السبت، 18 أبريل 2009

أنا أشارك إذاً أنا موجود!

فكرة الاتصال الدائم بالآخرين لم تعد مجرد فكرة خيالية ونحن ننطلق بخطوات سريعة نحو عالم يتصل أفراده بعضهم ببعض طوال الوقت، أصبحت المشاركة بالمحتويات والتحديث الدائم للمعلومات نوع جديد من التواصل الاجتماعي لكنه في الحقيقة ليس تواصلاً اجتماعياً كما يحدث على أرض الواقع، الأصدقاء في الشبكات الاجتماعية قد يكونون أناس لا تعرفهم حق المعرفة بل غرباء التقيت بهم عدة مرات أو حتى مرة واحدة.

كما قال أحدهم - لا أذكر من - أن تجلس أمام الحاسوب فهذا يعني أنك وحيد، وأن تكون مشاركاً في شبكة اجتماعية فهذا يعني أن تشارك آخرين يعانون من نفس الوحدة.

مع ذلك التقنيات تسير في هذا الاتجاه، لن يكون مستغرباً أن تصبح الهواتف النقالة هي وسيلة التواصل المباشر لأنها ستكون على اتصال دائم بالشبكة الهاتفية وشبكة الإنترنت، وإذا نجحت خطط بعض الحكومات ستصبح هوية الإنسان موجودة معه طوال الوقت، هكذا يصبح الكل يراقب الكل، سيعرف الناس ماذا يفعل الآخرون وأين ذهبوا وماذا اشتروا، ولا أعني بذلك أن هناك نوع من التجسس والمؤامرة بل ما يحدث أن الناس أنفسهم سيتطوعون بمشاركة الآخرين بمثل هذه المعلومات.

المشاركة تحدد شخصياتنا، جملة مثل "أكلت بيضتان مع شطيرة جبن لذيذة وكوب كبير من القهوة الفرنسية" ليست غريبة بل نوع من التواصل الاجتماعي، كأن الشخص يقول "أيها العالم انظر ماذا أكلت اليوم على الإفطار" وربما سيضع الشخص صورة للإفطاره التقطها بهاتفه النقال.

الصورة والجملة التي وضعهما سيصبحان فوراً محتويات خارج السياق، تصور معي آلاف الرسائل التي تبث كل دقيقة لأناس يمارسون حياتهم اليومية، هذا شخص يستمتع بإفطاره وهذه فتاة اشترت فستاناً جديداً وهذا مراهق مكتئب أعلن عن رغبته في الانتحار وهناك رجل سعيد بنجاح عرضه وقبول مشروعه التجاري وامرأة عجوز تعلن أنها ستسافر لأول مرة في حياتها إلى خارج بلادها.

هل لاحظت أن بين كل الأمثلة السعيدة هناك مثال كئيب؟ ما ننتقده في التلفاز من خلط بين أشياء متناقضة كالأخبار الجادة والإعلانات الراقصة يحدث مرة أخرى في الشبكة لكن بشكل أوسع وأكثر تنوعاً، هناك قفز بين المشاعر والأحداث وهناك انفصال تام عن السياق الذي تحدث فيه الأشياء، قراءة خبر أو مشاهدة مقط فيديو ليس كمعايشة الخبر، عندما يتحدث شخص ما للكاميرا التي وضعها في أعلى الشاشة ويقول بأنه حزين وأنه غير راض عن حياته ثم ينشر الفيديو في يوتيوب فهو في الحقيقة يعرض نفسه لآلاف من الشخصيات المختلفة التي ستشاهد المقطع، بعضهم سيشاهده ثم ينتقل لمقطع آخر ضاحك أو لعله يستمتع بالمقطع نفسه كأنه يشاهد فيلماً.

التواصل الدائم قد يكون طبيعياً في المستقبل، وما سأقوله هنا قد ينظر له البعض اليوم أو في المستقبل على أنه نوع من التخلف لكن لا يهمني ما سيقوله الناس، أنا مؤمن بأن التواصل الدائم غير المنقطع والمشاركة بكل شيء خطأ كبير، كل إنسان بحاجة لأن يعيش لحظات مع نفسه، كل إنسان بحاجة لقدر من الخصوصية والتواصل الاجتماعي بحاجة لتواصل على أرض الواقع.

أوجه كلامي هذا للمراهقين خصوصاً، قد ترى أن مشاركة الآخرين بالصور والفيديو ومعلومات عن نفسك تجعلك "كول" لكن تذكر أن أمامك في الغالب 50 عاماً أو أكثر من الحياة، لا أظن أنك تريد شخصاً ما يذكرك بحماقات مراهقتك ويكون لديه دليل على ذلك: مقطع فيديو صورته بنفسك.

حسناً ... كنت سأكتب عن موضوع آخر لكن يبدو أن المقدمة أصبحت هي الموضوع.

6 تعليقات:

فتاة الثلاثين يقول...

أوافقك الرأي أخي في أن التواصل مع الغير سواء كان على أرض العالم أو حتى في عالم النت ينبغي أن يكون بضوابط فهناك خصوصية
سؤال: هل يعتبر التدوين عن اليوميات والأحداث التي يتعرض لها الشخص في حياته تحت اسم مستعار من هذا النوع الذي تحدثت عنه؟
سؤال آخر : أحيانا الشخص يؤمن بفكره أو مبدأ هو غير مقبول في نطاق بيئته ولو عبر عنه لربما حدث شيئ سيئ له لذلك يرغب أن يعبر عما يريد بالتدوين تحت اسم مستعار ما رأيك في ذلك ؟

محمد من المغرب يقول...

الجلوس أمام الحاسب لا يعني الوحدة! أخالف صاحب هذه المقولة..
من لديه استعداد للوحدة فسيكون كذلك مع الإنترنت أو مع أي وسيلة تواصل أخرى، فقط سلوكه يتجلى في أنشظته على الإنترنت. أما من كان غير ذلك فستجده يتخذ الشبكات الإجتماعية (أو الإنترنت عموما) وسيلة لكسب صداقات جديدة و لتكوين شبكة معارف إضافية يرجح أن تمتد لأرض الواقع (هذا لا يعني أنه كان وحيدا بقدر ما يعني رغبته في التوسع، أي أن طبع هذا الشخص البحث عن صداقات جديدة و تجديد حياته دوما).
الإنترنت و الشبكات الإجتماعية ليست إلا وسيلة للتواصل (أو لتسهيل التواصل) بين المهتمين بنفس الميدان/الهوايات. هذا لا يعني "وحدة" مستخدميها بقدر ما يعني استغلالهم للتقنيات الحديثة فيما يصب في مصلحتهم.
حسنا، سأعطيك مثالا: تعرفت شخصيا على عدة أشخاص عبر الإنترنت، بحيث كانت لدينا بعض الهوايات و الآراء المشتركة، امتدت الصداقة في العالم الواقعي و أصبحنا نلتقي دوريا، نسافر، نشارك في مسابقات، ننظم أنشطة ترفيهية بيننا و عدة أمور أخرى! كل هذا في العالم الواقعي بالطبع، و لسنا واحدا و اثنين بل عشرات، و تفصلنا آلاف الكلمترات عن محيط عيش كل واحد، إذن لولا الإنترنت لما تعرفنا يوما!
الإنترنت و الشبكات الإجتماعية ليست غاية في حد ذاتها، و لم تخلق لتكون غاية أحدهم، بل طرق لاختصار المسافات، و الأهم من ذلك: توصلك تلك الطرق للشخص الذي تبحث عنه.
أما ما يخص مقطع الفيديو فلا أظن أن هناك ما يمنع من نشره. هل ذلك يعني أننا كنا أشخاصا مثاليين في مراهقتنا؟ إذا توفر الاحترام و تقبل الآخر في سلوكنا فلن يشكل أي مقطع مغامرات قديم فرصة للاستهزاء و التندر بقدر ما هو ذكريات مشتركة مع الجميع، قد نكون مصحين أو على خطأ وقتها، لكن ذلك من الماضي و لا ضير من أن يعتبر الآخرون. أما لو التفتنا لمن يشير لحماقاتنا فهؤلاء لن ينتظروا مرور 50 سنة، بل بمجرد نشر الفيديو لن تنجو من ألسنتهم، كذلك طبعهم. إذن هل ستغير ال50 سنة شيءا؟ لا أعتقد.

عصام حمود يقول...

مازلت أرى بأننا في مرحلة انتقالية جديدة، وتطور جديد في عقليات المجتمعات والشعوب.. أرى بأن كثيرون سيشهدون - كما نرى اليوم - العديد من الأزمات بسبب التواصل الجديد هذا وعدم استيعاب لما يحصل.. ولكن مع الوقت ستصبح هناك خطوط عريضة للتعامل مع هذا التواصل يعرفها الجميع بديهيا بدون استثناء ويلتزمون بها كما حدث مع الوسائل الأخرى.. وتبقى الحالات الاستثنائية.

الوسائل والمستجدات تقنن نفسها بنفسها.. أو يقننها الناس بالرغم عنهم ليحافظوا على خصوصياتهم وعلى أنفسهم.

Sameh.De يقول...

تدوينة مميزة, وتحكي عن صورة حقيقة ينساها او يتناساها البعض.

أعجبتني العبارة هذه:
(( أن تجلس أمام الحاسوب فهذا يعني أنك وحيد، وأن تكون مشاركاً في شبكة اجتماعية فهذا يعني أن تشارك آخرين يعانون من نفس الوحدة. ))

فعلاً لخصت الكثير مما في خاطري عن الشبكات الاجتماعية, وعلى انها مفيدة في جانب لكن الانطواء عليها بشكل دائم يعني ان هناك ثمة اضطراب في فطرة المرء.
وأخشى كما قلت أن تظهر كل الخطط المستقبلية القادمة بنفس الوتيرة الحالية.

تنبيهك لفئة المراهقين, او لأي فئة ابتدأت في خوضها للغمار.. في محله, واتمنى أن تصل للجميع.

غير معرف يقول...

سبحان الله ساعات نلاحظ انه متى ماكثرت وسائل الاتصال قل التواصل مع المعارف و زاد مع الغرباء .. عجيب !!
ملاحظة في محلها أخ عبدالله وياريت تشوف مقطع ع اليوتوب عن twitter
http://www.youtube.com/watch?v=PN2HAroA12w

مريم

عبدالله المهيري يقول...

فتاة الثلاثين: هناك أحداث شخصية جداً وهذه لا تكتب أبداً سواء كان المرء يستخدم اسماً مستعاراً أو اسمه الصريح، هناك تفاصيل شخصية غير ضرورية مثل ما يضعه البعض من مشروبات ومأكولات ومشتريات وغيرها، هذه ليست ضرورية ولا أرى مانعاً من نشرها، ثم هناك الأحداث الشخصية التي يتعلم منها المرء شيئاً ويكتب عنها ليقدم فائدة للآخرين، من الصعب أن نضع حكماً عاماً لأن كل حالة تختلف وكل شخص لديه رأي مختلف في ما هو مقبول أو غير مقبول، شخصياً أضع الدين كمقياس، ما يرضاه ديننا أرضاه وما لا يرضاه ديننا لا أكتبه.

الاسم المستعار قد يشكل حماية للشخص، وهذا مفيد في الحالة التي ذكرت عن عدم تقبل المجتمع لبعض الأفكار، المشكلة هنا ما هي هذه الأفكار؟

محمد من المغرب: كل شخص لديه تجربة ورأي، ما يحدث في كثير من الشبكات الاجتماعية ليس المشكلة بل فهمنا له هو المشكلة، عندما يتوهم البعض بأنه يتواصل مع "أصدقاء" في حين أنه غريب يتواصل مع غرباء فهذه مشكلة، إذا كان هناك شخص ما يجد صداقات حقيقية فهذا أمر طيب ولا شك لدي أن هناك العديد من هذا النوع، في المقابل هناك العديد من النوع الآخر.

بخصوص مقطع الفيديو، نظرتك للمجتمع متفائلة أكثر من اللازم، في المستقبل لا يضمن لك أحد أن المجتمع سيكون أكثر تفهماً وتقبلاً لأخطاء الآخرين، ومن الناحية الحكومية لا شيء يضمن لك أن الحكومات لن تستغل أفكارك في الماضي لكي تعاقبك في المستقبل.

في الماضي كان هناك من يشير إلى الحماقات ثم كبرنا وأدركنا أننا كلنا نمارس مثل هذه الأشياء ولم نعد نتحدث عنها إلا كذكرى مضحكة، الناس يتغيرون، إلى الأفضل أو إلى الأسوأ، ما يحدث اليوم ليس بالضرورة هو ما سيبقى في 50 عاماً بدون تغيير.

عصام حمود: معك في كل ما قلته، يبقى أن ننبه البعض إلى أهمية الخصوصية وكذلك أهمية أن يخصص المرء وقتاً لنفسه، التواصل الدائم ليس في مصلحة أحد.

Sameh.De: ما هو سبب الاضطراب؟ كثير من الأسر لا تمارس دورها كما ينبغي، البيت أصبح كالفندق، مأكل وملبس ونوم ولا مكان لعلاقات صحية بين أفراد العائلة، لذلك سيجد المرء بديلاً في خارج البيت سواء في الشبكة أو في الشارع.

غير معرف: مقطع فيديو رائع، أشكرك.