الثلاثاء، 21 أبريل، 2009

ماذا تعلمت من انقطاعي عن الشبكة؟

في صباح كل يوم جرب أن تتخيل مئات الاجتماعات التي تدور في أروقة مئات المؤسسات، تخيل موظفاً يعرض فكرة جديدة ومديراً يرفض الفكرة لأي سبب، هناك بالفعل اجتماعات تدور الآن في مكان ما في هذا العالم ويحدث فيها ما وصفته من عرض ورفض للأفكار، الأمر لا يحتاج أي خيال، اسأل نفسك بعد ذلك: لماذا لا يجرب الناس الأفكار قبل الحكم عليها؟ ألا يمكنهم تجربتها على نطاق ضيق وقليل التكلفة أو حتى بدون تكلفة؟ ألا يمكنهم فعل ذلك والتعلم من هذه التجارب ثم يمكنهم الحكم على هذه الأفكار، بالتأكيد يمكنهم فعل ذلك، المشكلة ليست في القدرة على تجربة الأفكار، المشكلة في العقول التي ترفض تغيير ما تعودت عليه ولو على سبيل التجربة.

جربت الانقطاع عن الشبكة لشهرين والآن عدت للشبكة لبضعة أيام وأجد فارقاً كبيراً وأبحث عن حل يجمع بين الانقطاع والاتصال! غرفتي يجب أن تكون بيئة خالية من الإنترنت أو الهاتف النقال، من السهل جداً أن أجعل الحاسوب يشغلني عن أعمال مهمة، من السهل على الهاتف النقال أن يجعلني أتوقف عن فعل أي شيء لأتأكد من مكالمة أو رسالة، طبيعة هذه التقنيات تتطلب المتابعة الدائمة، هناك أناس قادرون على التحكم بعاداتهم فلا يسمحون للأشياء بأن تشغلهم عن أعمالهم، أنا لست من هؤلاء.

قبل أن أقطع الإنترنت كنت متحمساً لهذا الأمر، أريد أن أجرب لأنني من النوع الذي لا يعرف حتى يجرب، هناك أشياء كثيرة في حياتنا لا يمكننا أن نفهمها بدون أن نجرب بأنفسنا، قد تسمع عن تجارب الآخرين فتتعلم منها شيئاً لكن عليك أن تخوض أنت أيضاً تجربتك.

بعد أن خرجت من مبنى الاتصالات في منطقة الخالدية - بجانب سوبرماركت سبينس - كنت أشعر بالسعادة حقاً وقد كان الجو لطيفاً فعدت للمنزل ماشياً، لا زال الخط يعمل فاغتنمت الفرصة بحفظ مزيد من المحتويات على حاسوبي، في اليوم التالي قطع الخط وبدأ التغيير.

عندما أقوم من نومي أفكر "ماذا سأفعل اليوم؟" أما مع الإنترنت فأول شيء أفعله هو أن أقرأ البريد الإلكتروني، أزور قارئ RSS وأطلع على بعض المواقع وهكذا أجد بعض المحتويات الجديدة التي أريد قراءتها ومشاهدتها، الساعة أصبحت الحادية عشر وهذا وقت الشاي، سأقضيه في قراءة ومشاهدة المزيد من المحتويات، مضى نصف النهار وأنا لم أفعل شيئاً سوى متابعة الآخرين.

ماذا بعد ذلك؟ هناك المزيد من البريد والمزيد من المحتويات ودائرة لا تتوقف، وعندما لا أجد محتويات فمن المفترض أن أبتعد عن الحاسوب، لكن لا أفعل ذلك بل أبحث عن أشياء مختلفة وأجد ما أقرأه وأشاهده، لا ألوم الشبكة فهذه طبيعتها، في نفس الوقت جربت أن أتحكم بهذه العادة السيئة لكن لم أجد شيئاً ينفع مثل الانقطاع التام.

لا أخفي عليكم أن هناك جانب رومانسي كنت أفكر فيه قبل انقطاعي عن الشبكة، كنت أقرأ عن هؤلاء الذين يعيشون حياة منعزلة ويقضون أيامهم في بيت بعيد عن الناس يزرعون ويكتبون ويتأملون الطبيعة، هناك جزء كبير من نفسي يتمنى لو أنني أستطيع فعل نفس الشيء، أن أكون لوحدي وأتأمل الطبيعة، شيء أتذكر أنني كنت أفعله في صغري لكن الطبيعة لم تكن سوى باحة منزلنا القديم التي تحوي نخلاً ورمالاً بيضاء وقطيع أغنام صغير! كنت في ذلك الوقت أستمتع بالهدوء والبقاء وحيداً ... هذا أمر ليس جديداً ولا غريباً علي.

مع مرور الأيام بدأت أشعر بأن عقلي يمكنه أن يركز ويفكر ولم أكن كذلك قبل الانقطاع، بدأت في تكوين الأفكار وكتابتها ورسمها وكل فكرة تجر أختها، بدأت أستمتع بهذه الأفكار وأستمتع أكثر بالتفكير في أشياء غريبة أو مسلية ومستحيلة، هناك نشاط عقلي مختلف يدور في رأسي وقد كنت سعيداً به.

بعد الانقطاع مباشرة شعرت بأن لدي وقت فراغ كبير لذلك بدأت في القراءة بل واشتريت طاولة بيضاء صغيرة وبسيطة ووضعتها في الجانب الآخر من الغرفة، هناك بدأت أقرأ بتركيز أكبر وعادت المتعة للقراءة، كلما أردت التعرف على كلمة لا أفهمها فتحت القاموس الورقي وبحثت، الشاي لم يذهب بعيداً لكنه الآن بجانب كتاب أقرأه، هذه صورة أخرى رومانسية!

كنت أقرأ وأكتب ملاحظاتي على بطاقات صغيرة وكنت في نفس الوقت قادراً على ربط ما أقرأه مع ما سبق لي أن قرأته وأحاول أن أشكل فهماً جديداً أو رابطاً جديداً بين الأفكار، هذا لا يحدث عندما أقرأ المقالات على الشبكة، عندما أستخدم الحاسوب عقلي يفكر في أشياء أخرى يمكن فعلها في الحاسوب، قطع الإنترنت يعني تقليل عدد الأشياء التي يمكن فعلها.

انقطاعي عن الشبكة لم يكن تاماً فقد كنت أستخدم حاسوب الأهل وحاسوب أخي فأقرأ البريد بسرعة وكذلك RSS ثم أحفظ بعض المقالات على مفتاح USB وأنقلها لحاسوبي، أفعل ذلك من خلال إضافة Scrapbook في فايرفوكس، هذه إضافة مفيدة جداً وقد اعتمدت عليها لحفظ الصفحات وقراءتها وفي بعض الأحيان كتابة ملاحظات أو حفظ روابط.

استخدام حواسيب الآخرين كان مزعجاً لي ولهم، مكاتبهم وحواسيبهم وغرفهم مصممة لكي تناسب اختياراتهم، لا يمكنني العمل أو التركيز في مكان لا أستطيع التحكم به، لدي هوس بالتنظيم والتنظيف والتبسيط، لذلك أحرص على أن تكون الطاولة أمامي نظيفة وخالية من أي شيء غير ضروري، الآخرون لا يفعلون ذلك ولا يرون مشكلة في أن تكون غرفهم ومكاتبهم مزدحمة، الأمر يعود لذوق كل شخص.


سلبية أخرى للانقطاع تكمن في عدم وجود شيء أشاهده، افتقدت يوتيوب وغيره من المواقع وافتقدت المحاضرات، لذلك عدت لمشاهدة التلفاز! بعد انقطاع طويل وجدت أن التلفاز ليس سيئاً إن كنت أستطيع مشاهدة ما يعجبني وقد وجدت، من بين 300 قناة أو أكثر لا بد من وجود قناة تعرض شيئاً يناسبني، لكن مع عودة الإنترنت لم أعد أشاهد التلفاز مع أنني اكشتفت وجود قناة يابانية كنت أبحث عنها منذ وقت طويل.

يمكن أن ألخص فوائد الانقطاع بالراحة العقلية والنفسية وقدرتي على التركيز والقراءة والاستمتاع بابتكار أفكار مختلفة، أما السلبيات فتكمن في عدم قدرتي على العمل وفي عدم استطاعتي مشاهدة الفيديو.

عندما أفكر بالأمر الآن أجد أن فوائد الانقطاع كانت أكبر من سلبياته، علي فقط أن أبحث عن حل لمشكلة عدم القدرة على العمل لأنني أريد أن تكون الشبكة وسيلة العمل فلم يعد من المجدي انتظار مكالمات لن تأتي تخبرني أنني حصلت على وظيفة، يمكن فعل ذلك بإيجاد مساحة منفصلة أضع فيها حاسوباً للعمل وتصبح غرفتي خالية من أي وسيلة اتصال، لكن إيجاد المساحة سيكون صعباً، حتى ذلك الوقت علي أن أعتاد على إغلاق الحاسوب كلياً إذا أردت أن أركز قليلاً على قراءة كتاب ما.

8 تعليقات:

الحــــــ,,,,ــــــــــيـ،،ــــــاة فـــــ,,,ـــــــتـــــ,,,,,ــــاة يقول...

أجد أن الإبتعاد عن الإنترنت يجعلك ترى الحياة بشكل مختلف ..الإنترنت يقتل وقتنا بطريقة غير طبيعية ..الحمدالله إدماني على هذه الشبكة وشغفي الكبير بها بدأيقل .. لدي اهتمامات أخرى في الحياة كالتعلم والتطوع ..

Mohmmad-h يقول...

الحاسوب يأخذ أوقاتاً كثيرة !!
أتمنى دائماً أن يتوفر لي وقت فراغ قليل , لأكتب أفكاري و أحاول تطبيقها , و تجربة الكثير من النشاطات التي أهملتها في دوامة الحياة , شخصياً أنا طالب علوم حاسب و أعمل مساءً كـ مصمم , كما أن لي بعض الأعمال الفنيّة خارج العمل , كل هذا يجعلني أمام الحاسب 25 ساعة في اليوم , فإن أنا أوقفت حاسوب المنزل , فلدي في العمل واحد و في الجامعة و في كل مكان أقصده !!

فهل لديك حل لهذه المصيبة :) ؟

محمد سعيد احجيوج يقول...

الإنترنت صارت للبعض مساحة للعمل، والإنقطاع عنها غير ممكن.

فكرة الإبتعاد لشهر أو إثنين جيدة جدا لراحة الدماغ ولتنشيطه على القيام بمهام عقلية لم يكن يقوم بها قبلا أثناء الإنشغال بتتبع جديد الشبكة والقيام بالأعمال اليومية الروتينية. وهي فرصة للعودة بأفكار أفضل وأكثر إبداعية.

أتمنى الإبتعاد.. لكن هذا يعني أنني سأبدو كموظف حصل على إجازة بدون مرتب، وهو لا يملك أي مدخرات :)

مكتوم يقول...

شهر يونيو القادم سيكون انقطاعاً تجريبياً بالنسبة لي عن الإنترنت، لأنني مثلك أعجز عن السيطرة تماماً على ذاتي فيما يخص الامتناع عن المتابعة الدائمة وغير الضرورية.

أظنني سأستفيد كثيراً من التجربة، فقد وضعت خطوطاً رئيسية لنشاطات وأفكار بعضها اجتماعي والآخر يدوي أخطط لإنجازها.

ثقافتنا التي نكتسبها من الإنترنت واسعة في مجالات كثيرة ولكن إن جئنا للعمق فإنها ستبدو كغشاء رقيق.

شكراً يا عبدالله.

عبدالله المهيري يقول...

الحياة فتاة: التعلم والتطوع ... مجالان مهمان ومكملان لبعضهما البعض، من يتطوع سيتعلم ومن يتعلم يمكنه التطوع لتعليم الآخرين وإفادتهم.

Mohmmad-h: هناك أناس الحاسوب حياتهم ويبدو أنك أحدهم، لا مشكلة في ذلك، هناك مقالات كتبها أناس يشاركونك الوضع نفسه ويقترحون حلولاً، بعضهم لديه حاسوب بدون اتصال بالشبكة، حاسوب للعمل فقط، بعضهم نقل الحواسيب لغرفة أخرى وجعل غرفته خالية من أي حاسوب.

محمد سعيد احجيوج: هذا ما يحدث لي الآن، فكرة الانقطاع لشهر لا بأس بها، في الحقيقة ستكون ضرورية كل عام، أما ما قلته عن المرتب والمدخرات فالوضع هنا لا يختلف كثيراً :-)

مكتوم: هذا ما أردت أن أشير له في مواضيع سابقة حول التعمق والسطحية، أما ما قلته عن أفكار اجتماعية ويدوية، فأتمنى أن تدون ملاحظاتك في دفتر ثم تكتب لنا، لا شك لدي أنك ستكتب ما يفيد الناس :-)

ماجد يقول...

عندما رأيت هذه التدوينة بالـ آر إس إس قلت لابد أن أعلق بدلا من كوني متابع بصمت .. وذلك لأن قضية الإنقطاع التام عن الشبكة فعلتها أكثر من مرة ، وبالتأكيد نتيجةً لذلك عملت أشياء نسيت أني كنت أفعلها فقد عدت إلى القراءة وتضخمت مكتبتي الصغيرة بوقت وجيز ولكن المكتبة للأسف توقفت عن التضخم واستقرت على وضعها بعد أن زار منزلي شريحة كونكت صغيرة ..!

طبـ الوفـا ـعي يقول...

ليتني استطيع الانقطاع ولو لاسبوع ..

لكن يبدو انني لا اجرؤ على التفكير بذلك ..

هنئيا لك جرأتك وعزيمتك..

وليد يقول...

اتفق معك على فائدة الانقطاع ، جربت لمرات عديدة الانقطاع لفترات متقطعة تتجاوز العشرة ايام واستعضت عن الانترنت بتدوين الافكار الجديدة على شكل مذكرات ..
وجهة نضري الشخصية ان التخطيط لأي مشروع على الانترنت يكون أفضل عندما تكون بعيداً عن الانترنت - من واقع تجربة شخصية-..