، لكن في الحقيقة لو توقفت فلن أخسر شيئاً، دروس التصوير كثيرة ومتوفرة في وسائل مختلفة، مواقع التصوير تحولت كثير منها إلى مواقع لأدوات التصوير وهذا فرق كبير.

فكر بكل شيء تفعله بدعوى أنه يفيدك، كقراءة كتب أو متابعة مواقع أو متابعة برنامج في التلفاز، هل يمكنك التخلص من بعضها دون أن تؤثر عليك سلباً؟ لا أدعوك للتوقف كلياً عن تسلية نفسك، أنا لا أدعوك للذهاب من تطرف إلى آخر، وازن وأنت أعلم بنفسك.

العلاقات: هنا قد يصح أن أقول "فاقد الشيء لا يعطيه" لأنني آخر من يتكلم عن موضوع العلاقات هذا، لذلك أختصر: بعض الصداقات لا يجب أن تستمر إلى آخر العمر، التواصل الاجتماعي بين حين وآخر ضروري، قضاء ساعات في المجالس وفي غيبة ونميمة وثرثرة حول الآخرين ليس تواصلاً اجتماعياً يفيدك أو يفيد المجتمع، وحتى لو جلست في مجلس لا يغتاب فيه أحد وتقضي وقتك في نقاش مسل وربما مشاهدة مباريات كرة القدم فلن تزول حقيقة أنك ربما تقضي وقتاً أكثر من اللازم في فعل ذلك، والأمر لا يتعلق بالمجالس بل بكل نوع من التواصل الاجتماعي، فكر بما يمكنك أن تقطعه من علاقات وما تستطيع أن توفره من وقت في بعض العلاقات، ليست كل العلاقات في نفس المستوى من الأهمية.

مشاريع: هنا قد يصح أن أقول "أنا ومن بعدي الطوفان!" وإن كنت حقيقة لا أفهم ما الذي تعنيه هذه الجملة، كم من المشاريع والأفكار بدأتها وأعلنت عنها في هذه المدونة ثم لم أكملها ولا زالت معلقة في مكان ما من حاسوبي أو دفاتري، عذري بأنها مهمة وضرورية ومفيدة ولذلك لم أحذفها، في حين أن علي التفكير جدياً في عدم البدء في أي مشروع دون أن أكون جاداً ١٠٠٪ في إنجازه ودون أن أكون متأكداً من فائدته.

أنت كذلك عليك أن تفكر في الأمور التي بدأتها ولم تنجزها، من المشاريع الشخصية إلى المشاريع غير الشخصية، هل بدأت مثلاً في مشروع صغير لصنع شيء ما يدوياً ثم توقفت في منتصفه أو قبل ذلك؟ هل بدأت مثلاً تبرمج شيئاً ما ثم توقفت عند مواجهتك لأول صعوبة؟ يبدو أنني أتحدث عن نفسي هنا! هل أخبرت أحداً أنك ستبدأ في شيء ما ثم لم تبدأ وإن كنت قد خططت له وبحثت فيه جيداً؟ أياً كانت مشاريعك الصغيرة والكبيرة، عليك أن تدرك بأن ما لديك من وقت وانتباه لا يمكن توزيعه على العشرات من هذه المشاريع، فاكتب في القائمة كل مشروع بدأته أو لم تبدأه وقررت عدم فعله، سيبقى لديك القليل من المشاريع التي تستحق حقاً أن تنجزها.

لاحظ أنك غير مسؤول عن إصلاح الدنيا، إن كنت شغوفاً  بالهندسة المعمارية مثلاً ولديك اهتمام كبير في بناء بيوت رخيصة لذوي الدخل المحدود فمسؤوليتك أن تفكر في ما تستطيع أن تفعله وتنجزه، إرسال أول عربي إلى الفضاء مع صحن من الكنافة ليس مشكلتك! مصيبة تحدث في مكان ما ولا تستطيع فعل شيء للمساهمة في حلها ليست مشكلتك أيضاً ولا أعني أن عليك ألا تكترث لمصائب الناس، بل اهتم وتابع لكن ليس على حساب ما يمكنك إنجازه، لا تفكر بما يمكنك فعله الآن لأنك في الغالب لا تستطيع فعل شيء، بل فكر في المستقبل، الأمثلة كثيرة لأناس قضوا حياتهم في أمور تبدو بسيطة إلا أن تأثيرها وصلنا اليوم وبحجم كبير، فلا تستصغر ما يمكنك فعله.

اكتب في القائمة عن كل شيء يفترض ألا تفعله أو تقلص من الوقت الذي تقضيه في فعله، لا تترك شيئاً صغيراً أو كبيراً، واكتب عن أي شيء لم أتحدث عنه هنا، المهم خصص وقتاً لكتابة القائمة وليكن هذا الوقت الآن وأنت تقرأ هذا الموضوع، وربما ستحتاج لترك القائمة لبضع أيام ثم تعود لها لتضيف بعض النقاط الجديدة، أياً كان الأمر، اكتب القائمة حتى تصل إلى نقطة تظن أنك كتبت كل شيء يستحق أن يكتب.

ماذا بعد ذلك؟ لا شيء، انتهى التمرين، هذا كل شيء.

2 تعليقات:

Moawiya Abdalhadi يقول...

عزيزى عبدالله, مقالاتك تعنى لنا الكثير أرجو أن لا تطيل الغياب عنا.

سودانى,,,,

عبدالله المهيري يقول...

@سوداني: حياك الله وشكراً على الكلمات الطيبة، لتعذرني أخي، مشغول هذه الأيام بأمور أخرى، سأعود للكتابة قريباً.

إرسال تعليق

ملحوظة: يمكن لأعضاء المدونة فقط إرسال تعليق.