أول مرة زرت فيها مدينة العين كانت قبل ما يزيد عن عشرين عاماً، كنت في السابعة أو الثامنة من عمري ولا أذكر كثيراً من التفاصيل، ذهبت مع أمي في سيارة جيراننا، الطريق كان طويلاً ومملاً إلا عندما طلبت أمي أن أردد خلفها دعاء لأننا نمر بجانب مقبرة، في ذلك الوقت المقبرة لها دلالات غامضة كثيرة فهي أرض الأموات وهي من ما شاهدته في التلفاز أرض للأشباح وهي مكان مخيف لأن بعض الأموات يخرجون من قبورهم ليلاحقوا الأحياء، أفكار كثيرة زالت مع الأيام.
في العين وصلنا إلى بيت لا أذكره، طلبت مني أمي أن أذهب للمسجد القريب لأصلي العصر ففعلت، وأنا عائد من المسجد رأيت عصابة من الأطفال يزيد عددهم عن العشرين، أحاطوا بي وبدأوا يحققون معي فأنا شخص غريب عنهم وهم كما يبدو عينوا أنفسهم مراقبين للحي الذي يعيشون فيه ولا بد من استجواب أي دخيل عليهم، من أنت؟ من أين أتيت؟ إلى أين ستذهب؟ كنت خائفاً لكنني لم أبين ذلك لهم، أحدهم يستهزأ من أذني الكبيرتين، نعم كانتا كبيرتين وبارزتين في ذلك الوقت، كنت أسمع تسميات عديدة بسببها: الفأر، الفيل، رادار ... إلخ.
هذا كل ما أذكره من أول زيارة، عائلتنا لم تكن تذهب للعين ولا زالت، كنا نذهب لدبي كثيراً بينما بعض الزملاء في الفصل يتحدثون يومياً عن زيارة العين ويذهبون لها فعلياً كل أسبوع، بعد ذلك زرتها في رحلتين لنادي تراث الإمارات وعبرتها نحو عمان في رحلتين إلى صلالة ومرة إلى البريمي، أظن أن هذه كل زياراتي إلى العين قبل اليوم.
أول شيء لاحظته في ذلك الوقت أن مدينة العين مسطحة لا ترى فيها بنايات عالية وهذا أعجبني كثيراً، ثم اللون الأخضر الذي تراه في كل مكان، الأشجار على أنواعها تحيط بك فتنسى أنك في وسط الصحراء وأنك لو مشيت قليلاً خلف الأشجار سترى كثبان الرمل عالية وجميلة كما كانت منذ عرفها الإنسان، هناك شيء في كثبان الرمل يجعلها تسكت أي لسان فلا شيء يمكنه أبداً أن يعبر عن مشاعر الشخص وهو يرى الرمال على مد البصر، صغير أنت أيه الإنسان في هذا البحر، ضعيف إن كنت مضطراً للعيش هناك فضياع الماء ليومين قد يقتلك، على قسوتها إلا أنها جميلة إلى حد لا يمكنني وصفه، ليتني لو كنت شاعراً لكتبت قصيدة بدلاً من مقالتي هذه.
أتذكر الدوارات والشوارع غير المزدحمة، أتذكر الجو اللطيف في الشتاء والمحرق في الصيف، أتذكر مسرحية عرضت على مسرح جامعة الإمارات في حفل لاستقبال المستجدين في الجامعة، أتذكر مدينة ألعاب الهيلي التي لم أتجرأ فيها على ركوب قطار الموت - كما يسمى - وأتمنى الآن أن أفعل ذلك وسأفعل إن زرتها مرة أخرى.
اليوم زرت العين لإنهاء معاملة بسيطة، نعم هناك حديث عن المعاملات سيأتي لذلك وجب التحذير، المهم أنني وجدتها كما عرفتها، خضراء مسطحة وجميلة، أشعر بالراحة في هذه المدينة وهي مكان يمكنني أن أعيش فيه أكثر حتى من مدينة أبوظبي أو دبي، فمدينة دبي أصبحت بالنسبة لي مكاناً لا أريد زيارته إلا للضرورة القصوى أو للعبور نحو الشارقة وما بعدها، أما أبوظبي فهي تسير في نفس خطوات دبي، الزحام يزداد، الشكوى من المواقف لن تتوقف، المشاريع الكبيرة تظهر هنا وهناك، وفي كل مساحة فارغة يبدو أنهم يزرعون البنايات الطويلة، يضعون قليلاً من الماء لتظهر بناية بعد أشهر.
لم أجد هذا في العين، المدينة لم تتغير كثيراً في نظري بل تحسنت، هناك أنفاق أسفل بعض الدوارات تسهل وتسرع عملية مرور السيارات، لا حاجة لإشارات ضوئية، اللون الأخضر انتشر أكثر وأكثر بل ووصل إلى البيوت، لاحظت عدداً كبيراً من البيوت الملونة باللون الأخضر الفاتح مع أخضر غامق على بعض الأطراف، تذكرني الألوان بمسجد أبي رحمه الله.
ونحن في طريقنا إلى العين لاحظت أن البيوت والمزارع لم تغب عن أنظارنا كثيراً، في الماضي أتذكر أن الطريق كان خالياً لكن الآن هناك بيوت كثيرة نمر عليها وكل منطقة تمتد كيلومترات عديدة، ثم تأتي المزارع ومن بعدها مزيد من المنازل، اللون الأخضر على جانبي الطريق دائماً، قبل العين بقليل رأيت تلاً رملياً عالياً ظننت أنه جبل من بعيد، تمنيت لو أنني أخذت معي كاميرا التصوير لكي أتوقف وألتقط صورة للتل لأنني متأكد أنها ستكون صورة جميلة، اللون الأحمر مع لون السماء الأزرق، صورة لا أمل منها، سبحان الخالق.
في طريقنا إلى المؤسسة الحكومية التي أريد إنجاز المعاملة فيها كنت أنظر إلى يميني لكي أشاهد جديد المدينة، محلات قديمة يتبعها مركز تسوق صغير، مدرسة بسور عالي وفوق السور أسلاك شائك وطالب يقفز من فوق السور! هكذا كانت لقطة سريعة أضحكتني، الطالب يهرب كما يبدو إلى عالم الحرية، فالسور والأسلاك جعلت المدرسة تبدو كسجن حقيقي، المفاجأة بالنسبة لي كانت عندما رأيت اسم المدرسة "زايد الثاني" وهو نفس اسم مدرستي الإعدادية التي مارست فيها ما يكفي من محاولات الهروب الناجحة دائماً.
كنت محترفاً في الهروب من المدرسة، كان زملائي في الفصل يخططون لهروبهم وكنت ببساطة أخرج من المدرسة بدون أي مشكلة، كانوا يتسلقون السور بخوف شديد وكنت أخرج من الباب الرئيسي ببرودي المعتاد، ومرة ساعدتهم ولم يصدقوا أنفسهم عندما طلبت منهم أن يخرجوا من الباب، هم لم يكونوا يفكرون بالموضوع بشكل منطقي، الباب هو المكان الأخير الذي تراقبه إدارة المدرسة والمكان الذي لا يشكون أنه سيستخدم للهروب فهم اعتادوا على أن الطلبة يهربون بتسلق السور، لذلك من المنطقي أن أستخدم المكان الذي يحصل على أقل قدر من المراقبة بل أفعل ذلك وأنا واثق من نفسي فأسلم على حارس المدرسة وأسأل عن حاله قبل أن أخرج، ليتني وظفت هذا العقل في القراءة في ذلك الوقت بدلاً الألعاب والهروب من المدرسة.
لست نادماً على ما فعلته في المدرسة، ما يجعلني أندم فعلاً أنني لم أبدأ القراءة جدياً إلا بعد مرحلة الإعدادية، عندما أصبحت في السابعة عشر من عمري.
عودة إلى العين، عندما خرجت مبكراً من المنزل كنت أنوي العودة في العاشرة والنصف صباحاً لكنني عدت متأخراً أربع ساعات ونصف، في المؤسسة الحكومية بدأت قصة "إذهب إلى هناك، لا ليس هنا إذهب إلى هناك" ووصلت إلى مكتب الرجل المسؤول فطلب مني أن أنتظر نصف ساعة أو ساعة على الأكثر لينجز عملي، لا مشكلة، خرجت وذهبنا إلى أرض سكنية يملكها أبي رحمه الله، الأرض خالية ويحيط بها بيوت أناس أعرفهم، يخبرني السائق عن هذه البيوت فهذا بيت فلان وهذا بيت فلان، وخلفها بيوت فلان وفلان، كل من ذكرهم يعيشون في أبوظبي وفي نفس المنطقة.
ذهبنا إلى مسجد قريب فوجدت أن من موله رجل نعرفه ويعيش في أبوظبي أيضاً، ثم رأيت مزيداً من المنازل هناك وخلفها رأيت وادياً جافاً، ما إن أشرت له حتى أخبرني السائق أن هذا الوادي يجري بالماء في موسم المطر، تصور نهراً في وسط الصحراء على ضفة هناك بيوت وفي الضفة المقابلة كثبان رملية كالجبال، أود أن أعيش هناك في موسم المطر لأرى جريان هذا الوادي.
بعد الجولة التعريفية وبعد كوب من الشاي وحبة تمر عدت للمؤسسة الحكومية، لم ينتهي الرجل لكنه لم يتأخر سوى دقائق وأحضر لي الورقة وطلب مني أن أنوقعها من مدير الإدارة لكنه تذكر أن المدير في اجتماع وطلب مني الذهاب إلى مكتب آخر، في ذلك المكتب جمع من الموظفين يتحدثون، أحدهم أخبرني أن المدير في اجتماع فقلت له "وراي خط" أي أن علي قطع طريق طويل بين العين وأبوظبي وأنا بحاجة للعودة سريعاً لكي أذهب بالورقة مباشرة إلى مؤسسة ما في أبوظبي، لكنه لم يساعدني بأي شكل.
علي الانتظار مع آخرين ينتظرون المدير وكل ما يبحثون عنه هو توقيع يتيم، خرج المدير من الاجتماع وهذه أول مرة أواجه عذر "المدير في اجتماع" الرجل يبدو عليه التواضع، عدم مبالاة الموظفين بهؤلاء الذين ينتظرون المدير رسمت صورة مغايرة لدي، كانوا يمشون في الممرات ويتحدثون ويضحكون ويلقون بالنكت هنا وهناك ولم يتعب شخص ما نفسه بأن يأخذ أوراق الناس ليدخلها إلى المدير، على أي حال حصلت على التوقيع ثم على الختم وأنتهى الأمر، تمنيت لو أن المؤسسة الحكومية كانت جميلة في تعاملها مع الناس فتكتمل الصورة لدي، مدينة جميلة لا تستحق إلا أن تقدم مؤسساتها أفضل وأسرع الخدمات.
من المفترض أصلاً ألا أحتاج للذهاب إلى العين، من المفترض أن ينجز العمل هنا في أبوظبي، ومن المفترض في المستقبل القريب ألا أحتاج إلى الذهاب إلى أي مؤسسة أخرى فإن أردت إنجاز عمل ما فعلى الدائرة أن تكون مربوطة إلكترونياً بالدوائر الأخرى فتطلب ما تريد من معلومات وأنا جالس في مكاني، ومن المفترض أن يكون هناك موظف واحد يتولى مسؤولية معاملتي من الألف إلى الياء فلا أقوم من الكرسي إلا وقد انتهى عملي، من المفترض في المستقبل القريب ألا أحتاج للذهاب إلى المؤسسات لإنجاز معظم المعاملات البسيطة والمتكررة بل يمكن فعل ذلك بالبريد أو إلكترونياً من خلال المواقع ... من المفترض.
العين مدينة يرتاح قلبي فيها، أشعر أنني في الإمارات بمجرد رؤية أسماء المناطق، المويجعي، الساد، اليحر، الجاهلي، الصاروج، الهيلي وغيرها، من زار الإمارات ولم يزر العين فعليه أن يفعل ذلك، لا تبعد عن دبي أو أبوظبي إلا ساعة ونصف بالسيارة ويمكن الوصول لها مباشرة بالطائرة، هناك شيء مختلف في هذه المدينة لا أعرف كيف أصفه، باختصار أن معجب بهذه المدينة وأتمنى أن تبقى دائماً كما هي، مسطحة وخضراء وجميلة وبعيدة عن المشاريع التي جعلتني لا أحب زيارة دبي.
في العين وصلنا إلى بيت لا أذكره، طلبت مني أمي أن أذهب للمسجد القريب لأصلي العصر ففعلت، وأنا عائد من المسجد رأيت عصابة من الأطفال يزيد عددهم عن العشرين، أحاطوا بي وبدأوا يحققون معي فأنا شخص غريب عنهم وهم كما يبدو عينوا أنفسهم مراقبين للحي الذي يعيشون فيه ولا بد من استجواب أي دخيل عليهم، من أنت؟ من أين أتيت؟ إلى أين ستذهب؟ كنت خائفاً لكنني لم أبين ذلك لهم، أحدهم يستهزأ من أذني الكبيرتين، نعم كانتا كبيرتين وبارزتين في ذلك الوقت، كنت أسمع تسميات عديدة بسببها: الفأر، الفيل، رادار ... إلخ.
هذا كل ما أذكره من أول زيارة، عائلتنا لم تكن تذهب للعين ولا زالت، كنا نذهب لدبي كثيراً بينما بعض الزملاء في الفصل يتحدثون يومياً عن زيارة العين ويذهبون لها فعلياً كل أسبوع، بعد ذلك زرتها في رحلتين لنادي تراث الإمارات وعبرتها نحو عمان في رحلتين إلى صلالة ومرة إلى البريمي، أظن أن هذه كل زياراتي إلى العين قبل اليوم.
أول شيء لاحظته في ذلك الوقت أن مدينة العين مسطحة لا ترى فيها بنايات عالية وهذا أعجبني كثيراً، ثم اللون الأخضر الذي تراه في كل مكان، الأشجار على أنواعها تحيط بك فتنسى أنك في وسط الصحراء وأنك لو مشيت قليلاً خلف الأشجار سترى كثبان الرمل عالية وجميلة كما كانت منذ عرفها الإنسان، هناك شيء في كثبان الرمل يجعلها تسكت أي لسان فلا شيء يمكنه أبداً أن يعبر عن مشاعر الشخص وهو يرى الرمال على مد البصر، صغير أنت أيه الإنسان في هذا البحر، ضعيف إن كنت مضطراً للعيش هناك فضياع الماء ليومين قد يقتلك، على قسوتها إلا أنها جميلة إلى حد لا يمكنني وصفه، ليتني لو كنت شاعراً لكتبت قصيدة بدلاً من مقالتي هذه.
أتذكر الدوارات والشوارع غير المزدحمة، أتذكر الجو اللطيف في الشتاء والمحرق في الصيف، أتذكر مسرحية عرضت على مسرح جامعة الإمارات في حفل لاستقبال المستجدين في الجامعة، أتذكر مدينة ألعاب الهيلي التي لم أتجرأ فيها على ركوب قطار الموت - كما يسمى - وأتمنى الآن أن أفعل ذلك وسأفعل إن زرتها مرة أخرى.
اليوم زرت العين لإنهاء معاملة بسيطة، نعم هناك حديث عن المعاملات سيأتي لذلك وجب التحذير، المهم أنني وجدتها كما عرفتها، خضراء مسطحة وجميلة، أشعر بالراحة في هذه المدينة وهي مكان يمكنني أن أعيش فيه أكثر حتى من مدينة أبوظبي أو دبي، فمدينة دبي أصبحت بالنسبة لي مكاناً لا أريد زيارته إلا للضرورة القصوى أو للعبور نحو الشارقة وما بعدها، أما أبوظبي فهي تسير في نفس خطوات دبي، الزحام يزداد، الشكوى من المواقف لن تتوقف، المشاريع الكبيرة تظهر هنا وهناك، وفي كل مساحة فارغة يبدو أنهم يزرعون البنايات الطويلة، يضعون قليلاً من الماء لتظهر بناية بعد أشهر.
لم أجد هذا في العين، المدينة لم تتغير كثيراً في نظري بل تحسنت، هناك أنفاق أسفل بعض الدوارات تسهل وتسرع عملية مرور السيارات، لا حاجة لإشارات ضوئية، اللون الأخضر انتشر أكثر وأكثر بل ووصل إلى البيوت، لاحظت عدداً كبيراً من البيوت الملونة باللون الأخضر الفاتح مع أخضر غامق على بعض الأطراف، تذكرني الألوان بمسجد أبي رحمه الله.
ونحن في طريقنا إلى العين لاحظت أن البيوت والمزارع لم تغب عن أنظارنا كثيراً، في الماضي أتذكر أن الطريق كان خالياً لكن الآن هناك بيوت كثيرة نمر عليها وكل منطقة تمتد كيلومترات عديدة، ثم تأتي المزارع ومن بعدها مزيد من المنازل، اللون الأخضر على جانبي الطريق دائماً، قبل العين بقليل رأيت تلاً رملياً عالياً ظننت أنه جبل من بعيد، تمنيت لو أنني أخذت معي كاميرا التصوير لكي أتوقف وألتقط صورة للتل لأنني متأكد أنها ستكون صورة جميلة، اللون الأحمر مع لون السماء الأزرق، صورة لا أمل منها، سبحان الخالق.
في طريقنا إلى المؤسسة الحكومية التي أريد إنجاز المعاملة فيها كنت أنظر إلى يميني لكي أشاهد جديد المدينة، محلات قديمة يتبعها مركز تسوق صغير، مدرسة بسور عالي وفوق السور أسلاك شائك وطالب يقفز من فوق السور! هكذا كانت لقطة سريعة أضحكتني، الطالب يهرب كما يبدو إلى عالم الحرية، فالسور والأسلاك جعلت المدرسة تبدو كسجن حقيقي، المفاجأة بالنسبة لي كانت عندما رأيت اسم المدرسة "زايد الثاني" وهو نفس اسم مدرستي الإعدادية التي مارست فيها ما يكفي من محاولات الهروب الناجحة دائماً.
كنت محترفاً في الهروب من المدرسة، كان زملائي في الفصل يخططون لهروبهم وكنت ببساطة أخرج من المدرسة بدون أي مشكلة، كانوا يتسلقون السور بخوف شديد وكنت أخرج من الباب الرئيسي ببرودي المعتاد، ومرة ساعدتهم ولم يصدقوا أنفسهم عندما طلبت منهم أن يخرجوا من الباب، هم لم يكونوا يفكرون بالموضوع بشكل منطقي، الباب هو المكان الأخير الذي تراقبه إدارة المدرسة والمكان الذي لا يشكون أنه سيستخدم للهروب فهم اعتادوا على أن الطلبة يهربون بتسلق السور، لذلك من المنطقي أن أستخدم المكان الذي يحصل على أقل قدر من المراقبة بل أفعل ذلك وأنا واثق من نفسي فأسلم على حارس المدرسة وأسأل عن حاله قبل أن أخرج، ليتني وظفت هذا العقل في القراءة في ذلك الوقت بدلاً الألعاب والهروب من المدرسة.
لست نادماً على ما فعلته في المدرسة، ما يجعلني أندم فعلاً أنني لم أبدأ القراءة جدياً إلا بعد مرحلة الإعدادية، عندما أصبحت في السابعة عشر من عمري.
عودة إلى العين، عندما خرجت مبكراً من المنزل كنت أنوي العودة في العاشرة والنصف صباحاً لكنني عدت متأخراً أربع ساعات ونصف، في المؤسسة الحكومية بدأت قصة "إذهب إلى هناك، لا ليس هنا إذهب إلى هناك" ووصلت إلى مكتب الرجل المسؤول فطلب مني أن أنتظر نصف ساعة أو ساعة على الأكثر لينجز عملي، لا مشكلة، خرجت وذهبنا إلى أرض سكنية يملكها أبي رحمه الله، الأرض خالية ويحيط بها بيوت أناس أعرفهم، يخبرني السائق عن هذه البيوت فهذا بيت فلان وهذا بيت فلان، وخلفها بيوت فلان وفلان، كل من ذكرهم يعيشون في أبوظبي وفي نفس المنطقة.
ذهبنا إلى مسجد قريب فوجدت أن من موله رجل نعرفه ويعيش في أبوظبي أيضاً، ثم رأيت مزيداً من المنازل هناك وخلفها رأيت وادياً جافاً، ما إن أشرت له حتى أخبرني السائق أن هذا الوادي يجري بالماء في موسم المطر، تصور نهراً في وسط الصحراء على ضفة هناك بيوت وفي الضفة المقابلة كثبان رملية كالجبال، أود أن أعيش هناك في موسم المطر لأرى جريان هذا الوادي.
بعد الجولة التعريفية وبعد كوب من الشاي وحبة تمر عدت للمؤسسة الحكومية، لم ينتهي الرجل لكنه لم يتأخر سوى دقائق وأحضر لي الورقة وطلب مني أن أنوقعها من مدير الإدارة لكنه تذكر أن المدير في اجتماع وطلب مني الذهاب إلى مكتب آخر، في ذلك المكتب جمع من الموظفين يتحدثون، أحدهم أخبرني أن المدير في اجتماع فقلت له "وراي خط" أي أن علي قطع طريق طويل بين العين وأبوظبي وأنا بحاجة للعودة سريعاً لكي أذهب بالورقة مباشرة إلى مؤسسة ما في أبوظبي، لكنه لم يساعدني بأي شكل.
علي الانتظار مع آخرين ينتظرون المدير وكل ما يبحثون عنه هو توقيع يتيم، خرج المدير من الاجتماع وهذه أول مرة أواجه عذر "المدير في اجتماع" الرجل يبدو عليه التواضع، عدم مبالاة الموظفين بهؤلاء الذين ينتظرون المدير رسمت صورة مغايرة لدي، كانوا يمشون في الممرات ويتحدثون ويضحكون ويلقون بالنكت هنا وهناك ولم يتعب شخص ما نفسه بأن يأخذ أوراق الناس ليدخلها إلى المدير، على أي حال حصلت على التوقيع ثم على الختم وأنتهى الأمر، تمنيت لو أن المؤسسة الحكومية كانت جميلة في تعاملها مع الناس فتكتمل الصورة لدي، مدينة جميلة لا تستحق إلا أن تقدم مؤسساتها أفضل وأسرع الخدمات.
من المفترض أصلاً ألا أحتاج للذهاب إلى العين، من المفترض أن ينجز العمل هنا في أبوظبي، ومن المفترض في المستقبل القريب ألا أحتاج إلى الذهاب إلى أي مؤسسة أخرى فإن أردت إنجاز عمل ما فعلى الدائرة أن تكون مربوطة إلكترونياً بالدوائر الأخرى فتطلب ما تريد من معلومات وأنا جالس في مكاني، ومن المفترض أن يكون هناك موظف واحد يتولى مسؤولية معاملتي من الألف إلى الياء فلا أقوم من الكرسي إلا وقد انتهى عملي، من المفترض في المستقبل القريب ألا أحتاج للذهاب إلى المؤسسات لإنجاز معظم المعاملات البسيطة والمتكررة بل يمكن فعل ذلك بالبريد أو إلكترونياً من خلال المواقع ... من المفترض.
العين مدينة يرتاح قلبي فيها، أشعر أنني في الإمارات بمجرد رؤية أسماء المناطق، المويجعي، الساد، اليحر، الجاهلي، الصاروج، الهيلي وغيرها، من زار الإمارات ولم يزر العين فعليه أن يفعل ذلك، لا تبعد عن دبي أو أبوظبي إلا ساعة ونصف بالسيارة ويمكن الوصول لها مباشرة بالطائرة، هناك شيء مختلف في هذه المدينة لا أعرف كيف أصفه، باختصار أن معجب بهذه المدينة وأتمنى أن تبقى دائماً كما هي، مسطحة وخضراء وجميلة وبعيدة عن المشاريع التي جعلتني لا أحب زيارة دبي.