30 سبتمبر, 2009

إلى مدينة العين

أول مرة زرت فيها مدينة العين كانت قبل ما يزيد عن عشرين عاماً، كنت في السابعة أو الثامنة من عمري ولا أذكر كثيراً من التفاصيل، ذهبت مع أمي في سيارة جيراننا، الطريق كان طويلاً ومملاً إلا عندما طلبت أمي أن أردد خلفها دعاء لأننا نمر بجانب مقبرة، في ذلك الوقت المقبرة لها دلالات غامضة كثيرة فهي أرض الأموات وهي من ما شاهدته في التلفاز أرض للأشباح وهي مكان مخيف لأن بعض الأموات يخرجون من قبورهم ليلاحقوا الأحياء، أفكار كثيرة زالت مع الأيام.

في العين وصلنا إلى بيت لا أذكره، طلبت مني أمي أن أذهب للمسجد القريب لأصلي العصر ففعلت، وأنا عائد من المسجد رأيت عصابة من الأطفال يزيد عددهم عن العشرين، أحاطوا بي وبدأوا يحققون معي فأنا شخص غريب عنهم وهم كما يبدو عينوا أنفسهم مراقبين للحي الذي يعيشون فيه ولا بد من استجواب أي دخيل عليهم، من أنت؟ من أين أتيت؟ إلى أين ستذهب؟ كنت خائفاً لكنني لم أبين ذلك لهم، أحدهم يستهزأ من أذني الكبيرتين، نعم كانتا كبيرتين وبارزتين في ذلك الوقت، كنت أسمع تسميات عديدة بسببها: الفأر، الفيل، رادار ... إلخ.

هذا كل ما أذكره من أول زيارة، عائلتنا لم تكن تذهب للعين ولا زالت، كنا نذهب لدبي كثيراً بينما بعض الزملاء في الفصل يتحدثون يومياً عن زيارة العين ويذهبون لها فعلياً كل أسبوع، بعد ذلك زرتها في رحلتين لنادي تراث الإمارات وعبرتها نحو عمان في رحلتين إلى صلالة ومرة إلى البريمي، أظن أن هذه كل زياراتي إلى العين قبل اليوم.

أول شيء لاحظته في ذلك الوقت أن مدينة العين مسطحة لا ترى فيها بنايات عالية وهذا أعجبني كثيراً، ثم اللون الأخضر الذي تراه في كل مكان، الأشجار على أنواعها تحيط بك فتنسى أنك في وسط الصحراء وأنك لو مشيت قليلاً خلف الأشجار سترى كثبان الرمل عالية وجميلة كما كانت منذ عرفها الإنسان، هناك شيء في كثبان الرمل يجعلها تسكت أي لسان فلا شيء يمكنه أبداً أن يعبر عن مشاعر الشخص وهو يرى الرمال على مد البصر، صغير أنت أيه الإنسان في هذا البحر، ضعيف إن كنت مضطراً للعيش هناك فضياع الماء ليومين قد يقتلك، على قسوتها إلا أنها جميلة إلى حد لا يمكنني وصفه، ليتني لو كنت شاعراً لكتبت قصيدة بدلاً من مقالتي هذه.

أتذكر الدوارات والشوارع غير المزدحمة، أتذكر الجو اللطيف في الشتاء والمحرق في الصيف، أتذكر مسرحية عرضت على مسرح جامعة الإمارات في حفل لاستقبال المستجدين في الجامعة، أتذكر مدينة ألعاب الهيلي التي لم أتجرأ فيها على ركوب قطار الموت - كما يسمى - وأتمنى الآن أن أفعل ذلك وسأفعل إن زرتها مرة أخرى.

اليوم زرت العين لإنهاء معاملة بسيطة، نعم هناك حديث عن المعاملات سيأتي لذلك وجب التحذير، المهم أنني وجدتها كما عرفتها، خضراء مسطحة وجميلة، أشعر بالراحة في هذه المدينة وهي مكان يمكنني أن أعيش فيه أكثر حتى من مدينة أبوظبي أو دبي، فمدينة دبي أصبحت بالنسبة لي مكاناً لا أريد زيارته إلا للضرورة القصوى أو للعبور نحو الشارقة وما بعدها، أما أبوظبي فهي تسير في نفس خطوات دبي، الزحام يزداد، الشكوى من المواقف لن تتوقف، المشاريع الكبيرة تظهر هنا وهناك، وفي كل مساحة فارغة يبدو أنهم يزرعون البنايات الطويلة، يضعون قليلاً من الماء لتظهر بناية بعد أشهر.

لم أجد هذا في العين، المدينة لم تتغير كثيراً في نظري بل تحسنت، هناك أنفاق أسفل بعض الدوارات تسهل وتسرع عملية مرور السيارات، لا حاجة لإشارات ضوئية، اللون الأخضر انتشر أكثر وأكثر بل ووصل إلى البيوت، لاحظت عدداً كبيراً من البيوت الملونة باللون الأخضر الفاتح مع أخضر غامق على بعض الأطراف، تذكرني الألوان بمسجد أبي رحمه الله.

ونحن في طريقنا إلى العين لاحظت أن البيوت والمزارع لم تغب عن أنظارنا كثيراً، في الماضي أتذكر أن الطريق كان خالياً لكن الآن هناك بيوت كثيرة نمر عليها وكل منطقة تمتد كيلومترات عديدة، ثم تأتي المزارع ومن بعدها مزيد من المنازل، اللون الأخضر على جانبي الطريق دائماً، قبل العين بقليل رأيت تلاً رملياً عالياً ظننت أنه جبل من بعيد، تمنيت لو أنني أخذت معي كاميرا التصوير لكي أتوقف وألتقط صورة للتل لأنني متأكد أنها ستكون صورة جميلة، اللون الأحمر مع لون السماء الأزرق، صورة لا أمل منها، سبحان الخالق.

في طريقنا إلى المؤسسة الحكومية التي أريد إنجاز المعاملة فيها كنت أنظر إلى يميني لكي أشاهد جديد المدينة، محلات قديمة يتبعها مركز تسوق صغير، مدرسة بسور عالي وفوق السور أسلاك شائك وطالب يقفز من فوق السور! هكذا كانت لقطة سريعة أضحكتني، الطالب يهرب كما يبدو إلى عالم الحرية، فالسور والأسلاك جعلت المدرسة تبدو كسجن حقيقي، المفاجأة بالنسبة لي كانت عندما رأيت اسم المدرسة "زايد الثاني" وهو نفس اسم مدرستي الإعدادية التي مارست فيها ما يكفي من محاولات الهروب الناجحة دائماً.

كنت محترفاً في الهروب من المدرسة، كان زملائي في الفصل يخططون لهروبهم وكنت ببساطة أخرج من المدرسة بدون أي مشكلة، كانوا يتسلقون السور بخوف شديد وكنت أخرج من الباب الرئيسي ببرودي المعتاد، ومرة ساعدتهم ولم يصدقوا أنفسهم عندما طلبت منهم أن يخرجوا من الباب، هم لم يكونوا يفكرون بالموضوع بشكل منطقي، الباب هو المكان الأخير الذي تراقبه إدارة المدرسة والمكان الذي لا يشكون أنه سيستخدم للهروب فهم اعتادوا على أن الطلبة يهربون بتسلق السور، لذلك من المنطقي أن أستخدم المكان الذي يحصل على أقل قدر من المراقبة بل أفعل ذلك وأنا واثق من نفسي فأسلم على حارس المدرسة وأسأل عن حاله قبل أن أخرج، ليتني وظفت هذا العقل في القراءة في ذلك الوقت بدلاً الألعاب والهروب من المدرسة.

لست نادماً على ما فعلته في المدرسة، ما يجعلني أندم فعلاً أنني لم أبدأ القراءة جدياً إلا بعد مرحلة الإعدادية، عندما أصبحت في السابعة عشر من عمري.

عودة إلى العين، عندما خرجت مبكراً من المنزل كنت أنوي العودة في العاشرة والنصف صباحاً لكنني عدت متأخراً أربع ساعات ونصف، في المؤسسة الحكومية بدأت قصة "إذهب إلى هناك، لا ليس هنا إذهب إلى هناك" ووصلت إلى مكتب الرجل المسؤول فطلب مني أن أنتظر نصف ساعة أو ساعة على الأكثر لينجز عملي، لا مشكلة، خرجت وذهبنا إلى أرض سكنية يملكها أبي رحمه الله، الأرض خالية ويحيط بها بيوت أناس أعرفهم، يخبرني السائق عن هذه البيوت فهذا بيت فلان وهذا بيت فلان، وخلفها بيوت فلان وفلان، كل من ذكرهم يعيشون في أبوظبي وفي نفس المنطقة.

ذهبنا إلى مسجد قريب فوجدت أن من موله رجل نعرفه ويعيش في أبوظبي أيضاً، ثم رأيت مزيداً من المنازل هناك وخلفها رأيت وادياً جافاً، ما إن أشرت له حتى أخبرني السائق أن هذا الوادي يجري بالماء في موسم المطر، تصور نهراً في وسط الصحراء على ضفة هناك بيوت وفي الضفة المقابلة كثبان رملية كالجبال، أود أن أعيش هناك في موسم المطر لأرى جريان هذا الوادي.

بعد الجولة التعريفية وبعد كوب من الشاي وحبة تمر عدت للمؤسسة الحكومية، لم ينتهي الرجل لكنه لم يتأخر سوى دقائق وأحضر لي الورقة وطلب مني أن أنوقعها من مدير الإدارة لكنه تذكر أن المدير في اجتماع وطلب مني الذهاب إلى مكتب آخر، في ذلك المكتب جمع من الموظفين يتحدثون، أحدهم أخبرني أن المدير في اجتماع فقلت له "وراي خط" أي أن علي قطع طريق طويل بين العين وأبوظبي وأنا بحاجة للعودة سريعاً لكي أذهب بالورقة مباشرة إلى مؤسسة ما في أبوظبي، لكنه لم يساعدني بأي شكل.

علي الانتظار مع آخرين ينتظرون المدير وكل ما يبحثون عنه هو توقيع يتيم، خرج المدير من الاجتماع وهذه أول مرة أواجه عذر "المدير في اجتماع" الرجل يبدو عليه التواضع، عدم مبالاة الموظفين بهؤلاء الذين ينتظرون المدير رسمت صورة مغايرة لدي، كانوا يمشون في الممرات ويتحدثون ويضحكون ويلقون بالنكت هنا وهناك ولم يتعب شخص ما نفسه بأن يأخذ أوراق الناس ليدخلها إلى المدير، على أي حال حصلت على التوقيع ثم على الختم وأنتهى الأمر، تمنيت لو أن المؤسسة الحكومية كانت جميلة في تعاملها مع الناس فتكتمل الصورة لدي، مدينة جميلة لا تستحق إلا أن تقدم مؤسساتها أفضل وأسرع الخدمات.

من المفترض أصلاً ألا أحتاج للذهاب إلى العين، من المفترض أن ينجز العمل هنا في أبوظبي، ومن المفترض في المستقبل القريب ألا أحتاج إلى الذهاب إلى أي مؤسسة أخرى فإن أردت إنجاز عمل ما فعلى الدائرة أن تكون مربوطة إلكترونياً بالدوائر الأخرى فتطلب ما تريد من معلومات وأنا جالس في مكاني، ومن المفترض أن يكون هناك موظف واحد يتولى مسؤولية معاملتي من الألف إلى الياء فلا أقوم من الكرسي إلا وقد انتهى عملي، من المفترض في المستقبل القريب ألا أحتاج للذهاب إلى المؤسسات لإنجاز معظم المعاملات البسيطة والمتكررة بل يمكن فعل ذلك بالبريد أو إلكترونياً من خلال المواقع ... من المفترض.

العين مدينة يرتاح قلبي فيها، أشعر أنني في الإمارات بمجرد رؤية أسماء المناطق، المويجعي، الساد، اليحر، الجاهلي، الصاروج، الهيلي وغيرها، من زار الإمارات ولم يزر العين فعليه أن يفعل ذلك، لا تبعد عن دبي أو أبوظبي إلا ساعة ونصف بالسيارة ويمكن الوصول لها مباشرة بالطائرة، هناك شيء مختلف في هذه المدينة لا أعرف كيف أصفه، باختصار أن معجب بهذه المدينة وأتمنى أن تبقى دائماً كما هي، مسطحة وخضراء وجميلة وبعيدة عن المشاريع التي جعلتني لا أحب زيارة دبي.

29 سبتمبر, 2009

ثور الاستبداد

ماذا يخطر ببالك عندما تسمع أحدهم يقول براءة الأطفال؟ هل شاهدت في يوتيوب ذلك المقطع لولد يضحك من قلبه؟ ربما هذا ما تعنيه براءة الأطفال لك، ربما تجدها في أسئلتهم الكثيرة المتنوعة حول كل شيء، هذه البراءة تزول شيئاً فشيئاً كلما تقدم الإنسان في حياته لأنه ينتقل من الطفولة إلى المراهقة وما بعدها وتصبح الحياة مسؤولية بعد أن كانت لعباً.

لكن ما الذي يحدث للأطفال عندما يجتمعون في مكان واحد؟ لماذا يتحول البعض منهم إلى مخلوقات قاسية لا تعرف الرحمة؟ لا أتحدث عن الأطفال في الرابعة من العمر بل في السادسة أو السابعة، أطفال المدارس في المرحلة الأولى والثانية، هؤلاء ما زالوا أطفالاً لكن بعضهم يعرف كيف يمارس القسوة ضد الآخرين، والقسوة قد تكون لفظية أو حتى اعتداء بالضرب.

لا أبالغ، يحدث في مدارسنا وفي مدارس العالم أن يعتدي طالب على آخر بالسب والضرب والسخرية الدائمة، في الإنجليزية هناك مصطلح لهذا الفعل، bullying، وكلمة bull تعني الثور لكن ترجمتها الفعلية ستكون الاستبداد، أن يستبد القوي على الضعيف، يبدو هذا المصطلح مألوفاً جداً لكن في سياق آخر، على أي حال دعوني أركز على المدارس ولا داعي للحديث عن السياسة.

ظاهرة الاستبداد المدرسي هذه درست في كثير من الدول وهناك نتائج كثيرة لهذه الدراسات وكتب تشرح الظاهرة وتبين مخاطرها وأسبابها وطرق علاجها، لا يمكن اليوم أن نقبل بوجود إدارات مدرسية أو مدرسين لا يعرفون هذه الظاهرة أو لا يهتمون بها بجدية، لكن المؤسف فعلاً أن هناك مدارس لا تهتم ومدرسون لا يهتمون، يرون المشكلة بسيطة فهي مجرد خلافات بين طالب وآخر، لكنها في الحقيقة عنف قد يؤدي إلى عواقب وخيمة ... تعجبني كلمة "وخيمة" هذه!

حوادث انتحار الطلبة ليست قصصاً من وحي الخيال بل هي واقع يحدث كل عام حول العالم، طالب يعيرونه بفقره كل يوم إلى أن وصل إلى حافة اليأس وربما الجنون فألقى بنفسه في البحر وترك رسالة تقول بأنه يعتذر عن المشاكل التي تسبب بها وأنه يعيش حياة غير سعيدة لذلك قرر وضع حد لها، طالبة تعير بقبحها أو قل لأنها أقل جمالاً من الأخريات وهذا ما جعلها تكره المدرسة وتكره الدراسة ثم تكتئب فيذهبون بها إلى مصحة نفسية ويتطلب علاجها أشهراً أو ربما سنوات.

هناك نتائج أخرى، كأن يكره الطالب الدراسة أو يصبح شخصاً محطماً من الداخل وضعيفاً يتقبل الظلم من الآخرين دون أي رد، قد يتسبب العنف المدرسي في إثارة غضب طالب فيخطط لقتل الطلاب ثم يفعل ذلك بأن يقتحم مدرسته وفي يديه رشاش أتوماتيكي، قد يتسبب العنف في طرد الطالب من المدرسة لأن الحياة خارج السجن - أي المدرسة - أفضل بكثير.

إن كنت أحد هؤلاء الذين يذهبون إلى المدرسة في أول يوم فلا تنخدع بالمظاهر، خلف الملابس الجديدة هناك أطفال تعرضوا للعنف في المنزل وسينقلون هذا العنف إلى الفصل، هناك من لم يتلقى تربية جيدة وسينقلون عدم تربيتهم إلى المدرسة، هناك طلاب أبرياء وضعفاء سيواجهون العنف وعدم التربية وسيتأثرون كثيراً بما يواجهونه، فالعنف قد يدمر شخصياتهم ويزرع كراهية المدرسة وكراهية التعليم وربما كراهية الناس، وعدم التربية قد يتعلمون منها الكلام الساقط وربما بعض الأفكار الساقطة التي قد تؤدي لأفعال مشينة.

من المؤسف حقاً أن أسمع عن إدارات مدرسية لا تتعامل بجدية مع هذه المشاكل، من المؤلم فعلاً أن تصبح المدارس لبعض الطلاب سجوناً كبيرة يجبرون على زيارتها كل يوم وفي كل يوم يجدون العنف والاستبداد من أطفال آخرين يفترض بهم أن يكونوا أبرياء لا يعرفون عنفاً ولا استبداداً.

الأشد من هذا بعض الناس، بعض الآباء الذين يرون في العنف المدرسي فرصة تربوية فالولد عليه أن يواجه الواقع ويبني نفسه، هكذا يرميه في النار وينتظر خروجه رجلاً متكاملاً، الولد يشتكي من إساءات الطلبة الآخرين فيرد عليه الأب بأن عليه أن يتحمل، عليه أن يصبر، عليه أن يكون رجلاً، أو ربما لا يرد عليه أبداً ولا يهتم.

المفارقة هنا أو قل التناقض أنني غير متزوج ومع ذلك أريد أن أوجه نصيحة للمتزوجين وخصوصاً الآباء، لكنني لن أفعل، اللبيب بالإشارة يفهم.

28 سبتمبر, 2009

اكتب في مدوناتي

كما هو حالي مع كثير من المواضيع، هذا موضوع أجلته كثيراً وقد كنت أفكر فيه منذ عام أو أكثر، أظن أنه الوقت مناسب الآن لفتح باب المشاركة في مدوناتي.

كل ما عليك فعله هو كتابة موضوع ما يهمك وترسله لي على بريدي serdal@gmail.com وسأخبرك إن كان الموضوع مناسباً للنشر ومتى سينشر، ما الذي ستستفيده أنت من ذلك؟ إن كنت تملك مدونة أو موقعاً فهذه فرصة لزيادة عدد زوارك وفرصة للتعريف بنفسك لجمهور ربما لا يعرفك جيداً، ما الذي أستفيده أنا؟ نفس الفائدة التي ستجدها إن وضعت رابطاً لمقالتك في موقعك وهذا ما أتمناه، وكذلك أجد بعض الوقت لفعل شيء آخر غير الكتابة في المدونات وستبقى المدونات نشيطة.

مدونتي هذه شخصية تقنية ومنوعة، لذلك يمكنك أن تكتب فيها عن ما تشاء، أفضل المواضيع التقنية، أفضل أن تكون المواضيع طويلة بعض الشيء ومفصلة، أما في مدونة الطريق الأبسط فالأمر مختلف، الموضوع يجب أن يكون قصيراً بقدر الإمكان ويركز على موضوع البساطة، مدونة اصنع دولتك بنفسك تقبل المواضيع الجغرافية وما يتعلق بها.

إذا كتبت موضوعاً ونشر في هذه المدونة أو في المدونات الأخرى فعليك أن تقبل بالرخصة التي اخترتها للمدونة، ستبقى مالكاً للموضوع لكنك ستقبل بأن ينسخ الموضوع وينقل إلى أي مصدر آخر بدون أي شرط سوى ذكر المصدر.


في الأشهر الماضية لاحظت وجود مدونات جديدة تستحق أن يطلع عليها الناس، وبعض أصحاب هذه المدونات راسلوني وكتبوا يسألون عن فائدة الاستمرار في التدوين إن لم يزر مدوناتهم أي شخص، بعضهم يسأل عن كيفية الترويج لمدوناتهم، أظن أن الكتابة في المدونات الأخرى هي إحدى أفضل الطرق للترويج، أنت تستفيد، القارئ يستفيد وصاحب المدونة التي ستنشر الموضوع سيستفيد.

هل لدى أحدكم أي موضوع؟ راسلني فور انتهائك من كتابته، أكتبه في ملف نصي فقط ولا تستخدم أي نوع آخر من الملفات.

25 سبتمبر, 2009

جميع الحقوق غير محفوظة

اليوم أتخلى عن كافة الحقوق لمدونتي هذه ومدونة الطريق الأبسط وكذلك اصنع دولتك بنفسك وأرشيف سردال، جميع محتويات هذه المدونات هي حق عام للجميع، بمعنى آخر يمكنك أن تفعل ما تشاء بالمحتويات، لا حاجة للاستئذان مني لنسخ وتوزيع أو تعديل محتويات المدونة، لا حاجة لذكر مصدر المحتويات وإن ذكرت المصدر فأنا أقدر ذلك وأشكرك.


تسألني لماذا أفعل ذلك؟ أجيبك ... لم لا؟ لدي أسباب مختلفة، في الماضي كان ولا زال لدي اهتمام بموضوع الحقوق الفكرية على اختلاف أنواعها وقد كتبت مواضيع مختلفة أتحدث فيها عن الثقافة الحرة وعن رخص المحتويات الحرة وألقيت مرة محاضرة حول الموضوع أشجع الناس فيها على طرح محتوياتهم برخص حرة لكي يوفروا محتويات قابلة للنسخ والتوزيع بسهولة.

في الماضي كنت أختار رخص منظمة Creative Commons الأمريكية وكنت أختار بالتحديد رخصة تسمح بالنقل والنسخ لكن بشرط ألا تستغل المحتويات تجارياً وإذا عدل أحدهم المحتويات فعليه طرح التعديلات للجميع وبنفس الرخصة، ثم تخليت عن الشروط واكتفيت فقط بشرط ذكر المصدر، لكنني الآن أجد أن كل هذا ليس ضرورياً، الأبسط أن أتنازل عن كل حقوقي، فما أكتبه وأقوله ليس ملكي لوحدي بل هو نتاج ما قرأته وسمعته وتعلمته من الآخرين، كل الناس يتعلمون من بعضهم البعض وكل جيل يضيف طبقة جديدة من المعرفة لكنه يبني هذه الطبقة على ما جاء في الماضي، لا أحد يبني من الصفر.

هناك توجه عالمي نحو تشديد القوانين المتعلقة بالحقوق الفكرية وهذه القوانين تصب غالباً في مصلحة الشركات الكبيرة التي تريد أن تحتكر الثقافة لأغراض تجارية، هذه القوانين تفرض على دول أخرى التي تجبر على الالتزام بها وإلا ستعاقب، عاجلاً أو آجلاً ستصلنا القوانين وستطبق لدينا بل وبعض الدول بدأت تطبيق القوانين في ما يتعلق بالبرامج ولا مشكلة لدي هنا، المشكلة ستظهر عندما تستخدم هذه القوانين لمنع كتابات أو أعمال فنية لأنها أخذت فكرة من عمل آخر مملوك لشركة ما، تصور مثلاً أنك تريد انتقاد دمية باربي وتريد الحديث عن الغزو الثقافي ووضعت صورة للدمية، تخيل فقط أن مكتب محاماة يراسلك ويطالبك بسحب المقالة فقط لأنك تنتهك حقوق فكرية لشركة ما، هذه ليست فكرة خيالية في رواية مأساوية بل واقع حدث ويحدث هناك ولا أستغرب أن يصل إلينا في يوم ما.

في مقابل هذا التطرف القانوني أجد حاجة لوجود مثال إيجابي يقف ضد هذا التطرف، وهناك أمثلة كثيرة ويسعدني أن أكون جزء منها، حركة البرامج الحرة وفرت آلاف البرامج لمختلف الاستخدامات، سواء أردت نظام تشغيل مكتبي لحاسوب في منزلك أو أردت برنامجاً يتنبأ بالكوارث الطبيعية ستجد خيارات مختلفة يمكنها أن تعطيك ما تريد وفي الغالب مجاناً ويمكنك الحصول عليها بدون أي صعوبات.

حركة الثقافة الحرة وفرت مئات الآلاف من الصور ومقاطع الفيديو والمقالات ومئات من الكتب وآلاف من المقالات، هذه محتويات مجانية حرة يمكن لأي شخص أن يوزعها مجاناً أو حتى يبيع بعضها، يمكن لأي مدرس مثلاً أن يجد مختلف الصور ومقاطع الفيديو لدروسه، يمكنه أن يجد مناهج جاهزة لمواد مختلفة، يمكنه أن يجد دروساً معدة من قبل معلمين آخرين حول العالم.

أريد أن أكون مساهماً في هذه الحركة، أريد لكتاباتي أن تصل إلى أناس لا يمكن الوصول لهم من خلال الشبكة، شخص ما قد يطبع بضعة مقالات ويعلقها على لوحة الإعلانات في مؤسسة ما، أو ربما يرسلها لشاب في قرية بعيدة لم تعرف الشبكة بعد، أو قد يجمعها شخص ما ليضعها في كتاب واحد يبقى بعد أن أرحل عن الدنيا.

يمكن لأي شخص أن يساهم، المصور بصوره، الناس بمقاطع الفيديو وكذلك محترفي تصوير الفيديو، الكتاب بمقالاتهم وكتبهم، كل شخص ينتج شيئاً فكرياً يمكنه أن يساهم، فقط تخلى عن بعض حقوقك أو كلها، شجع الناس على نسخ وتوزيع أعمالك واشترط عليهم ذكر المصدر أو لا تفعل، المهم هو تشجيع الثقافة الحرة.

لعلك ترى أن التخلي عن الحقوق سيعطي فرصة لبعض الناس لاستغلال المحتويات بشكل سلبي، يمكن لأي شخص أن يعدل ما كتبته ويضع ما لم أقله في مقالاتي وينشرها، يمكن لشخص ما أن يجمع ما أنتجته ليبيعه ويربح منه بدون أن أحصل على شيء في المقابل، يمكن أن يفعل أشياء أخرى لم أتخيلها، أسألك هل كانت القوانين ستمنعه من فعل هذا لو قلت "جميع الحقوق محفوظة؟" لا لن تمنعه، من أراد شراً فلن تمنعه القوانين أو أي شيء آخر، بينما الشخص صاحب النية السليمة الذي يريد الخير للآخرين قد يتلزم بالقانون ويمتنع عن نسخ المحتويات وتوزيعها على الآخرين إلا بعد أن يستأذن مني أو ربما لن يفعل ذلك لأن في هذا مشقة.

لذلك من الأبسط التخلي عن الحقوق، وهذا ما سأفعله لكل ما أنتجه وأكتبه.

تذكر البخاري ومسلم والجاحظ وغيرهم، عد للماضي وتذكر الكتب التي نشرت في تلك العصور، لم تكن فكرة الحقوق معروفة في ذلك الوقت، تصور لو أن هناك دور نشر احتكرت حقوق هذه الكتب في ذلك الوقت وحتى اليوم ومنعت نسخ الكتب أو دراستها وتحقيقها إلا بإذن رسمي قانوني، أتظن أن هذه الكتب ستبقى وستنتشر كما يحدث اليوم؟ لا أظن ذلك، هذه الكتب نشرت في عصور كان الناس يهتمون فيها بالنشر أكثر من اهتمامهم بحقوقهم، لم تكن الكتب تباع كما يحدث اليوم، لم يكن هناك حرص على وضع جملة "جميع الحقوق محفوظة" على أغلفة الكتب.

قوانين الملكية الفكرية على اختلاف أنواعها لم تصلنا إلا من الغرب، بحسب علمي لا يوجد شيء في التاريخ الإسلامي حول هذا الموضوع إلا أهمية ذكر المصدر لأن هذا ما تقتضيه الأمانة الفكرية والعلمية، إن نقلت شيئاً من مصدر آخر فعليك أن تذكره، هذا أمر بديهي لأن عدم فعل ذلك يعني أن تنسب ما كتبه الآخرون لنفسك.

هل أعني بهذا أنني أرى القوانين الحالية غير صحيحة أو تحتاج لتبديل؟ لا شك لدي أن القوانين بحاجة لمراجعة في كل حين، ما أعنيه أن قوانين حقوق الملكية الفكرية وقوانين حقوق النشر ليست بالضرورة قوانين تخدم المجتمع، أنا مؤمن بأن المحتويات الحرة ستفيد المجتمعات بشكل أكبر من القوانين المقيدة للنشر والتوزيع والاستفادة من الأفكار، لذلك أطرح ما أكتبه كمحتويات حرة.

23 سبتمبر, 2009

في الدائرة مرة أخرى

اليوم هو أحد تلك الأيام التي أستطيع أن أكون سعيداً في نهايتها، يمكنني أن أحدث نفسي لأقول "نعم، أنجزت شيئاً" فقد عاد الأخ المناضل مكيف الغرفة للعمل بعد توقف دام لبضعة أيام تمنيت لو أنها امتدت قليلاً، أنجزت قراءة نصف الكتاب ذو الصفحات الألف والثلاثمئة وأجده كتاباً مثيراً ويزيد من رغبتي في الجلوس للقراءة مع ما يحتويه من فضائع تجعلني أقف على حافة البكاء أو الرغبة في الانتقام من عدو لا أستطيع الوصول له، لكن موضوعي اليوم لن يكون حول هذه الفضائع بل سيكون شيئاً خفيفاً وشخصياً ... جداً، يمكنك أن تهرب الآن أو تسترخي!


بدأت ملامح الشتاء بالظهور ببطء، الفجر أصبح أكثر برودة والجو جميل في الصباح، هذا ما جعلني أعود لرياضتي المفضلة وهي المشي بعد صلاة الفجر ومحاولة استعادة بعض اللياقة التي فقدتها لكسلي في الأشهر الماضية، في رمضان فقدت من وزني خمسة كيلوجرامات جعلتني أتشجع أكثر على ممارسة الرياضة، ولم تكن البداية قبل أيام سهلة، نفسي ينقطع بسهولة ورجلاي تشتكيان مع ذلك أصررت على المشي مسافة أطول بكثير مما كنت أخطط له والنتيجة ألم في القدمين لم يذهب إلا بعد يومين ولكنني سعيد وأجدني أكثر نشاطاً وأكثر رغبة في ممارسة مزيد من الرياضة ومزيد من القراءة ومزيد من الحديث مع الآخرين، ببساطة ... مزيد من الحياة.

في المسجد وجدت ضيوفاً جدداً في ساحته بالأمس، قطة كبيرة مع أربعة من أبنائها يعيثون فساداً في أحذية المصلين، كان منظرهم رائعاً ومضحكاً خصوصاً أحد الصغار كان يخوض معركة ضد فردة حذاء يدفعها قليلاً للأمام ثم يقفز فوقها بشراسة ويمد يديه ورجليه في الهواء، أتخيله يصرخ صرخة كاراتيه وينوي تقطيع الحذاء لكنه في الحقيقة يفعل كل شيء إلا لمس الحذاء، هذا يذكرني بشيء ما ... هل يمكنك تخمين ما هو هذا الشيء؟

في منزلنا لا يختلف الوضع كثيراً، لدينا قطة معطاءة ومنتجة، في كل عام تنتج - أو قل تصنع - عشرة قطط أو أكثر والآن لديها خمسة في غاية الشقاوة، هي قطة رزينة لكنها تصبح شقية مثلهم عندما يلعبون حولها في الصباح، تجدها تقفز وتركض كالمجنونة، منظر مضحك ومسلي وبالتأكيد أفضل بكثير من أي شيء ستشاهده في التلفاز أو في يوتيوب، من الذي يحتاج هذه الأشياء ولديه في المنزل ما يكفي من الترفيه تقدمه فرقة من القطط؟ أخي يلعب مع القطط كل يوم، لديه خيط ربط في آخره قطعة دائرية من الحديد وعلقها على شجرة، يمكنك أن تتخيل ما يحدث حول هذا الخيط، تنافس بين خمسة على فعل كل شيء ولا شيء في نفس الوقت، تجد أحدهم يقفز ويركض وتظن أنه سيقطع الخيط بمخالبه لكنه يلف ويدور حول الشجرة بلا أي هدف.

بعد مشاهدة لقطات مضحكة للقطط وتناول الإفطار ذهبت لإنجز بعض المعاملات وبالتأكيد المحكمة هي المكان الذي يتوجب علي زيارته كل يوم تقريباً، لكن اليوم هناك أمر مختلف، فقد أعددت العدة في أيام العيد وجهزت ملفاً لأوراق المحكمة ثم وضعت أوراقاً احتياطية في شنطة أوراق وأعددت ملفات أخرى لمؤسسات أخرى، لم يعد هناك مجال لتضييع أي وقت بعدم إحضار ورقة أو وثيقة ما، لدي كل شيء ... أو أتمنى ذلك.

الجو أصبح رطباً وحاراً، كلما خرجت من السيارة اضطررت لخلع نظاراتي لأن الرطوبة تحجب الرؤية، على شخص ما أن يخترع نظارة بمساحات لإزالة الرطوبة، في الداخل سألت عن مكتب ما وفي ذلك المكتب لم يكن النظام الأرقام قد بدأ، لذلك استغللتت الفرصة للحديث مع موظفة حول المعاملة وهنا بدأت مسرحية "روح هناك وتعال هنا" أو مسرحية "ألطم يا عالم؟!" أو لعلك تستطيع أن تختار الاسم المناسب لك، كل شخص يقول لي كلاماً مختلفاً وكل شخص يقول لي إذهب إلى هناك أو هناك، تحدثت مع شخص يعرف تماماً ما الذي يجب أن أفعله لكنه ليس متعاوناً بالقدر الكافي ولا ألومه، مسؤوليته تفرض عليه أن يجلس خلف مكتبه لإنهاء أعمال أخرى لا أن يصبح ساعي بريد لشخص مثلي لا يعرف كوعه من بوعه، في الحقيقة أعرف الكوع والبوع لكن مشكلتي أنني وقعت في دوامة سوء تفاهم بين أربعة موظفين من نفس المؤسسة لا يفصل بين هؤلاء وهؤلاء إلا أمتار قليلة وجدار.

أعطوني أوراقاً وطلبوا مني الذهاب إلى مكتب بعيد، ذهبت وهناك أخبرني صاحب المكتب أن ما أريده لا يمكن فعله ما لم أنجز كذا وكذا، فعدت لأخبرهم عن كذا وكذا هذه وعادت الدوامة لكن وصلت للنهاية هنا أو قل لبداية النهاية، أعني نهاية معاملتي في هذا اليوم فقط لأنني سأعود لإنهاء معاملات أخرى لاحقاً.

المعاملة تحتاج لأوراق كثيرة، الأخت الفاضلة التي تولت جمع كل ما تحتاجه المعاملة لم تقصر وأنجزت العمل بأسرع ما يمكن، بعد ذلك علي الذهاب للقاضي ثم لقسم آخر خارج المحكمة ثم عدت للمحكمة للحديث مع مؤسسة حكومية أخرى لديها مكتب هناك، باختصار كانت معاملة ورياضة أيضاً، الغريب أنني لم أكن في مزاج متشائم كعادتي في الماضي، مع كل ما حدث اليوم لم أشعر بالتضايق أو الغضب، بل كنت أكثر قول "خير، نعم، إن شاء الله، شكراً، جزاك الله خيراً" والأمور تسير كما أحب، السائق يقول لي "هذا بركة مال لحية" قلت له "هذا بركة مال فجر،" اللحية لا علاقة لها بأي شيء، أرجو عدم إقحام لحيتي في السياسة أو أي شيء آخر.

في المحكمة هناك دائماً فرصة لسماع قضايا الآخرين، رجل جاء بعدي يريد أن يرفع شكوى ضد ابنه، الابن عاق ويضرب والديه ويسبهما والأب لا يريده أن يبقى معهم في المنزل، كنت أسمع الموظفات يتحدثن عن عقوق الوالدين وكان عقلي يحدثني عن عقوق الآباء، مهما قال الأب فهو طرف واحد في هذه القضية، ما الذي جعل الابن يصل إلى درجة ضرب والديه وسبهما؟ ربما رفقاء السوء، ربما شيء آخر لم يخطر ببالي، وربما لم يتلقى الابن تربية في الصغر تعينه على بر والديه في الكبر، لا يمكنني أن أحكم وفي نفس الوقت لا يمكنني قبول تفسير بسيط كالذي تتحدث عنه الموظفات.

على أي حال، دخلت هناك في الساعة الثامنة والنصف وخرجت في الحادية عشر والنصف تقريباً، وقفت تحت الشمس أنتظر السائق لربع ساعة لأنه ذهب لتناول إفطار ولم يجد إلا أحد تلك المقاهي الراقية التي أعلم يقيناً أنه لا يحبها ويفضل عليها مطعماً هندياً يقدم شاي "الكرك" مع شيء من خبز البراتا، الوقوف في الحر والرطوبة أمر لا أحبه ويمكنني تحمله، كنت أنوي العودة للمنزل إلا أن علي إنهاء عملي في مؤسستين، الأولى في وسط أبوظبي ومطلة على شارع السلام المغلق، المواقف خلف البناية مزدحمة كالعادة، لم أتأخر كثيراً في إنهاء عملي فقد أحضرت كل شيء مطلوب، لا أدري لماذا أشعر برغبة في أن يشعر الموظف بخيبة أمل لأنني أحضرت كل الأوراق، للأسف لم يحدث هذا من قبل وإلا لكتبت عن الموظف قصة قصيرة.

في المؤسسة الثانية دخلت من البوابة الرئيسية لأسمع منادي خلفي، رجل أمن يطلب مني الدخول من البوابة الأمنية، لماذا إذاً هناك بوابات أخرى؟ أعطيتهم جواز سفري وأعطوني بطاقة زائر، دخلت المؤسسة ولم أجد أحداً هناك! لا مكتب استقبال ولا موظف يتنفس بصوت عالي، الرخام يغطي الأرض والجدران بألوان أرضية جميلة، الأحمر والأصفر وما بينهما، هناك سلالم عن اليمين وعن الشمال وأمامي مصاعد، لا لافتات ولا أي شيء يدل على أنني دخلت مؤسسة حكومية، جاء المنقذ رجل الأمن ليقول لي اذهب إلى الدور الأول إلى قسم كذا وكذا، فتح المصعد الباب لأرى الدور الأول ولم أجد إلا الفراغ.

اخترت أن أذهب إلى اليمين، هناك مساحة مغطاة بسجاد أزرق، مساحة كافية لوضع منزل صغير فيها مع ذلك لا يوجد فيها أحد، ما هذه المؤسسة؟ كنت أبحث عن أي شيء يتنفس لكي أطرح سؤالاً، كدت أن أخرج من الساحة الفارغة لكنني أخيراً رأيت رجلاً سألته عن القسم فدلني، على يسار المصعد هناك مساحة أخرى مماثلة لكنها تحوي بشراً يتحركون ويتكلمون، سلمت الأوراق اللازمة وانتهى عملي، كان الأمر بسيطاً لكن الفراغ وعدم وجود أشخاص كثر في مبنى كبير يترك انطباعاً يصعب نسيانه، انطباعاً ليس سلبياً ولا إيجابياً، مجرد استغراب من وجود مساحات كبيرة غير مستغلة يمكن لأي شخص أن يتوه فيها لأسابيع.

في الغد مزيد من المعاملات ومزيد من المؤسسات، أظن أن علي التوقف عن الكتابة عن المعاملات والمؤسسات فلم يعد لدي شيء أضيفه إلى ما يتكرر كل يوم، أنا بحاجة الآن لكوب شاي.

20 سبتمبر, 2009

المكيف من حقوق الإنسان

لا زلت أعجب كيف عاش الناس في الماضي بدون مكيفات، أتذكر كلام أبي رحمه الله عن الحياة في أبوظبي قبل النفط، يقول في الصيف وفي الرطوبة الشديدة يكتفي الرجال في منازلهم بلبس الإزار فقط لكن من شدة الحر وشدة الرطوبة يصعب على أحدهم النوم أو فعل أي شيء، ينام بعضهم فوق سطح المنزل أو بجانب الشاطئ، كثير من سكان المدينة رحلوا إلى مدينة العين حيث الجو ألطف قليلاً هناك.

تصور هذا الحر وهذه الرطوبة، تصور أنك تعيش لأشهر بدون مكيف، تصور أن كثيراً من الرجال خرجوا إلى البحر لأشهر يعيشون في سفن صغيرة وحياتهم هناك دائرة واحدة تتكرر كل يوم، الاستيقاظ في الفجر وفي العتمة والذهاب إلى الحمام، والبحر كله في ذلك الوقت يعتبر حماماً، ببساطة كانوا يجلسون على أطراف السفينة وينهي كل شخص ما يريد لا يفصل بين شخص وآخر سوى مسافة صغيرة، لكنهم في الظلام ولا يرون شيئاً.

في الصباح الباكر وبعد الصلاة هناك وجبة بسيطة، فناجين من القهوة وشيء من التمر ثم يبدأ الغوص بحثاً عن المحار ولا يتوقف حتى غروب الشمس، الغواصون يتبادلون الدور في الغوص ومن يجلس في السفينة يعمل على فلق المحار أو إعداد الطعام، قبل صلاة العشاء هناك وجبة من الرز والسمك الذي اصطادوه من البحر في ذلك اليوم، هذا السمك يتغذى على فضلات البحارة، وبعد ذلك صلاة العشاء ثم النوم استعداداً ليوم آخر مماثل، ثلاثة أو أربعة أشهر لا تتوقف وهم يدورون في هذه الدائرة.

في بعض الأحيان يصاب أحدهم بأمراض جلدية نتيجة الحر والرطوبة، حياتهم كانت تعباً وكفاحاً لا يمكن لأجيال ما بعد النفط أن يدركوا مدى قسوة الحياة في ذلك الوقت، أنا أكتب هذه الكلمات وأعلم جيداً أنني لا أستطيع تخيل مدى صعوبة الحياة في ذلك الوقت، مع أن مكيف غرفتي تعطل ولم تعد الغرفة باردة ومع أنني أكتب هذه الكلمات في جو حار إلا أنني أدرك أن الماضي كان أشد صعوبة وأشد قسوة لأسباب كثيرة.

منها أنني أستخدم مروحة استعرتها من أختي، في ذلك الوقت المراوح يدوية تصنع من سعف النخيل والكهرباء شيء لم يعرفوه إلا قبل عقود قليلة، ويمكنني الخروج من غرفتي إلى غرفة المعيشة حيث المكيف البارد الذي يعمل طوال الوقت، هناك أقضي وقتي في قراءة كتاب عن فضائع الحروب سألخصه في موضوع لاحق، كتاب من 1300 صفحة وأكثر وهو من الكتب التي تصعب قرائتها لا لحجمه بل للتفاصيل الكثيرة التي تثير الغضب والحزن، في الماضي المكيفات كانت نادرة جداً ولم تنتشرإلا بعد اتساع شبكة الكهرباء.

المكيف ببساطة أداة تجعلك تعيش في نعيم مؤقت إلى أن تخرج من المنزل أو العمل وتركب السيارة التي ستكون فرناً متحركاً لدقائق قليلة لكن مع وجود مكيف سيتحول الفرن إلى نعيم على عجلات أربع، تخرج من السيارة إلى الدكان مثلاً والمسافة التي تفصل بينك وبين باب الدكان أربعة أمتار، هذه أربعة أمتار من الجحيم ولعلها السبب الذي يجعل معظم الشباب لا يريدون النزول من سياراتهم أمام البقالة القريبة من منزلنا، لكن أنا أحسن الظن بهم أكثر من اللازم، في الشتاء تصبح بلادنا جنة والجو يكون رائعاً ومع ذلك لا يتعب الشاب نفسه بالخروج بل لديه استعداد لإزعاج الحي بأكمله من أجل أن يطلب زجاجة كولا، أود لو ألقي عليه محاضرة عن حقوق الإنسان وتاريخ الغوص على اللؤلؤ والأسباب الخمس التي تجبر أي شخص على تناول سمك يأكل من فضلات الناس.

أما الذين لا يملكون سيارة ويضطرون للاعتماد على الحافلات أو سيارات الأجرة فهؤلاء كان الله في عونهم خصوصاً في أشهر الحر، يخرج أحدهم من المنزل نظيفاً أنيقاً وينتظر سيارة أجرة لعشر دقائق كفيلة بأن تجعله يرغب في الاستحمام مرة أخرى، أما من يؤلمني حالهم فهم العمال الذين يعملون تحت الشمس طوال الوقت.

وزارة العمل لديها قرار بمنع العمل في أشهر الصيف من الساعة 12 أو 11 إلى الساعة الثالثة ظهراً، لكن هذا ليس كافياً، لأن شمس الصيف تصبح حارة من الساعة الثامنة أو التاسعة وتبقى كذلك إلى غروب الشمس، هل جرب أحد المسؤولين العمل في العاشرة صباحاً ولساعة واحدة فقط تحت الشمس؟ لا شك لدي بأنه سيدرك بأن القرار بحاجة لتعديل وأن العمل يمكن أن ينجز في الليل بدلاً من النهار وحتى في الليل لا يمكن الابتعاد عن الرطوبة والحر، على الأقل ليس هناك شمس تضرب الناس.

المكيف نعمة لا يدركها إلا من فقدها، وقد فقدت هذه النعمة مرات كثيرة في الماضي وفي كل مرة أشعر بالسعادة لأنني مضطر لعدم تشغيل الحاسوب ومجبر على القراءة، أتذكر أنني قرأت مذكرات الشيخ علي الطنطاوي رحمه الله في ثلاثة أيام وهي تأتي في ثمانية أجزاء، وقرأت غير ذلك من الكتب بدون انقطاع بسبب اضطراري للابتعاد عن غرفتي، والآن أحاول التهام كتاب ثقيل دفعة واحدة.

كثير من الأجهزة الحديثة لا ننتبه لها إلا عندما تتعطل، الثلاجة مثلاً من أكثر الأجهزة جودة ويمكنها العمل لسنوات طويلة، مع ذلك لا ينتبه لها أحد إلا عندما تتوقف عن العمل ويتعفن ما فيها من طعام، كذلك المكيفات لكنها أكثر عرضة للأعطال في رأيي لأنها تقوم بعمل أكبر وفي بيئة أشد قسوة، صحيح أن الجزء الداخلي من المكيف يعمل في جو بارد لكن الجزء الآخر أو ما يسمى "الكومبريسر" يعمل في الخارج في الحر والرطوبة.

مع كل ما قلته عن "نعمة" المكيف أجدني أفضل النوم بدونه وأستعجل الشتاء لكي أغلقه لأشهر، في البداية ليس هناك إزعاج من أي نوع والمكيف يقدم أنواع الإزعاج، فهو يعمل طوال الوقت وتسمع هديره ثم إذا توقف قليلاً عن التبريد وانخفض مستوى الهدير أسمع قطقطة البلاستيك الذي يتقلص ويتمدد بحسب عمل المكيف واجتهاده، ثم ليس هناك أي ضرر صحي، لا أدري ما هي مشاكل المكيف الصحية لكن لا شك لدي أنه يتسبب في بعضها، أتذكر جيداً ذلك الصباح الذي استيقظت فيه وظننت أنني بلعت سكاكين من شدة الألم في حلقي، المكيف قرر أن ينزل تبريده علي مباشرة أثناء نومي وقد رفعته قبل النوم.

على أي حال، يبدو أن الحر بدأ يؤثر علي فعلاً فلم أعد أذكر لماذا بدأت أكتب الموضوع وما الذي أريد أن أقوله، أبارك لكم العيد وأسأل الله أن يجعل أيامكم كلها عيداً، أتمنى لكم عيداً بمكيفات تعمل في كل حين.

18 سبتمبر, 2009

ملخص فيديو: Children Full of Life

هذا ملخص فيلم وثائقي عن فصل في مدرسة يابانية ومدرس متميز، إن كنت تجيد الإنجليزية فلا تقرأ التلخيص بل شاهد الفيلم بنفسك، ستختصر على نفسك بعض الوقت والفيلم ليس طويلاً، وهو يأتي مقسماً في يوتيوب إلى خمسة أجزاء:

إن كنت مضطراً لقراءة ملخصي فاستعد لموضوع طويل.

في أول ثوان من الفيلم الكاميرا تصور رجلاً يصعد سلماً ثم يتجه لفصل دراسي، أصوات الطلبة تعلوا وترحب به، إنه الأستاذ توشيرو كاناموري الذي دخل فصلاً في مدرسة يابانية ابتدائية في كانازاوا  في شهر إبريل، سنة دراسية جديدة للطلبة وهم فرحون بعودة أستاذهم إليهم، الأستاذ كاناموري درسهم في السنة الماضية وقد كانوا في الفصل الثالث وعاد إليهم وهم في الفصل الرابع، توشيرو يرفع كفيه للأعلى ليحيي الطلاب ويعطي لكل طالب وطالبة فرصة لفعل نفس الشيء وضرب كفوفهم الصغيرة على كفيه، كما نقول نحن بلهجتنا "كفك،" لكن هذا يحدث بين مدرس كبير في السن وطلبة في فصل ابتدائي.

عاد كاناموري إليهم كما كان من قبل، مرح وطيب وحازم، يسألهم الأستاذ "ما هو أهم شيء هذا العام" فتأتيه إجابة جماعية "أن نكون سعداء" يسألهم "لماذا نحن هنا" فيردون عليه "لكي نكون سعداء" يطلب منهم أن يقولوا "أو كاي" إن كانوا حقاً يعنون ما يقولون فيقولونها بصوت عالي، يخبرهم بأن لديهم حياة واحدة ولذلك عليهم الاستمتاع بها.

هدف الفصل الرابع هو أن يتعلم الطالب كيف يعيش حياة سعيدة وكيف يهتم بالآخرين.

في فصل الأستاذ كاناموري يقرأ الطلاب كل يوم رسائل كتبوها بأنفسهم في دفتر خاص أمام كل الفصل وبصوت عالي، هذه الرسائل تعبر عن ما يفكر به هؤلاء الطلاب وما يشعرون به، تذكر أنهم يفعلون ذلك وهم في العاشرة من العمر وفعلوا ذلك في العام الماضي، دفتر الرسائل عادة متبعة في فصل الأستاذ كاناموري.

في آخر أبريل عاد طالب يسمى رين إلى الفصل بعد غياب أربعة أيام، جدته توفيت، في دفتر رسائله كتب عن الموت والجنازة وفقدانه لجدته، زملائه كانوا قلقين عليه بسبب غيابه والآن يسمعون من رين نفسه سبب هذا الغياب وما حدث في الجنازة.

رسالته أثارت أحزان الآخرين في الفصل، طلب المدرس من الطلبة الذين فقدوا الجد أو الجدة أن يقفوا فوقف مجموعة منهم وبدأ كل واحد في الحديث عن تجربته، أذكرك بأنهم طلبة في العاشرة من العمر، أحدهم يقول بأنه يعرف كيف يشعر رين لأنه مر بنفس التجربة، طالبة لم تستطع إكمال الحديث وغلبها البكاء، الطالبة كانت تحتفظ بحزنها نصف عمرها، طالبة أخرى تحكي قصتها وهي تمسح دموعها، توفي أبوها وهي في الثالثة من العمر وتقول بأنها في ذلك العمر كانت تدرك أن الناس يموتون، كانت تريد كتابة رسالة عن حزنها لكنها لم تستطيع لأنها لا تريد أن تكون مختلفة عن الآخرين، رسالة رين شجعتهم على الحديث وبث أحزانهم للآخرين، رسالته جعلتهم يشعرون بالأمان فهم ليسوا لوحدهم الذين عانوا من هذه التجربة.

الأستاذ كاناموري تحدث بعد ذلك مخاطباً الفصل، "في هذا الفصل، من مر بأصعب تجربة؟" يسألهم ليجيب بأنها الطالبة التي فقدت أباها في صغرها، من الصعب أن يبقي المرء حزنه لنفسه، لذلك كان يتمنى أن تتحدث الطالبة عن أبيها وهو يعرف أنها ستشعر بتحسن إن تحدثت وأخبرت الجميع، ثم ذكر الفصل بأن رسالة رين هي التي أعطت الطالبة الشجاعة لكي تتحدث.

أحد الطلاب قاد المدرس إلى الحمام ليريه أن هناك طالب يبكي لوحده هناك، يو إينوموتو الطالب النشيط المبتهج ومحرك الفصل يتذكر وفاة جدته، يحدثه الأستاذ ويحاول أن يخفف عنه ويدعوه للذهاب لتناول الطعام.

يقول الأستاذ كاناموري "التعاطف هو أعظم شيء، هناك مقولة أحبها: 'أجعل الناس يعيشون في قلبك' الطلبة يخبروننا بقصصهم ويشاركوننا مشاعرهم، عندما ينصت الناس حقاً سيعيشون في قلبك إلى الأبد، هذا ما يعطي اهمية كبيرة لدفاتر الرسائل."

الطالبة التي فقدت أباها لديها شجاعة كافية الآن لإحضار صورة إلى الفصل، وهي الصورة الأغلى لديها، أباها كان مصمماً والصورة كانت آخر ما صممه، نموذج لاستعراض أو كرنفال، توفي والدها قبل بناء النموذج، أمها ذهبت إلى العرض لتشاهد النموذج لكنها خافت ولم تستطع، شكرها الأستاذ على هذه القصة واللوحة وصفق لها الفصل.

في الماضي لم تكن ترغب في أن تظهر بشكل مختلف، لكنها اليوم تنتمي للفصل أكثر من أي وقت سابق، يمكنها الآن الحديث عن والدها، يمكنها الآن أن تبتسم.

الأستاذ كاناموري يبلغ من العمر 57 عاماً ويؤمن بأن العالم يعطي للحياة قيمة أقل كل يوم، ويؤمن أن وظيفة المدرس أن يظهر كم هي حياتنا قيمة وغالية، المدرسون الآخرون يزورون فصله ليشاهدوا ويتعلموا، في فصل تعليم اللغة اليابانية يشرح المدرس حرفاً ويحاول أن يعطي أمثلة له من الحياة ويخبرهم لماذا يكتب الحرف بهذا الشكل، المدرسون المتميزون يربطون بين النظرية والحياة.

في منتصف الفصل الدراسي ظهرت مشكلة صعبة في الفصل، بعض الطلبة تعرضوا للمضايقة من زملائهم بسبب علاماتهم المتدنية، هذه مشكلة مؤذية ومدمرة للطلبة الذين يتعرضون للمضايقة والأستاذ يرى أن عليه التعامل معها الآن وإنهاء المشكلة فوراً.

في الفصل يخبر الطلبة بأن الأصدقاء لا يضايقون بعضهم البعض، عندما يضايق شخص ما شخصاً آخر فهو ليس بصديق، وزع على الطلبة أوراقاً تحويل نقاط نقاش للموضوع وطلب منهم التفكير بأصدقائهم والنقاش حول الموضوع للوصول إلى نتيجة.

دار حوار بين الطلبة وكان بمستوى لا بأس به، لكن الأستاذ كاناموري يريد أن يعترف من مارسوا التسلط على أصدقائهم ويريد منهم تفسيراً لفعلهم، لم يعترف أحد بشيء، كانوا يدورون حول الموضوع ويتحدثون بعموميات غير مفيدة، يسألهم الأستاذ إن كانوا يحاولون الاختباء خلف الكلمات الجميلة، يسألهم إن كانوا يظنون أنهم أولاد وبنات طيبون، يسألهم ما الذي يفقدونه في كلماتهم؟ يعنفهم "أنتم تلومون كل شخص إلا أنفسكم، من قال منكم 'أنا أخطئت' لا أحد، ضحكتم على شخص ما لأنه طالب ضعيف، أليس كذلك؟ وقلتم أيضاً 'أنت بحاجة لحمام' أليس كذلك؟ أو ربما سمعتم ذلك ونشرتم ما سمعتم، أنتم كاتبوا الرسائل لم تكتبوا أبداً عن هذا الموضوع" طلب منهم إعادة التفكير في الأمر وكتابة رسالة حول ذلك.

النقاش يستمر لأيام وببطء تظهر بعض الحقائق، فتاة كتبت رسالة تقول فيها أنها نشرت القصص  وأنه بالإمكان لشخص ما أن يوقف الأمر عند حده وهي تأسف أنها لم تفعل ذلك، فتاة أخرى تقول بأنها لم تكن تظن أنها تفعل شيئاً سيئاً، وتقول بأن الطلبة يدعون بأنهم يريدون أن يكونوا سعداء مع ذلك جعلوا طالبة ما حزينة بسبب ما قيل عن ضعف مستواها الدراسي.

استمر النقاش حتى في وقت الغداء، أخيراً تحدثت فتاة عن تجربتها كهدف لمن يمارس المضايقات ضد الطلبة الآخرين، أيامي ياماتا خاضت تجربة حين كان الآخرون يقولون بأن رائحها غير طيبة وأنها كانت تسمع هذا طوال الوقت، بسبب هذه التجربة تعلم أيامي كيف تشعر الطالبة الأخرى وتعلم كم هو مؤلم أن يضايقها الآخرون ويضحكون عليها، كانت هذه تجربة مؤلمة لدرجة أنها كانت خائفة من حماية شخص آخر، أيامي نادمة وتبكي بحرقة.

الأستاذ يحاول أن يخفف عنها ويطلب منها أن تتنفس بعمق، يقول للطلبة الآخرين أن أيامي تشعر بالحزن والوحدة وطلب منها ألا تفكر مرة أخرى بتجربتها، كلنا لديه جانب ضعف.

ينتقل الفيلم إلى مشهد آخر، الطلبة يلعبون مع أستاذهم في ساحة المدرسة الطينية، الطلبة يفرغون ضغطهم في اللعب والاتساخ كلياً بالطين، في أكتوبر هناك حدث كبير في الفصل، ثلاث فرق تتنافس في ما بينها لبناء طوف، أي أبسط وسيلة لإنشاء قارب بسيط، الطلبة يصممون الطوف ويأتون بالمواد ويبنونه بأنفسهم.

في الفصل الأستاذ كاناموري كان غاضباً على أحد الطلبة، نبهه أول مرة إلى عدم الحديث لكن يوتو لم يلتزم بأمر الأستاذ، طلب منه الأستاذ أن يأتي إلى مقدمة الفصل وبدأ بتعنيفه، يقول له بأنه يتحدث ويضحك في كل لحظة مهمة من المفترض أن ينتبه لها، وهذا ليس شيئاً جديداً فهو يفعل ذلك منذ شهر، يسأل الطلبة الآخرين إن كانوا يعلمون أنه زميلهم الطالي يفعل الخطأ فلماذا لم ينبهوه؟ أخبره المدرس بأنه لن يشارك في نشاط ركوب الطوف مع زملائه في الفريق، يوتو يبكي من كلام المدرس وقراره.

الصف لم يقبل هذا القرار من المدرس، يخبرهم المدرس بأن عليه تحمل المسؤولية، يو أناموتو صديق يوتو وعضو في نفس الفريق بدأ بالدفاع عن زميله، يخبر المدرس بأن يوتو عمل بجد حتى اليوم ثم طلب مساعدة الطلاب الآخرين لكي يساندوه، يقول بأن يوتو يستحق أن يعطى فرصة لكي يظهر بأنه يستطيع تحمل المسؤولية وطلب من المدرس أن يسمح له بركوب الطوف.

قال بأنه لا يستطيع هو والآخرون ترك يوتو لوحده في الفصل بينما هم يلعبون، هذا تحد خطير لسلطة قوية، يو كان خائفاً لكنه استمر في الدفاع عن زميله ورجى الأستاذ أن يعفو عن يوتو، المدرس طلب الاستماع لرأي آخر، طالبة قالت بأن يوتو عضو في الفريق وهم بحاجة له، ميوكا لم تستطع إكمال كلامها لبكائها - هناك كثير من البكاء في هذا الفيلم - زملائها سارعوا في مساندتها، طالب آخر يقول بأن يوتو كان عليه ألا يتكلم في الفصل كثيراً لكنه يقول بأن هذا جزئياً خطأهم أيضاً وليس خطأ يوتو لوحده ولا يمكنهم ترك يوتو لوحده فهذا ظلم وإن ترك لوحده سيجلس معه في الفصل، طالب آخر أيده وقال بأنه سيفعل نفس الشيء.

يو عاد للكلام، يقول بأن الطوف هو مشروع الطلاب لا المدرس، وبما أنه مشروعهم فهم من يملكون حق القرار، فإن لم يكن أحد من الطلاب يعترض سيذهب يوتو معهم ويشاركهم النشاط، يسألهم "ما رأيكم" فأيدوه بأن يوتو يجب ألا يترك في الفصل لوحده، يو ينحني مرة أخرى طالباً من الأستاذ أن يعفو عن يوتو.

"أحسنت الكلام يو!" كان رد المدرس، الطلبة يصفقون ليو الذي يمسح دموعه فهو مر بموقف صعب لا يقفه بعض الرجال.

في اليوم التالي يكتب يوتو مشاعره في دفتر الرسائل، "تسببت بكثير من المشاكل بالأمس، أنا آسف، أريد أن أشكر مايوكا لأنها وقفت معي وبكت من أجلي، ويو وكاسوكي بكيا لكنهم استمرا في الحديث شكر لكم، أريد أن أشكر كل من حاول إسعادي في طريقنا إلى المسبح، كان علي أنا أن أبكي كل تلك الدموع"

المدرس يتحدث بجانب البحيرة ويراقب الأطفال وهم يلعبون "الطلبة أنجزوا كل العمل، لا أستطيع حرمانهم منها بسبب شيء لا علاقة له بالطوف، الطوف لم يكن المشكلة، الأطفال قالوا بأن الحل يجب أن يكون مساوياً للمشكلة، وهم على حق تماماً، أنا متأثر فعلاً بما قالوه، حتى الكبار لا يمكنهم قول نفس الشيء، كلامهم كان كاملاً، حققوا انتصاراً كاملاً"

يو يتحدث "يوتو صديقي، نلعب الكاراتيه معاً، في بعض الأحيان يقودني للجنون لكنني وقفت مع صديقي" يوتو يتحدث للكاميرا "هل تذكر ما قاله المدرس؟ قال نحن نأتي إلى المدرسة لنكون سعداء، الكل يجب أن يكون سعيداً، إن كان هناك شخص واحد ليس سعيداً فالكل لن يكونوا سعداء" الصف الرابع أصبح شبيهاً بالعائلة.

شهر يناير، الفصل الدراسي الأخير، طلب من كل طالب أن يرسم نفسه على لوحة كبيرة، أن يرسم نفسه من الداخل والخارج، الجسم، العقل والروح، الطالب يستلقي على ورقة كبيرة ويرسم الطلاب له حدود جسمه ثم يمكنه أن يرسم تفاصيل نفسه على اللوحة، رسمة الطالب توباسا لا تشبه توباسا كثيراً، طلب منهم المدرس أن يساعدوه على رسم لوحة أخرى له.

في يوم ما طلب المدرس من الطلبة أن ينتبهوا جيداً لأنه سيقول كلاماً مهماً "توباسا غائب اليوم، لا أستطيع أن أعطيكم التفاصيل الآن، لكن أباه توفي فجأة صباح اليوم، وجدوه ميتاً على فراشه، لا بد أنه مات في نومه" قالت الطالبة التي فقدت أباها "تماماً كما حدث لأبي" فوافقها المدرس الذي أكمل كلامه "مفويوا قالت أن ما حدث لأب توباسا هو نفس ما حدث لأبيها، توفي أبوها وهي في الثالثة من عمرها، لا أريد أن يحدث ذلك لأي شخص آخر، لكن ليس هناك ثوابت في الحياة، لذلك من المهم التفكير في الحياة، أريدكم أن تسعدوا توباسا وتخففوا عنه آلامه"

يو مرة أخرى يتحدث للكاميرا "لا بد أن ما حدث له صعب، سنفعل ما بوسعنا لمساعدة توباسا" يو في رأيي سيصبح رجلاً، هو رجل الآن بأفعاله، ذهب يو مع ثلاثة من أصدقائه بعد المدرسة إلى منزل توباسا  وذهبوا بدراجاتهم الهوائية لتناول وجبة خفيفة.

في الفصل سيكتب كل طالب رسالة لتوباسا، بعد ثلاثة أيام توباسا يزور الفصل مع أمه، الجميع يرحب به عند باب الفصل ويخبرونه بأنهم سعداء لرؤيته، الأستاذ يدعو الأم لدخول الفصل فتدخل باكية وشاكرة لهم على ما فعلوه لإسعاد ابنها، يطلب المدرس الرسائل ويعطيها لتوباسا الذي يعده بقرائتها اليوم وسيعود غداً للدراسة.

مارس، بقي فقط عشرة أيام للصف الرابع في العام الدراسي، في العام القادم سيوزعون على صفوف مختلفة، لذلك يجب أن يكون مشروعهم الأخير مناسباً لنهاية عامين من الدراسة قضوها في فصل واحد، يو وصديقه وجدا فكرة مناسبة وعرضوها على الفصل.

يو يريد أن يكتب لأبي توباسا الراحل رسالة يخبره فيها أن توباسا سعيد وكيف أنه صديق مخلص، هذا ما يريد يو أن يقوله في الرسالة، في يوم كتابة الرسالة خرج الطلاب إلى الساحة وكل يحمل لوحاً خشبياً، سينهون عامين من الدراسة معاً بمشروع يتعاطف مع توباسا ومفويوا بأسلوب مبدع، سيكتبون رسالة ضخمة لأبويهما على ساحة المدرسة، كل طالب يكتب حرفاً واحداً، فعلوا ذلك ثم قرأوا الرسالة جماعياً.

اليوم الأخير من المدرسة، بعد سنتين من الدراسة معاً سيتفرق الفصل، الأستاذ كاناموري يلقي درسه الأخير ويذكرهم بالمعاني التي تعلموها في العامين الماضيين، لم يكن الطلبة يتصرفون دائماً بشكل جيد، لكنهم 35 طالباً في العاشرة من العمر، ربما يعرف هؤلاء الطلبة أشياء لا يعرفها أي طالب آخر حول الثقة، الاحترام والصداقة، ربما لن يكونوا سعداء طوال الوقت، لكنهم سيجدون طريق السعادة بعد عامين من التعلم على يد الأستاذ كاناموري.

انتهى.


أردت أن أكتب موعظة هنا، دروساً مستفادة من الفيلم لكنني رأيت أنني سأكرر كلاماً كلنا نعرفه، سأتمنى وسأتحسر وسأقارن وأتألم على حالنا، سأكتفي اليوم بالعرض، حاولت أن أترجم الفيلم بدقة بقدر استطاعتي، أتمنى أن تصل دروسه للجميع.

14 سبتمبر, 2009

حديقة العم ماساو

كان المقهى شبه خال في عصر ذلك اليوم، العاملتان تعدان القهوة والشاي وبعض الحلويات، في زاوية من المقهى يجلس سليمان الذي دخل المقهى في الساعة الخامسة إلا ربع وقد تأكد من ذلك عندما نظر لساعة المقهى وساعة هاتفه ثم ألقى التحية على العاملتين فهو زبون معروف لديهم، اختار طاولة في الزاوية لأنها مكانه المفضل ووضع هاتفه على الطاولة وكتاباً عن اليابان وجلس، بعد دقيقة وثلاث وعشرين ثانية جائت عاملة تحمل كوب القهوة التي اعتاد على طلبها كلما زار المقهى.

فتح الكتاب وبدأ يستمتع بالدقائق القليلة التي تفصله عن الساعة الخامسة، الكتاب يتحدث عن عادات وثقافة اليابانيين، سليمان مهووس بكل شيء ياباني ويحب أن يقرأ عنهم كل شيء وهو يتعلم لغتهم وينوي السفر إلى اليابان في العام المقبل، في الكتاب هناك قصة عن عامل في حديقة وسط مدينة طوكيو:
في كل صباح وبالتحديد في الساعة السابعة والنصف يأتي السيد المحترم ماساو إلى الحديقة لينظفها وينسقها ويرعى أشجارها، بدأ ماساو العمل في هذه الحديقة منذ ثلاثين عاماً ولم ينقطع يوماً واحداً عنها حتى في أيام مرضه، وبعد تقاعده أصبحت الحديقة مكانه المفضل وعمله الوحيد وتغير اسم الحديقة بين الناس ليصبح "حديقة العم ماساو."

جلست مع ماساو بعد أن مشينا في جولة تعريفية بأشجار الحديقة الصغيرة وأخبرني قصته "بدأت العمل في الحديقة بعد وفاة زوجتي العزيزة، كان ألمي عظيماً وكنت أفكر بالموت ولم أنجب منها، فلماذا أعيش ولمن؟ لكنني أعلم أن زوجتي لن ترضى أن أفعل ذلك بنفسي، عملي في وظيفتي لم يكن كافياً ليبعدني عن أحزاني فبحثت عن عمل آخر أقضي به بقية يومي ووجدت هذه الحديقة التي يديرها متطوعون من المدينة.

"الآلام ليست ملكي لوحدي فالناس كلهم يتألمون ويحزنون والحديقة مكان مناسب لهم لكي يبثوا آلامهم لأشجار والأزهار، زرعت شجرة كرز تذكاراً لزوجتي ووضعت لوحة هناك تقول 'استيقظ من الموت وعد للحياة' وهي للأحياء لا لمن رحلوا عن الحياة، فمن وصل إلى اليأس فهو شخص ميت وعليه أن يعود للحياة ليشاهد أزهار الكرز.

"في كل يوم أشاهد بعض الناس يجلسون في الحديقة لوحدهم ويتجرعون آلامهم، أحاول أن أجلس معهم وأخبرهم بقصتي وقصة الحديقة وأخبرهم عن شجرة زوجتي واللافتة هناك، أحاول أن أعيدهم للحياة فهم على وشك الرحيل عنها إن لم يخفف عنهم أحد آلامهم."

هكذا كسب ماساو محبة الناس وأصبح مصدر أمل لكثير منهم، تمشيت في الحديقة وتحدثت مع زوارها ...
رفع سليمان رأسه لينظر إلى ساعة الهاتف فوجدها الخامسة تماماً، أكمل قراءة الكتاب وأنهى كوب القهوة ليرفع رأسه مرة أخرى، الساعة الخامسة وعشر دقائق ولم يحضر أحد، في الساعة الخامسة وسبع عشر دقيقة دخل زبون آخر للمقهى ونادى سليمان بصوت عالي كأنه يدخل سوق سمك لا مقهى توجه إلى طاولة الزاوية وصافح سليمان وجلس.

"متأخر كالعادة" أول ما قاله سليمان لخالد، نظر إلى هاتفه "متأخر ربع ساعة تقريباً ... ودقيقتين أيضاً، أين كنت؟"

"لم تنتهي الدنيا إن تأخرت قليلاً" قالها وهو يعلم أن هناك محاضرة عن احترام الوقت ستأتي إن لم يتصرف بسرعة فرأى أن الهجوم خير وسيلة لإسكات الخصوم "ما الذي تقرأه؟" جر كتاب سليمان وقرأ العنوان وتصفحه بسرعة دون أن يلقي نظرة واحدة على أي كلمة، "اليابان؟ هل تريد أن تكون يابانياً؟ هل أفسدك اليابانيون وجعلوك تلتزم بالوقت أكثر من اللازم؟!" لم يعطي فرصة لسلميان لكي يرد "ثم هل تريد أن تتظاهر بأنك شخص مثقف؟ مقهى، كتاب، لم يبقى إلا الغليون ونظارة سميكة ووشاح صوفي تلفه حول رقبتك وستصبح عبد الحليم حافظ!"

"تقصد نجيب محفوظ يا ذكي!" جر سليمان الكتاب "ثم لا أذكر أنه كان يستخدم الغليون، وما مشكلتك مع احترام الوقت؟" لم يكن خالد يتوقع أي شيء آخر سوى أن يصر سليمان على إعادة اسطوانته القديمة حول احترام الوقت.

"سليمان، سمعت ما ستقوله لي عشرات المرات ولا أود سماعه مرة أخرى، أصبح الأمر مزعجاً، عليك أن تدرك أنني أنظر للدنيا ببساطة ولا أعقد الأمور كما تفعل، ما تطلبه منا هو التعقيد والالتزام بالمستحيل، التزم أنت بالوقت ودعنا نحن نفعل ما نريد، لكم دينكم ولي دين، لماذا تعقد الأمور؟"

وضع سليمان كتابه على الطاولة وأداره ليرى خالد العنوان وأشار لكلمة اليابان "هؤلاء الناس إن تأخر القطار عليهم دقيقة واحدة سيحصلون على رحلتهم مجاناً وسيسمعون اعتذاراً من مسؤولي القطار، الموظف لديهم يحضر قبل وقت الدوام بنصف ساعة أو أكثر،" لم يتوقف سليمان عن الكلام عندما سمع خالد يقول بصوت خافت "مجانين" فأكمل "حتى التسلية لديهم لها وقت محدد وقواعد محددة، هؤلاء تقدموا على جميع الأمم باحترامهم للوقت"

"أنت تتحدث عن اليابان، نحن في الوطن العربي، لاحظ أن المشكلة في 'العربي' وليس في 'الوطن' لأن العربي ليس يابانياً فلن نكون مثل اليابانيين، ثم أعطني فرصة لأطلب شيئاً" رفع يده عالياً وقال بصوت عالي مخاطباً العاملتين "وان إسبرسو بليز."

وصلت القهوة المركزة ولم ينتهي الحديث عن الوقت، سليمان جاء بأمثلة من الشرق والغرب ومن الماضي، خالد جاء بأمثلة معاكسة من الشرق والغرب وكذلك من الماضي، عند الساعة السادسة إلا خمس دقائق نظر خالد لهاتفه ورفع يده طالباً من سليمان أن يقفل فمه "أذان المغرب بعد 7 دقائق، لنذهب إلى المسجد فالطريق سيأخذ منا خمس دقائق تقريباً."

بعد الصلاة عادا لطاولة الزاوية، خالد طلب مزيداً من "الإسبريسو" وسليمان يفضل القهوة الخفيفة مع قطعة كعك صغيرة، "هاك مثال آخر" قال سليمان وهو يتصفح كتابه "لا يمكن لأي زبون أن يدخل المحل قبل وقت الافتتاح ولو بدقيقة واحدة حتى لو كان هذا الزبون هو وزير ياباني أو حتى رئيس الوزراء"

"أرى أن الشقيري أثر عليك فعلاً" قالها خالد وهو يهز رأسه مستهزئاً "لكن حالك انقلب قبل أن يعرض الشاب خواطره، ما الذي حدث لك؟ ما الذي أفسدك وجعلك ملتزماً بالوقت أكثر من اللازم؟!" كان يبتسم لسخريته "ثم ما قصة التركيز على رئيس الوزراء؟ أتريد من رؤساء وزرائنا أن يتسوقوا بأنفسهم ليمنعهم صاحب المحل من الدخول قبل الوقت المحدد؟ أهذه قلة الأدب التي تتعلمها من اليابانيين؟!" ضحك خالد هنا على وشاركه سليمان الضحك، صحيح أن هناك خلاف في وجهات النظر بينهما لكنهما يتفقان على ذوقهما في النكت السياسية.

أنهى خالد كوب القهوة الصغير ونظر لساعة المقهى فوقف مسرعاً "إلى أين؟" يسأله سليمان، "اتفاقنا يقول إلى الساعة السابعة والنصف" خالد وصل إلى الباب ثم التفت إلى سليمان "هناك مباراة في الدور الأوروبي، علي أن أسرع لكي أصل في الوقت المناسب، هذا الدوري الأوروبي" قالها ليؤكد أن المباراة تستحق أن تشاهد من أولها لآخرها وخرج.

11 سبتمبر, 2009

انتهى دوري وهذه ملاحظاتي

أخيراً انتهيت من مهمتي كحكم في مسابقة أربيسك لأفضل المدونات العربية، أجمل ما في لوحة التحكم الخاصة بالمسابقة هو ذلك العداد التنازلي الذي يخبرني بعدد المواقع المتبقية والتي يجب أن أقيمها، استمتعت برؤية مدونات جديدة وقراءة أصوات مختلفة وسأكتب عن بعضها في موضوع لاحق بعد انتهاء المسابقة، أما في هذا الموضوع سيكون كلامي عاماً، لدي مجموعة من الملاحظات أتمنى أن تكون مفيدة.

عندما أزور أي مدونة أقرأ في البداية مجموعة من المواضيع وأتصفح عدة صفحات لأكون انطباعاً عن المدونة، في بعض الأحيان تكون الصفحة الأولى ظالمة للمدون لأنها تحوي في وقت التقييم مواضيع خفيفة وعند الانتقال إلى الصفحة الرابعة أو الخامسة أجد مواضيع مفيدة أكثر أو مواضيع أفضل مما رأيته في الصفحة الرئيسية.

أبحث عن صفحة "من أنا" أو ما يمثلها أقرأ تعليقات الزوار وردود المدون، انظر في التصميم لأرى إن كان يحوي أي تشويش ثم أحاول أن أعطي تقيمي للمدونة، بعض المدونات لا تحتاج لوقت طويل لفعل ذلك وهذه في الغالب مدونات لم تحصل على تقييم عالي، مدونات أخرى تحتاج لوقت أطول وهذه غالباً تحصل على علامة عالية، وهناك مدونات لم تحصل إلا على أقل درجة ممكنة لأنها ليست متوافقة مع قوانين المسابقة وبعضها توقف وحتى بعضها لم يعد لها وجود على الشبكة.

هناك مدونات جديدة واعدة، لكن دخولها المسابقة مبكراً يحرمها فرصة التنافس، فمثلاً مدونة بثلاث مواضيع رائعة لا يمكنها أن تنافس مدونة بعدد كبير من المواضيع المفيدة، كان من المفترض على أصحاب المدونات الجديدة أن ينتظروا بضعة أشهر ليشتركوا في أي مسابقة أخرى أو على الأقل يكتبون مزيداً من المحتويات لأن بضعة من المواضيع لا تكفي للحكم على أي مدونة.

في بعض الأحيان تمر علي مدونات لا تعجبني، أجد فيها ما لا أوافق عليه وما يجعلني غالباً أخرج من المدونة، مع ذلك حاولت بقدر الإمكان أن أبعد رأيي عن الموضوع وأحاول أن أقيمها بحسب المعايير، هل المحتوى مفيد؟ هل التصميم واضح ويخدم المحتويات؟ بمعنى آخر أحاول بقدر الإمكان أن أكون منصفاً لكنني لا أشك أنني وقعت في خطأ ما هنا أو هناك وهذه طبيعة بشرية لا يمكن الهروب منها.

الفقرة السابقة ضرورية لأنني أعلم جيداً أن بعد الإعلان عن المدونات التي تجاوزت المرحلة الأولى سنرى من يشتكي الظلم وكيف أن الحكام يحابون، القصة نفسها تتكرر مع كل مسابقة أخرى، أتمنى أن أكون مخطئاً هنا.

أول ملاحظاتي هي الملفات الصوتية أو الفيديو الذي يعمل تلقائياً بمجرد زيارة المدونة، كنت أقيم المدونات وأنا أضع سماعات على أذني لأنني توقعت شيئاً مثل هذا وقد صدقت توقعاتي لكن هناك عنصر مخاطرة كأن يأتي صوت أغنية ما قوياً وفجأة فأرمي بالسماعات بعيداً وقد حدث هذا مرة وتعلمت الدرس، وضعت السماعات أمامي ورفعت صوتها لأعلى درجة، يمكنني بهذه الطريقة أن أعرف إن كانت المدونة تضع ملفاً صوتياً لأنني أستطيع سماعه من السماعة حتى وهي على الطاولة.

لماذا يضع المدونون هذه الملفات؟ هي مزعجة بشكل لا يمكنني وصفه - بالنسبة لي على الأقل - ثم أليس من الأفضل أن تترك الاختيار للزائر؟ المشكلة عندما أفتح صفحتين أو أكثر من نفس المدونة أسمع نفس الملف يتكرر بعدد صفحات المدونة، بعضهم يضع موسيقى رومانسية جداً وآخر أغنية نكدية عن أحوال الناس وثالث أغنية عاطفية وهناك من يضع تلاوة من القرآن، ما الفائدة من كل هذا؟ أنا أزور مدونتك لأقرأ كلامك لا لتسمعني شيئاً أنتجه غيرك، عندما أريد أن أستمع لشيء في مدونتك ليكن هذا اختياري لا شيئاً يفرض علي فور دخولي للمدونة.

من ناحية أخرى، الملفات الصوتية تبدو فكرة شقية لدي، تصور مثلاً أنك تدخل مدونتي هذه وتسمع صوتاً جهورياً عالياً لمغني أوبرا يقول "لااا" لمدة دقيقة ونصف ثم تسمع تصفيقاً حاداً من جمهور لا تراه، أو ربما مقطع من الرسوم المتحركة السنافر يقول "سأقضي عليهم ولو كان ذلك آخر عمل في حياتي ... موهاهاها" لكن سيكون الأمر مزعجاً جداً، من يدري لعلي أفعلها كدعابة ثقيلة الدم لبعض الزوار فقط.

ملاحظتي الثانية بسيطة، بعض المدونات تعرض مواضيع قليلة جداً في الصفحة الأولى وبعضها يكتفي بموضوع واحد، من الأفضل أن تعرض على الأقل 10 مواضيع، مدونتي هذه تعرض 15 موضوعاً، مدونة الطريق الأبسط ستعرض 50 موضوعاً قبل أن تختفي المواضيع القديمة في الأرشيف، من المفترض أن يستطيع الزائر قراءة ما يكفي من المواضيع من الصفحة الأولى دون الحاجة للانتقال إلى صفحات أخرى، والأمر يعتمد على طول المواضيع، فمثلاً مدونة الطريق الأبسط مواضيعها قصيرة لذلك اخترت أن أعرض 50 موضوعاً، مدونتي هذه مواضيعها تحوي مزيداً من الكلام وبعضها يحوي أكثر من 1000 كلمة لذلك 15 موضوعاً في الصفحة الرئيسية ستكون كافية للزائر.

التصميم هو ملاحظتي الثالثة وهي الملاحظة الأهم في رأيي، بعض المدونات تفسد محتوياتها بالتصميم أو لأقل بعدم وجود شيء يسمى تصميم، ما أراه في بعض المدونات هو بعثرة الأشياء بدون أي ترتيب ومن بين هذه الأشياء قد ترى صدفة موضوعاً يستحق القراءة، من المؤسف فعلاً أن هناك مدونات متميزة بمحتواها أفسدت على نفسها بتصميم فوضوي يحوي كل أنواع التشويش ولهذا السبب حصلت على علامات متوسطة أو حتى متدنية في حين أن تعديلات بسيطة على التصميم كفيلة بمعالجة معظم المشاكل والحصول على علامات أعلى.

هناك مثلاً مدونات تضع صورة خلفية تشوش على المحتويات، أو صورة خلفية متحركة، يا أخوة ويا أخوات ... أيها الشعب الصامد في كل وطننا العربي، أذكركم بأننا في عام 2009 وليس 1998، من المفترض أننا تجاوزنا مرحلة "الصور الخلفية التي تشوش على المحتوى" بل وأصبحت "الصور الخلفية المتحركة" مجرد أسطورة شعبية من قديم الزمان نحكيها لأطفالنا، إن كنت سأضع قواعد هنا فقاعدتي الأولى تقول: لا للصور الخلفية، قاعدتي الثانية: أعلم أعلم .... هناك استثناءات ومنها مدونتي هذه! كم أكره "لكن."

ثم هناك ظاهرة الخطوط الحمراء أو الزرقاء الكبيرة، وهناك ظاهرة الخطوط الوردية الفاتحة التي يصعب قرائتها، ما مشكلتكم مع اللون الأسود؟ ما المشكلة أن يكون الكلام مصفوفاً بطريقة مرتبة ومملة كما أفعل هنا في مدونتي وكما يفعل كثير من المدونين؟ هناك قواعد للإملاء والنحو وتنسيق النص، يمكنك بالطبع تجاوزها كما تريد، إذا أردت أن تصل كلماتك للآخرين فلا بد من أن تلتزم بهذه القواعد، وهي ليست عوائق أو قيود على الإبداع بل وسائل تساعدك على إيصال رسالتك.

وبعد ذلك تأتي الإعلانات، لماذا يضع البعض إعلانات كثيرة في مدونته؟ من الأفضل وضع مساحة واحدة للإعلان بدلاً من تقسيمها على 6 إعلانات، إذا كان لديك 6 إعلانات فحاول أن تجعل ظهورها عشوائياً لكل زائر، صحيح أن كل زائر سيرى إعلاناً واحداً لكنه سيكون مختلفاً في كل زيارة، وأرى أن فرصة الإعلان الواحد أكبر لأن الزائر لديه وقت للانتباه لشيء واحد لكن انتباه سيكون قصيراً لستة أشياء خصوصاً إن كانت هذه الأشياء إعلانات لا علاقة لها بما يريده في المدونة.

مدونات جيران تميز نفسها هنا بأن تضع إعلاناً فوق المحتويات التي يفترض أنني أريد قرائتها، لذلك أنصح مستخدمي مدونات جيران بالانتقال لخدمة أخرى لا تفعل ذلك، من المفترض ألا تقحم الخدمة إعلانات لم يضعها المدون وربما لا يوافق عليها.

أما ما يزعجني حقاً هو النص المتحرك، الإعلانات المتحركة، الصور المتحركة، أنا عدو لكل شيء متحرك، أكرهها بشغف! في الحقيقة لا أكرهها إلى هذا الحد لكنني أتضايق منها ولا أفهم منطقها، إن كانت المحتويات هي الأهم لماذا يريد صاحب الموقع أن يشوش علي ويبعدني عن الأهم لأركز على ما هو أقل أهمية؟ وضع الأشياء المتحركة في المواقع لا يختلف كثيراً عن توظيف مهرج يمارس ألاعيبه خلف محاضر يقدم محاضرة مفيدة، كما يقول إخواننا في مصر "أدي دأني لو انتبهت للمحاضر،" بالمختصر المفيد، إذا أردت من زوارك أن ينتبهوا لما تكتب فعليك أن تتخلى عن فكرة وضع أي شيء متحرك، كان نصاً أو صورة أو فيديو أو أي شيء آخر.

ثم ما حكاية بحيرة السمك الافتراضية؟ في كثير من المدونات وخصوصاً مدونات بلوغر أجد في العمود الجانبي ملف فلاش يحوي أسماكاً يمكنني أن أطعمها، ما الفائدة من هذا؟ أعلم أنها مسلية لعشر ثواني لكنها مجرد تشويش آخر.

في الحقيقة ستكون مسلية جداً لو كان بإمكاني سرقة أسماك المدون ووضعها في بحيرتي الافتراضية، أو ربما سرقتها لبيعها أو تجفيفها على حبل افتراضي! يمكنني أن ألعب هذه اللعبة ويمكنك أن تتخيل عناوين بعض مواضيع المدونات "المهيري سرق أسماكي وجففها ... تباً له!"

الأهم من كل هذا هو المحتوى، اسئل نفسك كل يوم هل يمكن تحسين مستوى المحتويات في مدونتي؟ والإجابة ستكون دائماً وأبداً: نعم، كيف تفعل ذلك؟ بالقراءة وتنوعها، بقراءة محتويات مدونتك التي نشرتها قبل أشهر ومحاولة إيجاد مواضع الخلل وما يمكن تحسينه، بأن تسأل زوار مدونتك عن كيفية تحسين مستوى المدونة، هناك طرق كثيرة.

المحتوى هو الملك، المحتوى هو كل شيء، المدونة التي تريد تقديم شيء للآخرين يجب أن يكون محتواها مختلفاً ويتحسن مع الوقت، لا أن يكون منقولاً ولا يكون تكراراً لما يقوله الآخرون، أريد أن أسمع صوتك أنت أيها المدون لا صوت المنقول.



ملاحظة لا علاقة لها بالموضوع: من خلال خدمة ياهو بايبس يمكن جمع أكثر من ملف RSS في ملف واحد وهذا ما فعلته مع مدوناتي، لا حاجة للاشتراك في ثلاث مدونات.