السبت، 10 أكتوبر، 2009

تأملات هندسية

مشاركة من الأخ فيصل الحمادي

التفكر والتأمل صفة إنسانية روحانية، ربما ينظر البعض إليها على أنها حكر على للشعراء والأدباء والفنانين أو رجال الدين وأنا لست منهم من قريب أو بعيد، فأنا لست شاعراً يتأمل الغادة الحسناء أو جمال الطبيعة في البر والبحر وما فيهما من عوالم مختلفة، ولست رساماً لأصور روعة انسياب الماء وتألقه عند التقائه بأشعة الشمس، ولست رجل دين محاط بكوكبة من المريدين والأتباع، لكني إنسان يحب التأمل والتفكر حتى في الأجهزة الميكانيكية الضخمة ومعامل إنتاج الكيماويات والمواد الأخرى! إنها تأملات مهندس، ياترى مالذي سنحصل عليه من التأمل في آلة صنعها الإنسان وليس شجرة من صنع الله ؟! ما الذي سنحصل عليه من خلال وصف مصنع يعج بمختلف المعدات الثقيلة وليس غابة من صنع الله؟! تساؤلات قد لا تروق للشعراء والفنانين ورجال الدين وغيرهم ممن يرون الروحانية والتأمل من زاوية واحده فقط.

قبل سنوات قليلة كنت فرداً من فريق هندسي لبناء وتركيب محطة لتحلية مياه البحر لتصبح مناسبة للشرب، مشروع متوسط الضخامة أو قل صغير مقارنة بغيره من مشاريع تحلية المياه، سار المشروع من مرحلة إلى أخرى حتى أصبح جاهزاً للعمل وإنتاج الماء.

قبل أيام من افتتاح المشروع بدأت أنظر للمشروع مرة أخرى أراجع أوراقه وأستعيد الذكريات لبعض الصور الخاصة بمراحل البناء، حينها لفت انتباهي حجم العمل الذي قد تم وعدد العمال والمهندسين المشاركين، والأوقات التي قضيناها في استكمال المراحل الأخيرة - من 7 صباحاً وحتى 9 مساء- وحجم الطاقة المستخدمة، وفي النهاية تكلفة المشروع التي قارعت عشرات الملايين من الدولارات الأمريكية، كل هذه الجهود والمصاريف من أجل ماذا؟ من أجل إنتاج ماء عذب صالح للشرب والاستخدام البشري، أو قل من أجل إنتاج قطرات من الماء!

ورجعت بالذاكرة إلى أيام المدارس ودروس مادتي العلوم والجغرافيا وكيف تعلمنا عن المياه الجوفية والمياه السطحية وكيف استفاد منهما الإنسان وكذلك الحيوان؟ ياترى ماذا كلف إنتاج قطرة الماء؟ الشمس التي تعطي الحرارة والحرارة التي تؤدي إلى تبخر الماء فتتكون السحب التي تدفعها الرياح إلى حيث أراد الله فينزل المطر على الأرض فتهتز فرحاً بماء الرحمة الذي لم يكلف شيئاً، فسبحان الله، في هذه اللحظات وفي مثل تلك المقارنات تترسخ الكثير من المفاهيم التي تعلمناها جامدة في صفوف المراحل الإبتدائية، في تلك اللحظات يكون لنشيد "ذاك العظيم في علاه" طعم أحلى ووقع أقوى، وتكون قراءة قوله تعالى: "أفرأيتم الماء الذي تشربون* أأنتم أنزلتموه من المزن أم نحن المنزلون* لو نشاء جعلناه أجاجاً فلولا تشكرون" - (سورة الواقعة الآيات من 68-70) درساً عظيماً في التفكر والتأمل، فهل لنا أن نتأمل في أنفسنا وفي ما حولنا؟

ياترى ما هو الفرق (من الناحية المادية) بين ما صنع الله وبين ما نحاول صنعه ليكون مشابهاً لما صنع الله؟ في هذا المثال تحويل الماء المالح إلى ماء عذب صالح للشراب

أولاً صنع الله الشمس تبخر الماء وبخار الماء يتكثف في الأعلى فتتكون الغيوم والرياح تقود الغيوم إلى حيث ينزل المطر، وانتهت العملية بشكلها العام الذي يعرفه الإنسان العادي بدون أي تكلفة مادية.

ثانياً صنع الإنسان هي عملية ليست معقدة في نظر المهندسين والمختصين، أما من وجهة نظر المتابع العادي فهي معقده جداً لماذا؟
  • ماء البحر لا يحتوي على الملح فقط فهناك مكونات أخرى من أسماك وكائنات دقيقة وشيء من مخلفات السفن ومرتادي البحر (مثل بقايا شباك، وأخشاب، وأشياء كثيرة) لذلك من الضروري تنقيته وفلترته من كل الشوائب ولذلك تستخدم نوعيات مختلفة الأحجام من الفلاتر (أو المرشحات).. كما تستخدم الكيماويات لقتل الجراثيم وتجميع بقايا الأتربة بعيداً عن مصنع الانتاج.
  • تقوم مضخات كبيرة بدفع الماء المالح المنقى من الشوائب والجراثيم إلى منطقة الإنتاج حيث يتم تبخيره عن طريق غلايات تستخدم الوقود أو الغاز في تشغيلها .. يتم الضخ أحياناً عبر مسافاة تصل إلى عدة كيلومترات.
  • يتم ضخ المزيد من الكيماويات للماء للتخلص من آثار الكيماويات التي وضعت في بداية العملية.
  • يخرج الماء مقطراً نقياً بدون أملاح، ولكن مهلاً! فلا يستطيع الانسان شرب الماء بدون نسبة معينة من الأملاح، وبدون هذه الأملاح يكون يكون الماء النقي مادة كيميائية مضرة! لذلك يقوم المصنع بخلط الماء المنقى مع مياه الآبار حتى تعادل ملوحته النسبة الملائمة للشرب، أو يتم تمرير الماء المنقى على مجموعة من الصخور التي تعطيه الأملاح اللازمة ليكون مناسباً للشرب.
  • تتخلل كل هذه العمليات عمليات موازية من توفير المواد الكيميائية وتجهيز معدات المختبر حتى يتم اختبار الناتج النهائي من مياه المصنع قبل ضخها إلى المستهلكين.
  • عمليات الصيانة الدورية مطلوبة جداً للمصنع وإلا توقف بعد سنة فقط من إنشائه أو أقل من سنة!
لو جمعت التكلفة المالية والبشرية للنقاط المذكورة فستصل حتماً إلى آلاف وملايين الدولارات فقط لجعل الماء صالحاً للشرب! بينما يعمل المصنع الإلهي للماء منذ آلاف السنين بشكل طبيعي على مبدأ كن فيكون.

حاولت أن أبسط الفكرة قدر ما أستطيع لتوضيح الصورة للجميع أما الصورة الحقيقية ففيها الكثير من التفاصيل التي يعرفها المختصون، دعوة خاصة للجميع في التأمل في ماحولهم حتى لو كانوا يعملون بعيدين عن الأشجار والأحجار والمحيطات والشلالات، فقدرة الله في كل شيء وفي كل مكان لو تأملنا ثم تأملنا ثم تأملنا.

7 تعليقات:

اسامة جاب الدين يقول...

تحياتي أخي فيصل الحمادي.. والتحية كذلك للأستاذ عبد الله المهيري لإتاحة الفرصة، وأقول أن التأمل في صنع الله وفي مخلوقات الله عموماً يكسب المرء حكمة بالغة ويشعره بضعفه.

أنظر حتى للنمل، يوجد منه نوع يسمى (النمل المزارع)، وهذا يقوم بعملية زراعة الأرز بطريقة هندسية بديعة، وهو يقوم بهذا الأمر منذ بدء خلقه، والإنسان تعلّمها بعده بملايين السنوات.!

بل ويقوم النمل بشّق البذرة قبل أن يدخلها بيته حتى لا تبتلّ بالرطوبة وتنبت، وتوجد بعض البذور من ذوات الفلقتين يقوم بشقها إلى أربعة أقسام حتى لا تنبت.!

لا يسعنا إلاّ أن نقول سبحان الله.

abdulrhman يقول...

مقالة رائعة،
من الجميل أن يتأمل الانسان فيما حوله وفي نفسه!


شكراً لآستاذنا عبدالله على إتاحة الفرصة لمعرفة أمثالك..:)

محمد هيكل يقول...

خاطره مختلفة

سبحان الله
والحمد لله على نعمه الماء العذب

أفلاطونية يقول...

من الممكن أن نقول باختصار .. غن تأمل كل شئ يوصلنا في النهاية إلى الله !

فيصل الحمادي يقول...

اسامة .. شكراً لك على هذه المعلومة .. وسبحان الله

abdulrhman .. شكراً لك وتشرفت فعلاً بالكتابة هنا ..

محمد هيكل .. اشكرك يا أخي على المرور والتعليق

أفلاطونية .. ليس من الممكن فحسب وإنما هذا هو الأساس .. وإلا فلا فائدة من التأمل .. شكراً لمرورك وتعليقك ..

نواف يقول...

استاذ فيصل .. باختصار شديد .. رائع

فيصل الحمادي يقول...

شكراً لك أخي نواف ..