السبت، 12 ديسمبر، 2009

قلمك لا يخطط لاغتيالك!

هناك ثلاث أنواع من الناس، فريق يبشر بانتشار الحواسيب في كل مكان ودخولها في كل شيء، وفريق يحذر من انتشار الحواسيب في كل مكان ودخولها في كل شيء، وفريق ينتظر ماذا سيحدث عندما ستنتشر الحواسيب وتدخل في كل شيء ثم يقرر موقفه، كلهم متفقون على أن الحواسيب ستصبح في كل مكان والاختلاف فقط في الموقف تجاه هذه الحواسيب.

هناك من يؤمن بأن الحواسيب ستصبح في يوم من الأيام أذكى من الناس وستسعى للسيطرة عليهم عندما تستطيع أن تتحكم في خط إنتاج للرجال الآليين، قصة يمكنك أن تقراها بأحداث مختلفة في روايات عديدة، شخصياً لا أظن أن هذا سيحدث وأفهم تخوف البعض من دخول التقنيات الحديثة في كل شيء وأفهم سعي البعض للابتعاد عن التقنيات الحديثة بقدر الإمكان.

في هذه المقالة سأتحدث عن مثال لدخول الحواسيب في مجال جديد، انظر لأقرب قلم لديك وتخيل أن فيه حاسوباً، ما الوظائف التي يستطيع هذا القلم أن يقدمها لك؟ حاول أن تتخيل إمكانياته قبل أن تكمل قراءة الموضوع، مهما كان خيالك واسعاً لا داعي لإضافة إمكانية تخطيط القلم لمحاولة اغتيالك، لن يحدث هذا أبداً، الحواسيب أجهزة غبية ولهذا كفائتها عالية في الأعمال التي لا تتطلب ذكائاً.

الأقلام الرقمية

يمكننا أن نعود عقوداً للوراء إن أردنا التحدث عن بدايات الأقلام الرقمية، لكن لمقالتنا هذه نحن بحاجة فقط للعودة بضع سنوات للوراء ونذهب إلى السويد حيث توجد هناك شركة تقنية متخصصة في تقنية الأقلام الرقمية، أنوتو شركة تأسست في عام 1996م وكان اسمها في ذلك الوقت "سي تيكنولوجيز" وفي عام 2000 دمجت هذه الشركة مع شركات أخرى لتشكيل أنوتو.

المنتج الرئيسي لهذه الشركة هو القلم الرقمي، هو قلم عادي يمكن أن تكتب به على أي نوع من الورق لكنه يحوي كاميرا خاصة تسجل كل شيء تكتبه ولإدارة هذه الكاميرا يجب أن يحوي القلم حاسوباً في داخله، لكن للاستفادة من هذا القلم لا بد من استخدام ورق خاص يحوي نقاطاً صغيرة يصعب رؤيتها يمكن للكاميرا في القلم أن تراها وتسجل مكان القلم على الورق.

أنوتو ترخص هذه التقنيات لشركات أخرى وتزودهم بالدعم التقني اللازم لتصميم منتجات تعتمد على هذه التقنية، وقد ظهرت منتجات مختلفة وموجهة لقطاعات تتراوح ما بين الأطفال ورجال الأعمال، نوكيا ولوغيتيك حاولتا استخدام هذه التقنية لكن الشركتين لم تنجحا في إقناع ما يكفي من الزبائن لشراء منتجاتهم والآن لم تعد هذه المنتجات تصنع أو تباع، مجرد إضافة شيء من الذكاء للقلم لم يكفي لإقناع الزبائن بفائدة التقنية.

لايفسكرايب (Livescribe)

إضافة خاصية واحدة للقلم الذكي جعلت لايفسكرايب مختلفاً، لكن نجاح لايفسكرايب لا يعتمد فقط على هذه الخاصية، لنتعرف أولاً على مواصفات الحاسوب القلم:
  • معالج أرم 9 بسرعة 150 ميغاهيرتز، نفس المعالج تجده في أجهزة أخرى مثل نينتندو دي أس، وبعض هواتف نوكيا وأجهزة أخرى.
  • شاشة صغيرة بتقنية OLED بدقة 96 × 18.
  • مساحة التخزين من 1 إلى 4 غيغابايت.
  • كاميرا تسجل الصور من 50 إلى 100 مرة في الثانية.
  • سماعة.
  • ميكروفون.
  • منفذ USB لشحن البطارية ونقل المحتويات إلى الحاسوب.
من ناحية تقنية هذا القلم حاسوب متكامل، هناك معالج وذاكرة ووسائل إدخال المعلومات ووسائل لإخراج المعلومات، هل يمكنك أن تتخيل أين سيدخل الحاسوب في المستقبل؟ على أي حال، لايفسكرايب يتميز بجمع جهازين في جهاز واحد، المسجل الصوتي والقلم ويضيف لذلك إمكانية حفظ وفهم ما يكتبه القلم، طريقة عمله بسيطة، اضغط الزر لتبدأ التسجيل الصوتي وفي نفس الوقت اكتب وهكذا يعمل القلم على مزامنة الكتابة بالصوت، يمكنك بعد ذلك العودة لما كتبت والضغط بالقلم على أي جزء من الورقة لتسمع التسجيل الصوتي الذي حفظه القلم في وقت كتابة النص الموجود على هذا الجزء من الورقة.

لأوضح ذلك أكثر، تصور أنك في محاضرة جامعية وفي أول الورقة كتبت ملاحظات قليلة عندما كان الأستاذ يتحدث عن مقدمات الدرس، وفي آخر الورقة وضعت مزيداً من الملاحظات عندما كان الأستاذ يرد على أسئلة الطلاب، في أثناء المحاضرة كان القلم يسجل ما تكتب وما يقوله المدرس والطلاب، بعد انتهاء الدرس يمكنك أن تشير مثلاً إلى أول الصفحة لتسمع ما قاله المدرس أثناء كتابتك للملاحظات في أول الصفحة، بعد ذلك يمكنك أن تنزل لآخر الصفحة وتشير بالقلم على آخر ملاحظة ليقفز التسجيل الصوتي لما قاله المدرس في آخر الدرس، بمعنى آخر يمكنك أن تنتقل لأي جزء من التسجيل الصوتي كما تشاء.

كما قلت سابقاً القلم لا يعمل إلا على ورق خاص، لايفسكرايب لديها دفاتر مختلفة خاصة بالقلم، أوراق هذه الدفاتر تحوي نقاط صغيرة جداً ولا يكاد الإنسان يراها، بين كل نقطة وأخرى مسافة 0.3 من الميليميتر، من خلال هذه النقاط يمكن للقلم أن يعرف مكانه في الصفحة، يمكنه أن يعرف إن كان في أعلى يسار الصفحة أو في منتصف أسفل الصفحة.

كل صفحة فيها مساحة خاصة في الأسفل لأوامر التحكم بالقلم، وعلى الرغم من بساطة هذه الأوامر إلا أنها تقدم الكثير ويمكن للمستخدم أن يعرف ما يفعله القلم من خلال شاشة صغيرة في القلم، فمثلاً هناك قوائم مختلفة في القلم يمكنك أن تنتقل بينها من خلال الضغط على المساحة الخاصة في الورق فتحصل على ما تريد من خصائص القلم.

الورق الخاص كانت مشكلة واجهتها الشركات الأخرى التي جربت هذه التقنية، وحتى لايفسكرايب تواجه نفس المشكلة، الناس يرغبون في الكتابة على أي نوع من الورق، لكن هذه التقنية للأسف لا تعمل إلا على نوع معين، لذلك قدمت لايفسكرايب حلاً بأن تتيح للناس طباعة الورق بأنفسهم.

عندما تكتب وتسجل الصوت يمكنك أن تنقل ما سجلته إلى الحاسوب، لايفسكرايب تقدم برنامجاً لسطح المكتب يعمل في ويندوز وماك وهو مثل آي تونز تقريباً، ما تكتبه يمكن أن يحفظ في ملف PDF والملف الصوتي يمكن أن يكون منفصلاً، لكن إذا جمعت الإثنين سيكون لديك شيء مثل الرسوم المتحركة، ترى الصفحة تكتب أمامك والملف الصوتي يعمل في نفس الوقت، هذا ما يسمونه بينكاست في موقع لايفسكرايب، يمكنك مشاهدة أنواع مختلفة منها، بعضها هزلي وبعضها جاد، بعضها مفيد وبعضها مسلي.

ما تقدمه لايفسكرايب يذهب أبعد مما حاولت بعض الشركات تقديمه، فهي تقدم الورق والقلم كما فعلت شركات أخرى لكنها أضافت لذلك خدمة الويب وفكرة التسجيل الصوتي، يمكن لأي شخص أن يسجل في موقع الشركة ويحصل على 500 ميغابايت مجانية لتخزين الملفات التي أنشأها باستخدام القلم ويشارك الآخرين بها إن شاء، وخدمة الويب لا تقتصر على ذلك بل يمكن للمستخدم تنزيل تطبيقات للقلم، نعم تطبيقات!

فمثلاً هناك محول قياسات وهذا معروف مألوف، لكن أفضل أن أستخدم قلماً يعطيني الإجابة بدلاً من الذهاب إلى الحاسوب أو محاولة الوصول لنفس التطبيق في هاتفي الغبي، للوصول لنفس التطبيق قد أحتاج للعديد من الخطوات بينما القلم هناك خطوتان، شغل برنامج التحويل ثم اكتب عملية التحويل التي تريد، وهناك برامج أخرى مثل مترجم بسيط إلى اليابانية أو الفرنسية أو لغات أخرى، آلة حاسبة وهذه تأتي بأنواع، واحدة تأتي على غلاف الدفتر الذي يأتي مع القلم، يمكنك أن تشير فقط إلى الأرقام كأنك تضغط على الأزرار، والأخرى بسيطة وهي أن تكتب العمليات الحسابية بنفسك وستحصل على النتيجة عندما تكتب علامة يساوي.

هناك ألعاب مختلفة وإن كانت بسيطة، فهناك لعبة المشنقة مثلاً، وهناك لعبة للتحكم بطائرة مروحية يمكنك أن تراها على شاشة القلم، إمكانية القلم هنا محدودة لذلك الألعاب بسيطة، لكن التطبيقات الأخرى تظهر إمكانيات تثير الإعجاب، فيمكن للقلم أن يكون مرجعاً وموسوعة ومشغل ملفات صوتية وغير ذلك.

عدد التطبيقات حالياً قليل لكن هناك أكثر من 3000 مطور سجلوا في موقع الشركة، ويمكن لأي مبرمج بالجافا أن يطور تطبيقات للقلم، بمعنى آخر هذا قلم لا يختلف كثيراً عن الآيفون، كلاهما يستخدمان برنامجاً خاصاً لنقل وإدارة المحتويات، كلاهما يوفران متجراً خاصاً لتنزيل التطبيقات، ويمكن للمطورين أن يسجلوا في موقع كل واحد منهما لتنزيل عدة تطوير البرامج وتطوير برامج خاصة لكل منهما.

بعد كل هذا قد تسأل، ما فائدة هذا المنتج؟ سأخبرك، تصور أنك صحفي وتريد أن تجري لقاء بشخص ما، يمكنك أن تستخدم مسجلاً خاصاً وفي نفس الوقت تكتب ملاحظاتك بالقلم، يمكنك أن تستخدم حاسوباً فتكتب بلوحة المفاتيح وتسجل باستخدام مايكروفون، القلم يوفر عليك عناء حمل أي شيء وكل ما عليك أن تحمله معك هو القلم ودفتر خاص، نفس الأمر يتكرر مع الطلاب في الجامعات والمدارس، بدلاً من فقط تسجيل الملاحظات يمكن ربط صوت المدرس بالملاحظات.

تأملات

الأجهزة كانت الأهم في الماضي، في الثمانينات وما قبل ذلك وحتى منتصف التسعينات كانت الأجهزة أكثر أهمية، الجهاز هو ما يحدد لك البرامج التي ستستخدمها، بعض الأجهزة لم يكن يأتي مع أي برنامج وعليك أن تبرمج بنفسك، اليوم تخير الحال، أصبح الجهاز أقل أهمية والبرامج والخدمات أكثر أهمية، يمكن لأي شركة أن تستخدم أي تقنية لكن النجاح بحاجة لأكثر من مجرد الدخول للسوق مبكراً بتقنية جديدة، لايفسكرايب دمجت بين الخدمة والبرامج والتقنية لتقدم تجربة استخدام مختلفة عن أي منتج آخر يقدم نفس التقنية.

الدمج بين البرامج والأجهزة مهم، الدمج يجعل تجربة الاستخدام أكثر سهولة ومتعة وفائدة، هذا ما يجعل حواسيب أبل مميزة عن باقي الحواسيب، أبل هي من صممت النظام والأجهزة وهي التي جعلتهما يعملان مع بعضهما البعض بشكل مميز، من المفترض أن تركز الشركات أكثر على تجربة الاستخدام وعلى تقديم خدمة متميزة سهلة لا تضيع وقت المستخدم.

بقية نقطة حول تسويق المنتج، لايفسكرايب لم ينجح بمجرد بيعه وتسويقه على شبكة الويب، حرصت الشركة أن تعرض منتجها في سلسلة متاجر تارجت في أمريكا ومن هناك اكتسبت جمهوراً كبيراً وعرفها الناس وعرفوا ما يقدمه حاسوب القلم، لو لم تعرض الشركة منتجها في المتاجر فلن تنجح في بيعه على كثير من الناس، القنوات التقليدية للبيع والتسويق لا زالت فعالة لكن عليك أن تعرف كيف تستغلها بالشكل المناسب لك.

4 تعليقات:

اقصوصه يقول...

التكنلوجيا بكل صورها

اشياء وجدت لتسهيل حياتنا

واكيد تبقى اسلحه ذو حدين

والموضوع يرجع لكيفية استعمالنا لها

تدوينه مفيده :)

مريم يقول...

كعادتكـ أخ عبدالله تعطي كل شيء حقه
شاهدت القلم في برنامجين لكن لم "يفصفصوه" كما فعلت..
ولاأخفي أن الحماس أخذني لأقول "يبيلي واحد"(:
التقنية دخلت في كل شيء.!!
هل هناك حذاء رياضي ذكي smart sneakers؟
وكما قلت أنها أجهزة غبية لأن ذكاء "الانسان" من صنعها، فالفضل له..
وسبحان من سخرها لنا..

شكراً لجهدك..

sami يقول...

إذا كان الوضع التقني يسير بهذه الطريقة ، فأنا أتنبأ من الآن بمستقبل تتناقص فيه أحجام أدمغة البشر !

أنا أتذكر البحوث التي ينبغي أن أسلمها خلال أسبوعين و الاختبار الشهر القادم و الواجبات في منتصف الأسبوع و زيارة صديقي في المساء لأنه مشغول في النهار و زيارة الآخر في النهار لأنه يكون انتهى للتو من دوامه ! هذه المعلومات التي نخزنها جميعا في عقولنا و تجعلنا نشعر بمسير الحياة و نحن لا نعاني من عبء هذه المعلومات على الإطلاق كما أنها لا تتطلب قدرات خارقة فنحن نتعايش معها بتناغم فقدرات أدمغتنا عالية و حديدية فلسنا بحاجة لأجهزة تدير البشر !
أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير ؟
لي نظرة مخالفة جدا عن مستقبل الحاسبات .. ستسير الأمور نحو الأبسط و الوظائف المعدودة و ذات الفائدة الأكبر التي أحتاج فيها آلة تقوم بمعالجة أشياء مكررة و مملة لا أن أجعلها تتدخل في إدارتي .. هنا سأقول لها توقفي !

ما يحدث الآن من فوضى هنا و هناك هو مجرد لعب و تنافس فيما يمكن للبشر أن يصنعوا بالحاسوب .. و ستنتهي قريبا إلى نقطة نستقر فيها على مفهوم الحاسب و ما نريده منه حقا.

عبدالله المهيري يقول...

@أقصوصة: ليس كل التقنية، الأسلحة وأدوات التعذيب تقنيات أيضاً، وهذه لا تسهل حياة أحد، بعض التقنيات لها طبيعة سلبية أو إيجابية، كثير من التقنيات كما قلت أسلحة بحدين.

@مريم: لا تستعجلي الشراء إلا إذا كان ما تكتبينه بالإنجليزية، القلم يفهم هذه اللغة فقط لكنه لن يفهم العربية، هذا لن يكون مشكلة إلا في البرنامج الذي يستخدمونه لسطح المكتب، لن تتمكني من البحث في النص العربي، فقط في ما تكتبينه بالإنجليزية، ما عدا ذلك ستعمل الخصائص الأخرى بشكل جيد.

@سامي: هناك من يقول بأن عقول البشر تتغير بالفعل لكنها لا تصغر.

ما تقوله حول تذكرك للبحوث وأعمالك الأخرى لا يثبت شيئاً، ربما يثبت أن هناك فريق من الناس بإمكانهم الاعتماد على عقولهم فقط لتذكر الأعمال، لكن لا يثبت أن كل إنسان يمكنه أو يرغب في فعل ذلك.

نقطة "أجهزة تدير البشر" لا أوافقك عليها فليس هناك جهاز واحد يدير الناس، عندما تستخدم قلماً ودفتراً لتسجل أعمالك فهذا لا يختلف كثيراً عن استخدام الحاسوب، الفرق في إمكانيات الوسيلتين، وكلاهما لا يمكنهما التحكم بالناس، كلاهما لا يملكان أي إرادة، الناس يتحكمون بهذه الأدوات أو يتركونها تغزوا حياتهم.

بعض الناس يريدون لعقولهم التفكير في أشياء أخرى غير المهمات اليومية فينقلون هذا العبء لأدوات أخرى، الورق أو الحاسوب، هذا لا يعني أنهم لا يشعرون بمسيرة الحياة ولا يعني أنهم يتخلون عن قدراتهم العقلية، بل يوظفونها بالأسلوب الذي يناسبهم.

السير نحو الأبسط بدأ بالفعل مع أنواع مختلفة من الحواسيب وهناك مصممون ومهندسون كثر يوافقونك الرأي وأنا أوافقك الرأي، لكن التعقيد سيسير في نفس الطريق وسيستمر وسيتأقلم بعض الناس معه ويتعاملون معه بدون صعوبة.

أما استقرار مفهوم الحاسوب فهذا رأيك، شخصياً أوافق عالم الحاسوب ألن كاي حينما قال "لا زلنا في البداية" لأن ما يحدث في سوق الحاسوب اليوم لا يقدم ربع ما يمكن للحاسوب فعله.