الثلاثاء، 16 أكتوبر، 2012

لا تستأذن قبل أن تكتب

ككثير من الأشياء في هذه الدنيا، الكتابة لا تتعلمها بأن تقرأ أو تسمع عنها بل تتعلمها بأن تكتب وتنشر وتكتب مرة أخرى وتفعل ذلك مرة بعد مرة، سيكون أكثر ما كتبته ضعيف المستوى أو بلا فائدة في البداية، قد يكون كلاماً فارغاً أو مقالات محشوة بالأخطاء أو قصصاً بلا معنى، لا بأس، لا تدع أحداً يخبرك أنك لا تتقن الكتابة، لا تدع أحداً يقول لك أن عليك التوقف عن الكتابة، أخبرهم أن عليهم التوقف عن الكلام قبل أن تتوقف أنت عن الكتابة.

كنت أبحث في الماضي عن أسس وقواعد للكتابة فوجدت من يضعها ووجدت من يضع قواعد مختلفة، ليس هناك اتفاق على ما يمكن اعتباره قواعد للكتابة، ليس هناك قوانين تحدد ما يجب أن تكتبه أو طريقة الكتابة، الكتابة كالفن والطعام عليك أن تتذوقهما وتفهمهما قبل أن تشكل فكرة عنهما، كذلك عليك أن تقرأ وتتذوق ما يكتبه الآخرون لتشكل فكرة عن الكتابة وعن ما يوافق أو لا يوافق ذوقك.

إن كان هناك شيء يمكن أن نتفق عليه في قواعد الكتابة فهي نقاط قليلة، الإملاء والنحو مثلاً، لا بد أن تملك الحد الأدنى من إتقان اللغة قبل أن تكتب ومن خلال الكتابة والقراءة سيتحسن مستوى لغتك وانسى فكرة أن تتوقف عن تعلم وتطوير لغتك، اللغة جزء من عقلك ووعيك وبالتالي ستبقى طوال عمرك تتعلم أشياء جديدة عنها.

النقطة الثانية هي الوضوح والبساطة، وهو أمر قد لا يوافقني عليه كثير من الناس، بصراحة أزور مدونات عربية مختلفة وأقرأ فيها ولا أفهم المعنى المقصود مما يكتب، سبق أن اتهمت عقلي بعدم الفهم فقد كنت من قبل حريصاً على متابعة صفحات الأدب في صحفنا وما تنشره من أشعار وقصص قصيرة وكنت في ذلك الوقت أظن أن ما أقرأه أعلى من مستوى فهمي ولذلك لا أفهمه، لكن الآن توقفت عن فعل ذلك، إن كان الكلام غير مفهوم فهو غير مفهوم وانتهى، الكاتب غالباً تعمد عدم إيضاح أفكاره ولعله لا يعرف ما هي أفكاره.

الوضوح والتبسيط أمران لا يمكن أن أشدد عليهما كفاية، إن كنت تكتب لنفسك فاكتب كما تشاء أما الكتابة للآخرين تعني أن تجعل المعاني واضحة مباشرة بحيث لا يكون هناك أي لبس في فهمها، هذا أمر تتعلمه بالممارسة عندما تقرأ ما كتبته في الماضي ستجد دائماً أن بإمكانك حذف بعض الكلمات أو الجمل أو حتى الفقرات، ويمكنك تبديل كلمات بأخرى ولعلك تستطيع تغيير تركيب الجمل لتصبح أكثر وضوحاً.

لا تفكر كثيراً في بنية المقال أو ترتيب أفكاره أو منطقه، لا تفكر بأن عليك أن تكتب مقدمة ونهاية لكل موضوع تكتبه، في بعض الأحيان أفضل ما يمكنك كتابته سيكون كلاماً يخرج من عقلك وقلبك دون ترتيب وستكتب من البداية إلى النهاية بسرعة ووضوح وستكون أفكارك مرتبة دون أن تخطط لها وسيكون هذا أفضل ما تكتبه، لا تمارس التعقيد هنا، أكتب بأبسط الكلمات فالفصاحة لا تكون باستخدام كلمات كبيرة.

بعد اللغة والتبسيط لا أجد شيئاً يمكن أن أسميه قاعدة، هناك نصائح وتلميحات لكن لا شيء يلزمك باتباعها فاكتب كما تشاء وابتكر كما تشاء، وإن كنت مدوناً فهناك مساحة كبيرة للكتابة بطرق مختلفة، اكتب موضوعاً قصيراً جداً، اكتب قائمة طويلة، انشر موضوعاً يحوي صوراً وتعليقات، اكتب قصة، إذا ذهبت لمكان أو حدث كمعرض للكتاب أو لقاء مع آخرين فصور واكتب عن تجربتك، اكتب شيئاً عن الماضي أو المستقبل، اكتب عن قضايا تهمك وإن كنت تظن أنه لا أحد يهتم بها، ببساطة أفعل ما يمكنك فعله.

من المهم أن يكون لك رأي في قضايا مختلفة ولا أقول هنا أنه يجب أن يكون لك رأي في كل قضية، في بعض الأحيان قد لا يكون لديك رأي لأنك لا تعرف الموضوع أو لا تهتم ولا بأس بذلك، وإن كانت هناك قضية تهمك فاكتب عنها مرات ومرات وغطي كل زاوية وكن مزعجاً في طرح هذه القضية، أقل شيء يمكنك أن تفعله هو أن تدفع البعض للتفكير بأن تطرح شيئاً غير مألوف ويخالف ما هو معتاد بين الناس، مثال: أكتب شخصياً عن التعليم وأقترح التعليم المنزلي أو أسلوب اللا مدرسية كبديل، هذه الفكرة لا زالت صعبة البلع على الكثيرين لأسباب كثيرة، لكنني لن أتوقف عن الحديث حولها.

وعليك أن تفكر في فائدة ما تكتب وهي مشكلة صعبة في رأيي لأنك لا تحدد فائدة ما تكتب بل القارئ هو من يقرر ذلك، قد تكتب عن أمر بسيط في رأيك لتجد من يشكرك على "الفائدة الكبيرة" التي وجدها في الموضوع، وقد تكتب عن موضوع تراه مهماً وتجد من يستخف به ويطلب منك التوقف عن الكتابة حوله لأنه غير مفيد، فكيف تعرف فائدة ما تكتبه قبل أن تكتبه؟ ليس لدي جواب شخصياً وهذه مشكلة لأنني في بعض الأحيان أشعر بأنني لا أستطيع نشر شيء لأنني أرى أنه غير مفيد وهذا سببه أنني وضعت لنفسي مقياساً عالياً لا يمكن الوصول له دائماً، قد أكتب شيئاً مسلياً لا فائدة فيه لكنه قد يزرع ابتسامة في وجه شخص ما وهذه فائدة.

إذا مارست الكتابة لفترة طويلة وبدأت تعرف بكتاباتك فعليك أن تتجاهل أفكارك عن توقعات الناس، قد تظن أن الناس يتوقعون منك شيئاً أفضل دائماً وقد يكون هذا صحيحاً لكن عليك أن تدرك أنك بشر وبالتالي مستوى كتاباتك سترتفع وتنخفض لظروف مختلفة، يعرف ذلك جيداً من كتب كتاباً وأصبح مشهوراً بهذا الكتاب، الشهرة تولد ضغطاً لأن الكاتب يريد الآن أن يتجاوز نجاحه السابق ولا يخيب أمل من عرفه من خلال كتابه الناجح، لكن هذا الضغط قد يقتل روح الكتابة فيك، عليك أن تستمر وتكتب حتى وأنت تعرف أن ما تكتبه ليس بمستوى أعمالك في الماضي.

وإن كنت تريد تحسين مستوى كتابتك فإليك اقتراح لا أنفذه شخصياً وإن كنت أتمنى تنفيذه لكن في كل مرة أحاول لا أنجح، شكل مجموعة من أناس تثق في آرائهم ومستوى كتاباتهم وتعرف أنهم لن يجاملوا، 3 إلى 7 أشخاص عدد كافي ومناسب، اجتمع معهم كل شهر في مقهى وليطبع كل واحد شيء من كتاباته، مقالة أو مقالتين وليحمل كل شخص قلماً، يمكن أن ينتقد كل شخص مقالات الآخرين، هذا ما فعله ويفعله كثير من الكتاب المشهورين حول العالم، بعض أشهر الكتاب كانوا يقرأون أعمال بعضهم البعض قبل وصولها إلى النشر والطباعة وكانوا يمارسون النقد لتحسين مستوى كتاباتهم، لذلك إن استطعت أن تفعل ذلك سيكون هذا أمراً رائعاً ومفيداً، من المهم أن تختار مقهى يمنع التدخين، مجرد ملاحظة، أرجو ألا يربط أحد بين الكتابة والثقافة وأصابع السجائر القبيحة.

يمكن ممارسة النقد بشكل مختلف من خلال دورات للكتابة لكن لا أعرف عن أي دورة في أي بلد عربي ويمكنني الإشارة لبعضها في مدن مثل سياتل ونيويورك! مؤسف حقاً أن أعرف عن هذه الأمور في الغرب ولا أعرف شيئاً عنها في بلادنا.

لعلك قرأت كل ما سبق ولا زلت تبحث عن نصيحة مباشرة وعملية، ليس لدي سوى أن تقرأ كتابات متنوعة في أشكالها وتحاكيها، دعني أخبرك بأن معظم ما أكتب هو محاكاة للآخرين، أفكار قرأتها في مواضيع كثيرة وكتب مختلفة ثم أكتب عنها بفهمي، فكرة كتابة القوائم مثلاً ليست جديدة ومارسها آخرون ومنهم تعلمت وكتبت، فكرة الكتابة عن مواضيع تهمني كالتعليم لم تأتي من فراغ بل قرأتها في كتب ومواقع وفهمتها ثم كتبت عنها، في الحقيقة ليس لدي أي شيء جديد، لا يهمني أن أكون مبدعاً وأبتكر شيئاً لم يأتي به الأولون، المهم أن أكتب عن قناعة وفهم.

7 تعليقات:

amor enew يقول...

هذه مقالة رائعة..أنصحك بمجال جميل اسمه توصيل المعلومة بالصور
و أتمني لو تعلمنا هذاالمجال لتطوير التعليم
http://www.amazon.com/Unfolding-Napkin-Hands-On-Problems-Pictures/dp/1591843197/ref=pd_sim_b_1

http://www.amazon.com/The-Back-Napkin-Expanded-Edition/dp/1591843065/ref=sr_1_3?ie=UTF8&qid=1350413296&sr=8-3&keywords=napkin

Toxic يقول...

من افضل ما كتب عبدالله المهيري
كلامك صحيح و قد جربته مسبقا و ثبتت صحته
شكرا لك

abueyas يقول...

أنصح كثير من أصدقائي أن يكون لهم مدونات، خصوصاً من كانت لديهم خبرة كبيرة في مجالهم. وأن يكتبوا كُتب، بدلاً من كتابة المقالات في الفيسبوك مثلاً. لكن لا اجد من يستجيب.
ربما أحاول مرة أخرى

عبدالله المهيري يقول...

@amor enew: شكراً، أما الرسم فهذا أمر لا أتقنه وإن كنت قد بدأت مؤخراً بتدريب نفسي لكنني بحاجة لوقت طويل لكي أصل إلى مستوى يؤهلني لتعليم الآخرين.

@Toxic: شكراً.

@أبو إياس: لدي نفس المشكلة مع فرق أنني أتحدث مع أناس لا يهتمون بالشبكة، بعضهم يكتب ويطبع على الورق ويوزع أوراقه على الزملاء، مؤسف أنني لم أستطع إلى الآن إقناع أحدهم.

فايسبوك منصة تملكها شركة خاصة تغير قوانينها بحسب ما يناسب مصالحها لا ما يناسب مصلحة المستخدمين، لا أدري لم لا يهتم الناس بهذا الأمر أكثر، أن أنشر في مدونتي الشخصية يعني حرية أكبر من قيود الشبكات الاجتماعية.

Sohib AL-Gotimel يقول...

كبير كبير يا استاذ عبدالله اعجبني مقالك كثيرا .

Othman Safarini يقول...

السلام عليكم

انا حالياً افكر و بشكل جدي بأن افتح مدونو شخصية اكتب فيها بحرية ، تمر علي بعض الاحيان و يخطر ببالي فكرة لمقال حينها اتمنى لو عندي مدونة خاصة لاضع فيها المقال.

مقال جميل و نصائح مفيدة.

شكراً

عبدالله المهيري يقول...

@Sohib AL-Gotimel: شكراً.

@Othman Safarini: توكل على الله، لا تحتاج للتفكير إلا في اسم المدونة.

إرسال تعليق

ملحوظة: يمكن لأعضاء المدونة فقط إرسال تعليق.