الأربعاء، 30 يوليو، 2014

نقطتان: جهل وكراهية

ما يحدث في غزة هو نتيجة تاريخ عمره أكثر من ١٠٠ عام، عندما أرى نقاشات الإنترنت حول ما يحدث اليوم في غزة أجدهم يرددون أن حماس تقذف الصواريخ وعليها أن تتوقف، ثم يرد عليهم آخرون بأن العدو الصهيوني هو السبب في ذلك لأنه حاصر وظلم وسرق وقتل وتجبر وهم فقط يحصدون نتيجة أفعالهم، وتبقى دائرة النقاش هكذا في مكانها في كل مرة تقصف غزة.

لكن الأمر يتغير بسبب الإعلام الجديد، بسبب ناشطين على الشبكة تغير وعي جمهور كبير من الناس وبدأوا يدركون الواقع بشكل مختلف، بل بدأ البعض يصرحون صراحة أنهم ضد العدو الصهيوني وينعتون ما تفعله آلة هذا العدو بالمجزرة والجريمة وجريمة الحرب وهذا تغيير إيجابي، العدو الصهيوني لديه آلة حربية متقدمة ودعم مالي كبير من الأمريكان لكنهم خسروا الحرب الإعلامية وربما هذا يحدث لأول مرة، الناس أصبحوا على وعي بما تفعله وفعلته وسائل الإعلام التقليدية في الماضي من طمس الحقائق وإظهار جانب واحد من القضية.

لن أطيل الموضوع هنا، لدي نقطتان أود أن أتحدث عنهما، الأولى هي الجهل بالتاريخ، قرأت نقاشاً قبل فترة لتعليقات في الشبكة حول موضوع المسلمين والإرهاب، شخص ما علق بما معناه أن "المسلمون بدأوا الأمر في ١١ سبتمبر" ولاحظ أنه عمم على المسلمين كلهم، كأن أكثر من مليار شخص شاركوا في أحداث ١١ سبتمبر ٢٠٠١! فجاء تعليق يرد عليه قائلاً: "التاريخ لا يبدأ في ١١ سبتمبر ٢٠٠١".

جملة قصيرة لكنها متخمة بالحكمة، لأن من الواجب علينا أن نعيد النقاش إلى أصله التاريخي، الموضوع ليس حماس التي أطلقت الصواريخ والعدو الصهيوني الذي يرد ويمارس "حقه في الدفاع عن نفسه" بل هو أقدم من ذلك وأكبر، شخصياً أرى أن تلك الدولة التي يسمونها إسرائيل بنيت على باطل ولذلك فهي باطل يجب أن يزول من الوجود، الأرض يحكمها أهلها لا الغرباء، النقاش يجب يعود لهذه النقطة مرة بعد مرة.


لأنها دولة بنيت على باطل من الأساس فوجودها وأفعالها باطلة وظلم وهم خبراء ومحترفون في ممارسة أنواع من الظلم، يمكن لأي شخص أن يبحث عن خط تاريخي لمذابح الصهاينة وتهجيرهم لأهل البلاد من بيوتهم ومدنهم وقراهم، وهناك باحثون جمعوا كل هذه البيانات ورسموها خرائط مختلفة وجداول طويلة، الحقائق متوفرة لمن يريد أن يبحث عنها.

لذلك المصيبة اليوم أن هناك جهلة من بيننا يبنون آرائهم على جهل فيتكلمون في دعم الظالم على المظلوم ظناً منهم أنهم يقفون مع الحق، هذا إن أحسنا الظن بهم وسأحسن الظن ببعضهم، لكن لدينا مجموعة أخرى من الناس يتبعون مبدأ "عدو عدوي = صديقي" وهو متطرف في عداوته لدرجة تجعله يعترف أنه يقف مع العدو الصهيوني ضد حماس، لا يهمه أن صديقه الجديد يمارس القتل والظلم على أكثر من مليون شخص محاصرين في منطقة ضيقة، هذا لا يهمه.

هذا نوع من التشدد والإرهاب الفكري، الإرهاب لا تحتكره جماعات محددة بل يمارسه أناس يعيشون بيننا يظنون أنهم "معتدلون" ولطفاء وعلى حق مع ذلك يتفوهون بالباطل ولا تتحرك قلوبهم لمئات الصور التي تنشر يومياً، هؤلاء الحمقى يحتاجون لدروس في التاريخ لكنني على يقين أن بعضهم لن يغيره المنطق ولا الأدب، لذلك أسأل الله أن يحشرهم مع أصدقائهم الجدد.

النقطة الثانية، في دولة العدو الصهيوني هناك أناس يريدون السلام حقاً، بعضهم نشر مقاطع فيديو يعلنون فيها عن أسفهم ورفضهم لما تفعله حكومتهم، المشكلة أن هؤلاء ليس لديهم القوة لتغيير شيء فهم يقفون ضد تيار من الكراهية له جذور تعود لأكثر من ١٠٠ عام، يمكنك البحث تصريحات بعض المسؤولين والصحفيين والقيادات الدينية في دولة العدو الصهيوني وستجد الكثير.

ببساطة هؤلاء لا ينظرون إلينا نظرة الإنسان للإنسان، بل يعتبرون العرب مخلوقات لا تستحق الحياة، حيوانات أو أدنى من ذلك، ألغوا إنسانية العرب وصوروهم على أنهم العدو الذي يجب التخلص منه، عنصريتهم تفوح منهم ومن كلماتهم وأفعالهم، لذلك لا غرابة أنهم لا يهتمون حقاً بما يحدث في غزة أو غيرها، لو كان باستطاعتهم مسح غزة من الوجود لفعلوا ذلك دون تردد.

إن كان هناك من يريد السلام في دولة العدو الصهيوني فعليهم الوقوف ضد تيار الكراهية ونزعه من جذوره، لكن الأمل في فعل ذلك ضعيف لأنه تيار قوي متجذر.

سوريا، العراق، فلسطين، مسلمي تركستان في الصين، الروهينجا في مينمار وغيرهم، لا تنسوى هؤلاء من دعائكم.

4 تعليقات:

أبومعاذ عبدالرحمن المسيعد يقول...

لقد أثلجت صدري بكتابتك في هذا الموضوع، لأنني كنت ولا أزال أراك شخصية نموذجية للمسلم المثقف الواعي، إلا أنك تتجنب الخوض في هموم الأمة، وأعتبرها نقطة سوداء في تكوينك الشخصي، أو انفصال شعوري بسبب اليأس، ولا ألومك على ذلك لأن الواقع فيه من القسوة والألم والخيانة ما يكفي لليأس وزيادة.

ولكن كأنني فهمت في فكرتك تناقضا وأرجو أن توضحه أكثر: تقول إن ما بني على باطل فهو باطل، ثم تنوه باليهود الذين يريدون السلام حقا.. أليسو هم وسلامهم الذي يريدونه من الباطل الذي بني على باطل؟ ولكي تتسق فكرتك ينبغي أن يقال: نقدر شعورهم ولكن عليهم إن أرادوا السلام أن يعودوا إلى بلادهم التي هاجروا منها. يجب أن تبدأ عملية السلام مما كانت عليه الأمور قبل سنة 48.

شاكر لك ومقدر وأقدم اعتذاري سلفا إن كان فهمي لما كتبته خاطئا.

عبدالله المهيري يقول...

@أبو معاذ: لست يائساً، كل ما في الأمر أنني لا أرى فائدة من الكتابة عن أحداث اليوم وعن السياسة بشكل عام، وقد كتبت مرات عدة سابقاً أنني أتجنب هذه المواضيع لأركز على ما أراه مهماً على المدى البعيد، لأننا الآن لا نستطيع فعل الكثير لكن على المدى البعيد لدي أمل في أن الوعي سيزداد ليصل بنا إلى مرحلة تكون فيها بعض الدول العربية قوية كفاية لتفرض أرادتها السياسية على العدو، ولذلك أساهم الآن بشيء من هذا الوعي الذي يجب أن يكون حول كل شيء، العلم بأنواعه ومجالاته قوة وهذا ما يمكنني فعله.

دولة العدو يجب أن تذهب وليس لدي أدنى تردد في ذلك، ماذا عن سكانها من اليهود؟ بعضهم ولد وعاش هناك وأجداده ولدوا هناك في فلسطين، هجرة اليهود إلى فلسطين بدأت قبل إنشاء الدولة الصهيونية، لذلك لا أنظر لهم نظرة واحدة وأقول أن الجميع عليه أن يرحل، الوضع المثالي سيكون عودة جميع اللاجئين إلى فلسطين ليحكموا البلد، وإذا حدث ذلك لا أود أن أرى مذبحة انتقامية ضد اليهود لا تفرق بين المجرم ومن أراد السلام، صلاح الدين رحمه الله كان مثالاً للتعامل مع الأعداء وما فعله مع الصليبيين هو ما أراه مناسباً، البعض سيبقى ويصبح مواطناً في الدولة الجديدة وبعضهم سيرحل ومن أجرم يحاكم ويعاقب بحسب جرمه.

أعلم أن رأيي هذا سيغضب البعض ممن يريدون حلولاً جذرية من نوع أبيض وأسود، بمعنى آخر ترحيل جميع اليهود.

أبومعاذ عبدالرحمن المسيعد يقول...

مهما كان رأيك فإنه بالتأكيد سيغضب (البعض)، هذه سنة الله في البشر. بارك الله فيك يا صديقي، وسعيد بطرحك الرائع.

مدير التحرير يقول...

المشكلة في هذه الحرب الاخيرة في بعض العرب الذين يقفون بكل صراحة مع الصهاينة ، بل و يقدمون لهم الدعم ، لم يؤثر بهم هذه العائلات التي اختفت من الوجود ، انفصال فكري عن الامة بشكل مريض

إرسال تعليق

ملحوظة: يمكن لأعضاء المدونة فقط إرسال تعليق.