الخميس، 18 سبتمبر، 2014

رسالة إلى عبدالله ٢٠٠٥

سلام عليكم ورحمة الله وبركاته

نعم، لم أغير التحية التي بدأتها أنت في الماضي، لا أقول "السلام" بل "سلام" ولا أذكر الآن لم ومتى بدأت أفعل ذلك، لكن لا شك أنك تذكر ذلك، أعرفك بنفسي، أنا عبدالله المهيري .. أنا أنت لكن من المستقبل! من ١٨ سبتمبر ٢٠١٤ بالتحديد، بالأمس دار حوار قصير بيني وبين الأخ شبايك وأخوة آخرين في تويتر، وطلب مني الأخ شبايك أن أكتب هذا الموضوع لأبين لم أنا في المستقبل سأعنفك أنت في الماضي.

"تويتر" هو تعريب اسم شركة Twitter، بالنسبة لك هذه الشركة لا زال أمامها عام لكي تظهر ولست بحاجة لفهم الكثير حولها، المهم هنا أن الأخ عبد الرحمن ساحلي تحدث عن طوابير آيفون ٦، شيء آخر لا زال في المستقبل، أبل ستعلن عن هاتف لها وستسميه آيفون (iPhone)، المهم هذا ما قاله الأخ عبد الرحمن:

فرد علي الأخ صالح:

فكان ردي على الأخ صالح:

ثم رد على كلامي الأخ شبايك
لذلك أكتب هذه الكلمات، لأشرح لك أنت في الماضي وللقراء في الحاضر لم أجد مشكلة في تغطية أخبار منتجات الشركات، في الماضي لم تكن هناك مواقع كثيرة تغطي أخبار شركة أبل، هناك موقعان متخصصان في نشر أسرار شركة أبل وقد كان من النادر أن ينشر الموقعان شيئاً دقيقاً، لذلك كان ستيف جوبز يقف فوق المسرح ليعلن عن شيء سيفاجأ الناس، في مستقبلك سترى الأمر يتغير، سترى عشرات إن لم تكن مئات المواقع التي تنشر أسرار أبل وشركات أخرى كثيرة وبالتفصيل الممل، وقد صنعوا من أنفسهم آلات تسويقية لشركات كبرى وسيحزنك أنك لم تعد تجد أي مفاجأة في أي شيء جديد، لأن كل الأسرار تفضح قبل الإعلان عنها رسمياً، وأحياناً بالتفصيل الممل وبالصور ومقاطع الفيديو.

كثير من المواقع التقنية التي تتابعها أنت في ٢٠٠٥ يمكن أن تسميها مواقع استهلاكية في ٢٠١٤، لم تعد مواقع تقنية كالتي تعرفها، كانت مواقع تتحدث عن أشياء تعجبك، عن تفاصيل أنظمة التشغيل والبرامج ولغات البرمجة وعن تاريخ الحاسوب وواجهات الاستخدام وعن كتب البرمجة والتقنية وتاريخ الحاسوب وشخصياته، هذه المواقع التقنية التي كانت تغوص عميقاً في التقنيات لتلبي حاجة شريحة من الناس ستتحول إلى مواقع موجهة إلى شريحة أخرى تماماً، شريحة من الناس كبيرة تهتم بالأجهزة وشراءها واقتناء الجديد منها دون أن تغوص عميقاً في تقنياتها، لن تجد أحداً يشرح ما هي نواة نظام آيفون وما هو تاريخها ومن أين جاءت، لن تجد مقالات ذات عشرين أو ثلاثين صفحة كلها تتحدث عن أدق التفاصيل التقنية التي لا يحبها إلا من يمكن وصفهم بالإنجليزية Geek وهي كلمة لا أعرف كيف أترجمها، لكنك تفهمني ولست بحاجة لشرح معناها.

كل هذا سيذهب ليأتي مكانه محتوى يركز على حجم الهواتف ونحافتها وشاشاتها التي تتضخم، سترى آلاف التعليقات التي تتنافس في الدفاع عن شركات والهجوم على شركات، تماماً كمتعصبي كرة القدم لكن هؤلاء متعصبون لشركات تبيعهم منتجات غالية الثمن وبعضهم ربما يتعصب لشركة لا يستطيع أن يشتري منتجاتها، سترى ساحات التعليقات تصبح أسوأ مكان لأي نقاش لأن النقاش يتكرر مرة بعد مرة ... بعد مرة ... بعد ألف مرة ... بنفس الطريقة، حول نفس المواضيع، عن نفس النقاط ولن ينتهي هذا النقاش المبتذل لذلك لم أعد أقرأ التعليقات، في الماضي أذكر أن التعليقات كانت أحياناً أكثر فائدة من المواضيع نفسها، الآن هي ساحات يجب تجنبها.

التقنية في هذه المواقع لم تعد فهم التقنية وشرح كيفية استخدامها في حياتنا اليومية وكيف نستفيد منها، التقنية تعني الآن مقارنة منتجات شركات مختلفة، وضع قوائم لأفضل ١٠ هواتف أو ١٠ حواسيب لوحية، الحديث عن تطبيقات لهذه الأجهزة، الحديث عن كاميرات هذه الأجهزة، متابعة آخر الإشاعات والتسريبات.

كل هذا لا يعجبني لأنه يدور عن الاستهلاك، شراء المنتجات وتشكيل أندية معجبين - أو متعصبين - للشركات، شيء لم أستطع حتى الآن تخيله، قد أفهم أن يعجب شخص ما بناد لكرة القدم لكن شركة؟ أجد في الأمر مشكلة وإن كنت لا أدري كيف أشرح الأمر، ما الذي يستفيده شخص من دفاعه عن شركته المفضلة؟ أو هجومه على شركات منافسة؟ حطام الدنيا يتنافس عليه الناس ثم ماذا؟ حقيقة أننا كلنا سنرحل عن هذه الدنيا تكفي العاقل أن يتوقف عن الاهتمام بهذه الصغائر ويدرك أن الهواتف والحواسيب اللوحية ما هي إلا أدوات، يشتري أحدنا الأداة المناسبة له ثم ينتهي الأمر، لا داعي للنقاش حول مميزات وسلبيات هذا الاختيار، لا داع للمقارنة بالخيارات الأخرى، لا فائدة من كل هذا.

الفائدة تكمن في استخدام هذه الأداة لتوفير الوقت أو المال أو كلاهما، هذا ما تقدمه التقنية، في الماضي كان الناس يغسلون ثيابهم بأيديهم في عملية تتطلب وقتاً طويلاً وغالباً النساء يفعلن ذلك، جاء اختراع الغسالة ليعطي النساء والناس عموماً توفيراً للوقت، ضع الملابس في الغسالة وسيخرج منها وقت لقراءة كتاب، لإنجاز عمل آخر، للجلوس مع من تحب، عد بعد ساعة أو ساعة ونصف وستكون الملابس جاهزة.

ما الذي تقدمه الهواتف والحواسيب اللوحية ويعطينا نفس النتيجة؟ أعني كيف توفر علينا الهواتف والحواسيب اللوحية الوقت أو المال أو كلاهم؟ أو كيف تعطينا راحة البال؟ المواقع التقنية يجب أن تتحدث عن هذا الأمر، عن كيف نستخدم هذه الأجهزة ونفهمها بتفاصيلها الدقيقة والتي قد تكون صعبة، المواقع التقنية يجب ألا تعامل زوارها كالأطفال ... لكن لا فائدة من كلامي هذا فقد قلته مرات عديدة في الماضي، والمواقع التقنية هي مواقع استهلاكية إلا القليل منها.

لذلك، رسالتي لك عبدالله ٢٠٠٥ أن تقلل اهتمامك بمنتجات الشركات وترفع من اهتمامك بفائدة التقنيات وفهمها، المنتجات صممت لكي تموت ويأتي غيرها، فهم التقنية سيبقى مفيداً لمدة طويلة ولن يفقد فائدته بتغير المنتجات، أقول لك هذا الكلام وأنا في ٢٠١٤ وحتى الآن لم أتعلم البرمجة بعد، تصور كل هذه السنوات التي تفصل بيننا، لو أنفقتها في تعلم البرمجة لكنت الآن مبرمجاً محترفاً أو على الأقل متقن للبرمجة لكي أصنع ما أريده بدلاً من الشكوى مما أستخدمه.

فائدة ملاحقة آخر أخبار شركات التقنية يتضائل سريعاً بينما تعلم استخدام الحواسيب والاستفادة منها وبرمجتها يرفع من قيمتك كشخص ويجعلك مفيداً لنفسك والآخرين وهذا أفضل وأكثر قيمة من خبر تلاحقه، أبل مثلاً أعلنت مؤخراً عن هاتف آيفون ٦، هذا الخبر غير مهم لذلك لم أتابعه جيداً واكتفيت بما كتبه بعض من أتابعهم، العالم سيبقى غداً وبعد غد إن كنت أجهل تفاصيل هذا المنتج الجديد، في الحقيقة العالم لا يكترث لأنني أعرف أو أجهل أي شيء حول آيفون ٦، لكن الناس سيهتمون لو أنني صنعت شيئاً متقناً، قل برنامج جديد، واجهة استخدام مبتكرة، جهاز جديد، كتاب مفيد، مقالات تشرح شيئاً ما، محاضرات ومقاطع فيديو ودورات تدريبية.

كل هذا أكثر فائدة من متابعة أخبار منتجات صممت لكي تدفع الناس لشراءها سواء كانوا يحتاجون خصائصها المتقدمة أم لا يحتاجونها، وسيظهر جيل جديد من هذه الأجهزة بعد عام وهذا سيدفع بالبعض للتخلص من أجهزتهم السابقة وشراء الجديد، تصور هذا؟! هل يمكنك تخيل كم من الأموال والأوقات تضيع على متابعة شيء أصبح كالموضة؟ هذه نقطة أخرى تزعجني، التقنية أصبحة موضة، كالملابس يشتريها الناس ليغيرونها بعد مدة قصيرة.

خلاصة ما أريد أن أقوله: اهتم بتعلم التقنية والاستفادة منها وتعلم البرمجة، اترك أخبار الشركات ومنتجاتها فهذه دائرة لا تنتهي ولن تستفيد من الدخول فيها لتتابع آخر ما تنتجه الشركات، حاسوب آيماك الجديد سيصبح قديماً بعد سنتين، تعلم البرمجة سيفيدك لعقود وحتى آخر عمرك، بشرط أن تتعلم ولا تتوقف عن التعلم وتستخدم ما تعلمته لصنع شيء مفيد.

تحياتي
عبدالله

ملاحظة: توقف عن إيذاء نفسك بالطعام الزائد! ستكسب كثيراً من الوزن الذي ينبغي علي التخلص منه الآن!

3 تعليقات:

Sameh.De يقول...

تدوينة رائعة بحق, لعلّك تستمر بقراءة عبدالله 2005 لأن إلهامه عليك جميل ومؤثر ومفيد :)

صدقت في نقطة الأخبار.. حينما أفكر بعدد السنين وكمية الأخبار التي اتابعها ويصبح بعضها منتهي الصلاحية في اليوم الآخر شيء مقلق ومخيف, وكما قلت لو تعلمت او قرأت كل يوم سطر برمجي واحد لكان مخزوني الحالي مفيداً لي ولغيري, حقيقة البرمجة لاتموت! لطالما وجدت نفسي عاجزا عن الفعل والتنفيد برغم وجود الفكرة بتفاصيلها.

نقول لعل الأمر كله خير, ماحدث وماسيحدث لنا.. في عالم موازي آخر ربما قمت بكتابة رسالة إلى عبدالله 2005 توبخه عن الاهتمام بالبرمجة برمتها وتطلب منه الخروج لطلب الحياة والإستمتاع بالعطاء فيها :)

عبدالله المهيري يقول...

@Sameh.De: شكراً.

منذ سنوات توقفت عن متابعة نشرات الأخبار في التلفاز ثم توقفت عن قراءة الصحف ولم أخسر شيئاً بل كسبت راحة أعصابي وكثيراً من الوقت، ربما علي فعل ذلك مع المواقع كذلك، لا يجب أن أعرف كل جديد، بدلاً من ذلك، وكما قلت أنت، تعلم سطر برمجي واحد قد يكفي كل يوم.

بخصوص العالم الموازي، في أحد هذه العوالم أنا قرصان جوي أمارس قرصنة كل شيء يطير! هل تتخيل كم الجرائم التي أرتكبها؟! تخيل احتمالات العوالم الموزاية شيء يعجبني حقاً، ممتع جداً :-)

Muhammad Fawwaz Orabi يقول...

لو استطعت لاخترقت كل مواقع الأخبار التقنية وحوّلتها إلى هذه التدوينة :D

إرسال تعليق

ملحوظة: يمكن لأعضاء المدونة فقط إرسال تعليق.