الجمعة، 24 مايو، 2013

الحل: المدافع لقتل الذباب!

لا أفهم! هل هو أمر صعب أم أنه مستحيل؟ عندما يدور أحدنا في دائرة لا نهائية من جمع الأشياء وتنظيمها وترتيبها وحفظها ونقلها وتنظيفها فلن يكون الحل هو مزيد من التنظيم بل تراجع إلى الخلف خطوتان ثم تفكير بحجم المشكلة ثم التخلص من الزائد عن الحاجة لكي يبقى ما هو ضروري، عندها فقط يمكن أن نقول بأن التبسيط يلغي الحاجة للتنظيم.

أجد أن ما يمارسه كثير من الناس ليس أقل من جنون، ولا أعني أنهم مجانين لكنهم يضعون أنفسهم في أوضاع لا منطق لها وأنا أتحدث هنا عن أمور بسيطة متعلقة بالمنزل لكنها تؤثر على حياة الناس، إن كان البعض يشتكي من العمل الزائد في البيت وتنظيمه فلم لا يبحث عن أصل المشكلة والتي هي غالباً أنفسهم؟

أسر كثيرة تجمع الملابس وكلما زاد عدد الأطفال زادت الملابس وهذا يعني مزيد من الغسيل ونشره وكيه وطيه وترتيبه وتخزينه، أضف إلى ذلك ما يتعلق بالسرير من لحاف ومخدات وأغطية وغير ذلك، ملابس الرجال البيضاء وملابس النساء الملونة وكذلك العباءات السوداء، كل هذه تحتاج لتنظيف وتنظيم وتخزين ودائرة لا تنتهي من هذه الأعمال الصغيرة التي تلتهم الوقت والطاقة فلا يبقى للمرء شيء يفعله بقية اليوم سوى أن يتسكع في حارات الإنترنت وبلاكبيري والفضائيات.

البعض يرى أن المشكلة في عدم وجود تنظيم، ليس هناك نظام محدد للملابس أو حتى للمطبخ لذلك يبحثون عن وسائل للتنظيم، يتصفحون موقع إيكيا بحثاً عن خزانات تضم كل شيء وصناديق بلاستيكية لتنظيم الأشياء في الخزائن، ورفوف وصناديق لتنظيم أشياء كثيرة وصغيرة ولا مكان لها، وسلال وأكياس لتنظيم الغسيل والملابس وسلات مهملات .. للمهملات! وخزائن للمفاتيح وأخرى للأحذية ورفوف لتعليق بعض الملابس، هناك منتج ما لتنظيم كل شيء، الأوراق والملفات والأسلاك واللوازم المكتبية والقرطاسية وكل ما يتعلق بالمطبخ من أواني وصحون وكل شيء يتعلق بالملابس وكل ما يخطر أو لا يخطر على بالك.

الأمر وصل إلى أن يصبح التنظيم وظيفة بعض الناس، وأعني بذلك أن هناك محترفوا تنظيم، أناس تستأجر خدماتهم ليأتوا إلى مكتبك أو منزلك وينظموا لك المكان ويساعدونك على إنشاء نظام خاص للحفاظ على النظام! وتدفع لهم مقابل المشروع أو الساعة لكي ينظموا لك الفوضى التي أحدثتها بنفسك لنفسك، أذكر أنني في وقت ما كنت أفكر بجدية أن يكون هذا عملي لأنني أحب التنظيم وأتقنه، وفي بلدان مثل أمريكا هناك صناعة كاملة غرضها الوحيد توفير مخازن للناس لكي يضعوا فيها ما زاد عن طاقة منازلهم ليفرغوا منازلهم للمزيد من الاستهلاك والجنون.

ليس مشكلة أن تشتري شيئاً لأنك تحتاجه، لا شك أن تحتاج لما يسترك من ملابس وفوقها ملابس أخرى تعطيك زينة ومظهراً مقبولاً اجتماعياً، تحتاج لأن تشتري الطعام وتخزنه وتشتري ما تطبخ به وما تأكل عليه، تحتاج للورق والقلم والحاسوب والسيارة، تحتاج لأمور مختلفة بحسب ظروفك، لا مشكلة في كل هذا، عندما تكون لديك حاجة أو مشكلة فالمنطقي هنا أن تعالجها بما يناسبها من حلول لا أن تشتري مدفعاً لتقتل ذبابة!

المدفع هنا شيء يقدم أكثر من اللازم، حل يتسبب في مشاكل أخرى، قد تستخدمه لتقتل ذبابة فلا تصيبها لكنك ستدمر محيطك، هذا ما يفعله كثير من الناس، بدلاً من شراء عصاة بلاستيكية صغيرة مصممة لقتل الحشرات يبحثون عن الحل المعقد الغالي الذي سيتسبب في مشاكل أخرى وسيبحثون عن حلول أخرى لهذه المشاكل بدلاً من إزالة السبب الأساسي لها وسيشترون مزيداً من المدافع وسيبحثون عن حلول لتنظيمها وتخزينها.

ازدياد الأشياء والحاجة لتخزينها وتنظيفها وتنظيمها يعني الحاجة للمزيد من العمل والوقت وكثير من الناس ليس لديهم استعداد للعمل يومياً في هذه الدوامة فيشترون وقتاً وطاقة! نعم، يمكنك أن تشتري وقتاً وطاقة وذلك من خلال استخدام آخرين ليفعلوا ما لا تريد فعله، بمعنى آخر استقدام خادمة.

الخادمة بدورها نوع آخر من التعقيد، معاملات رسمية مختلفة وتكاليف مختلفة وشخص جديد في المنزل جاء من ثقافة أخرى وكلنا نعرف مشاكل الخدم مع الأسر ومشاكل الأسر مع الخدم، حل "الخادمة" يأتي بدون تفكير طويل أو قصير في أساس المشكلة وهو أن هناك أشياء كثيرة وأعمال كثيرة وربما على المرء أن يفكر في فعل شيء لتقليل كم الأشياء والأعمال قبل أن يفكر في استقدام خادمة.

كثيرون كتبوا وتحدثوا عن التبسيط وأكثرهم إن لم يكن كلهم يتفقون على أن إزالة ما هو زائد عن الحاجة هو أول خطوة للتبسيط، عندما تحتاج لتنظيم الأشياء ففي الغالب لديك الكثير منها، إن كنت ممن يمارسون هواية جمع أشياء كالطوابع أو الآلات الكاتبة أو الحواسيب القديمة أو العملات المعدنية فأنت في الغالب ستحتاج لطريقة ما لتنظيمها وتخزينها ولا بأس بذلك لأن هذه هواية تسعدك، لكن ماذا عن أمور الحياة اليومية؟ لم يجعل الناس جمع المنتجات الاستهلاكية هوايتهم؟ هل يجد أحدهم سعادة في تضييع الوقت والمال على شراء وتخزين وتنظيم وتنظيف الملابس مثلاً؟ لا أفهم ذلك ... حقيقة لا أستطيع فهم ذلك.

المجتمعات الاستهلاكية حول العالم لديها مشكلة أنها تشتري أكثر من حاجتها في حين أن هناك أفراد كثر في دول أخرى لا يجدون الحد الأدنى من حاجاتهم، ولن يقنعني أحدهم أنه بحاجة إلى 30 قميصاً أو 10 عباءات في حين أننا نعلم جيداً أن هناك من يلبس ما هو ممزق ووسخ وبالكاد يغطي جسمه، لا أقول بأن عليك التبرع، لكن لا تخدع نفسك بأن تحتاج لما هو أكثر من حاجتك.

مما قرأت وشاهدت أعرف أن هناك أناس يشعرون بعدم الأمان، يشعرون بأن عليهم تخزين الأشياء تحسباً لأي طارئ، يفكرون في المستقبل ويخططون لاحتمالات عديدة، ربما لن يكون لديهم مال كثير في المستقبل لذلك يخزنون الأشياء لكي لا يحتاجون لشرائها ويكون ما لديهم من مال قليل موجه لأمور أهم كالطعام، وهناك أناس عاشوا في بيئة حرموا فيها من شراء الأشياء لأسباب مختلفة لذلك عندما جاء المال والاستقلال عن العائلة أصبح التسوق والشراء هواية لتعويض نقص سابق، وهناك من يشتري لأنه لم يفكر في الأمر، الناس يشترون وبالتالي عليه هو أن يشتري، الناس لديهم شيء جديد وهو عليه أن يحاكيهم فهذا أمر طبيعي.

عندما يبدأ المرء في التبسيط فهو يوفر على نفسه كثيراً من الوقت والمال، لديك أشياء أقل وبالتالي تنظيم وتنظيف وترتيب أقل، مال ووقت توفره وكذلك كثير من الجهد والطاقة وراحة دماغك، بدلاً من قضاء الوقت والمال في الاستهلاك يمكنك أن تقضيهما في شيء آخر، ربما سفر لبلد لم تسافر له من قبل وتستأجر خدمات مرشد سياحي، ربما توفير مال لطارئ صحي في المستقبل، ربما توفير مال للتعليم أو الدخول في عالم الأعمال أو لمشاريع خيرية، وقت تقضيه مع الأصدقاء والعائلة أو مع أشياء تحبها كهواية أو حديقة أو أي شيء.

لا أفهم، هل من الصعب أن يفهم الناس ذلك؟ كل ما قلته في هذا الموضوع أمر معروف مفهوم ويوافق عليه بعض أو كثير من الناس ومع ذلك تجدهم لا يتحركون لفعل شيء لتغيير واقعهم، يسيطر على بعضهم الخوف من المجهول أو الكسل أو عدم الرغبة في أن يكون هناك وقت فراغ لأن الفراغ يعني وقت للتفكير والتفكير أمر لا يريده البعض، يريدون دوامة الحياة واستهلاك الوقت في ثقافة استهلاكية وإعلام استهلاكي لا تنتهي عجائبه.

شيء في صدري أردت أن أخرجه ... هذا كل شيء.

7 تعليقات:

علي يقول...

يا أخي أنا أجد فكرة الاستهلاك والانتاج والتوازن بينهما فكرة تضطرب في صدري وعقلي كثيراً، أشعر أن البحث فيها وإرشاد الناس إليها والعمل بها هو هدف كبير ومؤثر ورائع. ولا أخفيك أنني تأثرت كثيراً ولا أزال بالكثير مما تقول.

تهانينا لك علر هذا التوجه المبارك، نفع الله تعالى بكل واحد منا :)

عبدالله المهيري يقول...

@علي: أحياناً أشعر بأن علي تنبيه الناس إلى أن الحياة فيها أكثر من مجرد الروتين الطاحن اليومي، هناك أناس لا يعيشون سوى العمل اليومي ثم الفضائيات والمقاهي والتسوق وينتهي يومهم، هكذا يوم بعد يوم، في حين أن الحياة فيها أكثر من ذلك، لذلك بدأت نشرة بريدية لأنها مؤثرة أكثر وتصل إلى الناس في صناديق بريدهم، على أمل أن يصل تأثيرها للعديد منهم.

Sameh.De يقول...

اعتقد بان غياب ثقافة الجمال ورؤية التبسيط كأحد مكنوناته هو مايدفع بالكثير في الهمجية في الاستهلاك بلا ضوابط.


أتتني فكرة بخصوص "صناديق بريدهم", لما لايكون لديك صندوق بريد خاص بك في منزلك او مكان آخر اخي عبدالله :)

حيث نتمكن فيها من إرسال وثائق ومستندات حقيقة لك وتتمكن انت ايضا ان اردت في الرد على ذلك, لا أدري اشعر بأن هناك متعة كامنة حين تقرأ من رسالة ملموسة تعرف انها طبعت وكتبت من موطن صاحبها :)

عبدالله المهيري يقول...

@Sameh: التبسيط يصعب تسويقه، من السهل تسويق شيء يحوي المزيد والكثير لكن رسالة "أبسط وأفضل" صعبة، بخصوص صندوق البريد، جربت واحداً لفترة أشهر ثم أغلقته، المشكلة في التكلفة، تلقي الرسائل رائع لكن عدم قدرتي على الرد عليها وإرسال ما أريد متى ما أريد مشكلة.

Ameenah Khalid يقول...

حديثك ذكرني برواية قرأتها مؤخرا " ألواح و دسر " .. كيف ان الناس كانو بسيطين و لم يعرفو ثقافة الاستهلاك لأن كل تلك الاشياء لم تكن موجودة أصلا .. و عندما جائتهم الاسواق الكبيرة و المشتريات أصابهم هوس شديد بشراء كل ما أمامهم و مشترياتهم تلك تؤدي إلى شراء المزييد ,, رواية رائعة يجب أن تقرأها

tarek muslim يقول...

تسألنا : هل من الصعب أن يفهم الناس قولك ؟ ..
لا يا صديقي , ليس ذلك بصعب ... كلامك تم فهمه , و الاقتناع به , و الندم على التفريط في أيامنا .... لكنك صوت فرد أمام سطوة مجتمع .. لا مجال للمقارنة

جلست لأفكر ... ماذا لو أكتفى أحدهم بشراء ثوبين - مثلا ً - للصيف و مثلهم للشتاء ... إن اتسخخ أحدهما كان لديه آخر .. , جميل أليس كذلك ؟ ... سيتهامس الناس عليه : يا له من بخيل ... أين يذهب بأمواله؟لماذا هذا التقتير ع نفسه ... إلخ ..
فأنت تحتاج لزرع ثقافة { أن تكون أنت } ... قبل ثقافة { ما تلبسه لا يمثلك } ..
أرجو أن تكون قد وصلت الفكرة ..

ahmed youcef يقول...

و الله معك حق يا اخي

إرسال تعليق

ملحوظة: يمكن لأعضاء المدونة فقط إرسال تعليق.