الجمعة، 8 يونيو، 2012

دعوة زفاف

أول الصيف في بلادنا هو علامة البدء لموسمين، الأول هو موسم السفر فالناس يهربون من الحر إلى برد أوروبا وبلدان أخرى، ومن لا يستطيع السفر فيمكنه التنقل بين المكيفات، من مكيف الغرفة إلى مكيف السيارة إلى مكيف العمل ويعود في نفس الطريق، أما الموسم الثاني فهو موسم الأعراس وبطاقات الدعوات التي أقرأ أكثرها دون أن أعرف من هو "المعرس" فذاكرتي غالباً بصرية وأظن أنه من الأسهل وضع صورة له على البطاقة لأتذكر من هو، الحل الثاني هو سؤال أخي الذي يذكرني بلقب العريس فأتذكر، كما ترى، لدينا هذه العادة القبيحة بألا نتذكر الناس إلا بألقابهم التي كنا نستخدمها للاستهزاء بهم، شيء لم أكن أفعله ... كثيراً!

قبل فترة وصلت منزلنا مجموعة من البطاقات الطويلة، فتحت إحدها لأجد أن فلان ابن فلان سيتزوج ولم أكن بحاجة لمعرفة لقبه فهو صديق عزيز أو هكذا أخدع نفسي، فآخر مرة رأيته فيها كانت في عام 2008 وأذكر ذلك جيداً لأنني كتبت عن الأمر في هذه المدونة.

العريس الجديد كان مولعاً بألعاب الفيديو في فترة التسعينات وبضع سنوات بعدها، كنت أزوره مع أخي وبعض الزملاء ثم تحولت الزيارات إلى زيارات أسبوعية كل جمعة نأكل فيها البلاليط - أجمل اسم لأي طعام في أي مكان - والبيض ونتنافس في لعبة كابتن ماجد أو كابتن تسوباسا وألعاب أخرى لجهاز نينتندو، وبمرور السنين تغيرت الأجهزة إلى سوبر نينتندو ثم نينتندو 64 وفي فترة 3DO - هل يذكرها أحدكم - وهناك أجهزة أخرى لا أذكرها، المهم أن ألعاب الفيديو كانت أساسية له في تلك الأيام وسبباً لاجتماعنا في مكان واحد، لن أنكر أن الطعام سبب آخر!

قبل بيت صديقنا هذا كنا مجموعة من الزملاء والجيران نزور بيوت أخرى وغالباً تكون ألعاب الفيديو سبباً لاجتماعنا، لو عدت إلى الثمانينات فيمكنني أن أتذكر اجتماع أطفال الحي لممارسة ألعاب شعبية مختلفة وبعضهم كان يلعب الأتاري، تطورت الأجهزة إلى كومودور 64 وكذلك 128 ثم أميغا 500 ولن أنسى آي بي أم ولدينا معه ذكريات كثيرة جميلة، وفي فترة كانت السيارات اللاسلكية مشهورة وكذلك القوارب الشراعية الصغيرة وصيد السمك.

أمور كثيرة كانت تجمع بين الأطفال والمراهقين وتجعلهم يتزاورون ويخرجون مع بعضهم البعض، للأسف كان البعض يسميها "مصالح" ففلان لا يزور فلان إلا لكي يلعب نينتندو ويشرب الشاي، كانت اتهامات متبادلة والآن أسميها حماقات متبادلة، لأنني أفتقد هذه الأيام وأفتقد مثل هذه الزيارات والأنشطة المشتركة، لو لم تكن هناك ألعاب فيديو أو أي ألعاب أخرى فما الذي سيفعله الأطفال عند زيارتهم لبعضهم البعض؟ البحلقة مثلاً؟

في نفس الفترة كان الكبار يتبادلون الصحون ولا أعني رمي الصحون على بعضهم البعض كما يفعل الساسة بل صحون الأكل، بيت أم فلان يرسل لنا صحن ورق عنب ومحشي وأمي بدورها تعيد الصحن مع طعام مختلف، كان لدينا جيران فلسطينيون وكانوا يرسلون المعمول والكعك - وفي رواية كحك - وكانوا يزروننا بين حين وآخر، لم يكن هذا مقتصراً علينا فداوود يخبرني أنه كان يعمل لدى مجموعة من الأسر وكانت كل أسرة في كل يوم يرسلون الصحون لبعضهم البعض ويتزاورون كل يوم.

كان داوود في الماضي ينزعج من ذلك لكنه اليوم يفتقد هذا الأمر، لم يعد أحد يرسل صحناً لآخرين، لعل رمضان هو الفترة الوحيدة التي يمارس فيها الناس مثل هذه العادة الجميلة لكن قبله وبعده لا يحدث أي تبادل للصحون أو الزيارات أو حتى السلام.

لم يعد مستغرباً ألا يعرف الرجل أخبار جاره، بل لم يعد مستغرباً ألا يعرف الجار جاره، ولأننا في عصر حديث ومدنية "متقدمة" فقد أصبح لدينا جيران من الجالية الفلبينية بعد أن كانت المنطقة تحوي ما يكفي من الجيران العرب، أذكر وجود السودانيين والفلسطينيين والصوماليين وأذكر جيداً أصدقاء أبي رحمه الله، كانوا من جنسيات مختلفة وأذكر منهم أردنيين وعمانيون وغيرهم.

أفتقد كل ذلك وأكثر، أفتقد الشواب وبركتهم وبركة ذلك الوقت، أفتقد بن سنان الرجل الذي لم أره قط إلا مبتسماً ويمازح الجميع دون أن يؤذي أحداً، يتذكر أسمائنا ويؤلف حولها كلمات مسجوعة، أفتقد تلك العجوز التي كانت تزور أمي وتستهزأ بأذني الكبيرتين وتسميهما أذني الفار - أي الفأر - أفتقد التلفاز الذي كان بمقاييس اليوم محافظاً ومملاً ولا يبث طوال اليوم، هل تذكرون سباقات الإبل وجوائزها؟ برامج الزراعة؟

أذكر من كتب مرة أن الماضي لم يكن أفضل بل أبسط ولذلك نحن له ثم ذكر أن التقدم التقني اليوم خير من الماضي، وافقته في ذلك الوقت والآن لا أوافقه، ليأخذ كل تطور تقني يريده وليعد مجتمعنا كما كان من قبل، هناك أمور أهم من الكفاءة والسرعة والإنتاجية، أشياء لا يمكن قياس فائدتها لكن نفتقدها إن ضاعت.

كل ما كتبته هنا كان سببه بطاقة دعوة زفاف ... سامح الله فلان، مجرد قراءة اسمه أعاد لي كثيراً من الذكريات، قلت لداوود أنني أحد "الشياب" وإن كنت في الثلاثين من العمر.

6 تعليقات:

أنوار بنشقرون يقول...

آآآه شوقتني لأيام زمان رغم أنني لازلت شابا 21 سنة،ذكرتني في فترات التسعينات بصباها و لعبها و طفولتها حتى المناسبات كانت لها مذاق،أيام عاشوراء واليوم الأخير من شعبان ورائحة الحريرة(شربةمغربية)في رمضان ....أعتقد أن التطور أفقدناالكثير اكثر ما كسبنا منه كمسلمين.

A.K. AlSuwaidi يقول...

عندما قرأت العنوان تذكرت مسودة مدونة لم أكتب تفاصيلها إلى الآن.. كانت تدوينة بطلب من "عروس" في شهر فبراير.. وبعدها "عروس" أخرى كانت لها تعليقات مماثلة في شهر مايو.. إن شاء الله سأنشر الملاحظات قريبا.. فنحن حقيقة نفتقد الكثير من عاداتنا الموروثة البسيطة.. والقيم المجتمعية التي كانت تجعل منا مجتمعا متماسكا.. انظر إلى حالنا اليوم ومدى الهشاشة التي أصبنا بها.. فأصبحت كلمة "الأشقر-الغريب" موثوق فيها أكثر من أفراد العائلة الواحدة.. والمادة طغت على جميع أطياف المجتمع إلا من رحم..

A.K. AlSuwaidi يقول...

أستاذ عبدالله -أصلحك الله- اختلطت علي الأيام .. لو عنونت التدوينة ب"جمعة دعوة زفاف" أو كتبت تدوينة خفيفة للجمعة..

عبدالله المهيري يقول...

@أنوار بنشقرون: التطور أعطانا وأخذ منا، لكل تقنية فوائدها وسلبياتها ولا يمكن أن نعرف ذلك دون تجربة، المشكلة كيف نعود لما كنا عليه دون أن نفقد الفوائد؟

@A.K. AlSuwaidi: في موضوع الجمعة السابق ذكرت أنه سيكون آخر موضوع :-)

مجتمعنا حالة خاصة من ناحية التركيبة السكانية والطفرة العمرانية، التسارع الكبير نحو توسيع المدن خلال مدة قصيرة ثم زيادة السكان الكبيرة والذي رافقه تطور تقنية مستورد لم يترك لنا مجالاً للتفكير والتدبر قبل التحرك.

A.K. AlSuwaidi يقول...

:$ لم أقرأ الجملة الافتتاحية من تدوينة جمعة الأسبوع الماضي!!

أسامة يقول...

وكزني عرفت هذا الصديق... بس ليش أنا مو معزوم؟ يمكن لأنه آخر مرة شفته كان قبل ١٠ سنوات!

إرسال تعليق

ملحوظة: يمكن لأعضاء المدونة فقط إرسال تعليق.