الثلاثاء، 19 نوفمبر، 2013

الورق للنسخ الاحتياطي

ملاحظة: المقال نشر أول مرة في مجلة عرب هاردوير.

النسخ الاحتياطي يعني أن تضع ملفاتك المهمة في وسيلة تخزين منفصلة عن حاسوبك لأن حاسوبك قد يتعرض لأي عطل في أي وقت ويتسبب في ضياع ملفاتك، يحدث هذا مع الأقراص الصلبة التي قد تتعرض لعطل ما وعندها قد لا تصل لملفاتك بسهولة أو قد تحتاج خدمة شركة متخصصة في استرجاع الملفات وهي بالتأكيد ستكون خدمة غالية السعر، حتى لو لم يحدث أي شيء للحاسوب هناك احتمال أن ترتكب خطأ فتحذف ملفات بالخطأ ولا تستطيع أن تسترجعها، لذلك كرر كثيرون في الماضي نصيحة أن تأخذ نسخة احتياطية من ملفاتك المهمة وتفعل ذلك بشكل مستمر تحسباً لأي طارئ.

لكن ماذا لو نظرنا للبعيد، أعني 200 سنة أو 50 سنة على الأقل، هل يمكن لملفاتنا أن تعيش كل هذا العمر؟ العالم الرقمي عمره قصير جداً مقارنة مع تقنيات أخرى مثل الكتب، هناك كتب عمرها أكثر من 200 عام ولا زالت تحتفظ بنصوصها بل هناك كتب عمرها أكثر من 800 عام، بينما العالم الرقمي لا زال حديثاً نسبياً ومع ذلك فقد ذهبت مصادر عديدة ولم تعد، اختفت وليس هناك إمكانية استرجاعها، أو هي محفوظة في وسائل تخزين يصعب اليوم قرائتها واستعادة ما فيها من بيانات.

خذ على سبيل المثال شبكة الويب، هناك جزء كبير من الشبكة لم يعد موجوداً وخصوصاً المواقع التي ظهرت في أول عشر سنوات من عمر الويب، لأسباب مختلفة تتوقف المواقع عن العمل ولا يكون هناك نسخة احتياطية منها وبالتالي لا يستطيع أحد الوصول إليها، كذلك الحال مع ملفات في حواسيب قديمة أو وسائل تخزين غير مألوفة كالأقراص المرنة بقياس 3 إنش أو حتى الأقراص المرنة بقياس 3.5 إنش لكنها تحفظ الملفات بطريقة طورتها شركة ما بشكل مختلف تجعلها صعبة القراءة في حواسيب اليوم ولقرائتها لا بد من تطوير برنامج خاص بها.

ليس كل شيء يستحق أن يحفظ وفي نفس الوقت لا يمكننا أن نعرف ما الذي سيكون له قيمة لأجيال المستقبل، قد تكون مقالات بسيطة كتبها شخص ما عديمة القيمة لهذا الشخص لكنها قد تكون مصدر بحث ومعلومات لشخص ما في المستقبل، كذلك الحال مع الصور والفيديو والصوتيات وغير ذلك، خسارة أن تضيع مواقع كثيرة ظهرت في بدايات الويب، هذه المواقع هي جزء من تاريخ الشبكة ومؤسف أن كثيراً منها لم يعد له وجود.

ما الحل هنا؟ كيف نحفظ المعلومات الرقمية لأطول مدة ممكنة؟ هناك حلول كثيرة، منها مثلاً وضع نظام نسخ احتياطي يستخدم أقراصاً صلبة متعددة ويمكن استبدال الأقراص التي تعطلت بأخرى جديدة وستبقى البيانات محفوظة، حل آخر قدمته شركات متعددة يكمن في تصميم وسائل تخزين رقمية يمكنها حفظ البيانات بطريقة تضمن استمرار عملها لمئة عام، المشكلة هنا أن تقنيات الحاسوب في مئة عام قد تتغير جذرياً فلا يعود أحد يتذكر كيف يمكن قراءة قرص مدمج أو وسيلة تخزين تستخدم منفذ يو أس بي.

هناك حل آخر وأعترف أنه حل غير عملي لكنه أثار فضولي، ماذا عن استخدام الورق؟ لم لا نستخدم الورق كوسيلة تخزين طويلة الأمد؟ أول مشكلة قد يطرحها أي شخص هنا هي أنه بالإمكان طباعة الوثائق والنصوص على اختلاف أشكالها لكن كيف ستحفظ ملفاً صوتياً على الورق؟ كيف ستحفظ ملف فيديو على الورق؟ هناك حل!

برنامج يسمى بايبر باك (Paperback) يقدم حلاً، فهو يتيح للمستخدم طباعة أي ملف بطريقة خاصة ثم يمكن للمستخدم أن يأخذ الورقة التي طبع عليها الملف وينقلها لحاسوب آخر ويستخدم ماسحاً ضوئياً ليدخل البيانات من الورق إلى الحاسوب والبرنامج بدوره يحول الورقة المطبوعة إلى ملف رقمي.

يبدو الأمر صعباً لكنه بسيط، دعني أشرح ذلك، في المحلات والمتاجر الكبرى هناك ملصق يوضع على البضاعة يحوي شفرة خطية أو (Barcode) وهذه الشفرة هي عبارة عن رقم يشير إلى نوع البضاعة، عندما تذهب إلى صندوق الدفع سترى العامل يستخدم جهازاً يقرأ الشفرة الخطية ليحولها إلى رقم يفهمه الحاسوب وبالتالي يعرف نوع البضاعة وتكلفتها، الشفرة الخطية هنا هي بيانات مطبوعة تحتاج لجهاز خاص لقرائتها.
كذلك الأمر مع بايبر باك، البرنامج يطبع الملف على شكل مربعات تحوي نقاط عديدة وعند إدخال الورقة إلى حاسوب آخر من خلال ماسح ضوئي سيبحث البرنامج عن هذه النقاط والمربعات وسيفهمها ويحولها إلى بيانات رقمية تشكل ملفاً.

الفكرة ليست جديدة فقد كانت هناك مجلات في الماضي تعرض برامج مطبوعة على شكل نقاط وخطوط وعلى القارئ أن يستخدم مساحاً ضوئياً لنقل هذا البرنامج من صفحات المجلة إلى حاسوبه، فكرة كانت ضرورية في الماضي عندما كانت المجلات إحدى المصادر المهمة للبرامج.

بايبر باك يمكنه أن يضع 3 ميغابايت فقط من البيانات على الورق، هذا لوحده يجعله برنامجاً غير عملي لكنه لا يزال في رأيي فكرة ممتعة، كذلك هناك مشكلة الحاجة إلى طابعة وماسح ضوئي لنقل البيانات، لكن في رأيي أن هذا البرنامج الذي طوره المبرمج كنكتة - على حد تعبيره - يمكن أن يصبح حلاً أكثر جدية برفع كمية البيانات التي يمكن نقلها ورفع الدقة كذلك، من يدري لعل الورق يعود ليصبح وسيلة تخزين طويلة الأمد مقارنة مع وسائل التخزين الرقمية.

على أي حال، هذه دعوة للتفكير الجدي في موضوع أرشفة البيانات الرقمية، مع ازياد المحتويات الرقمية التي لا ترى طريقها إلى الورق ووسائل التخزين الأخرى يزداد أهمية وضع حلول عملية وطويلة الأمد لأرشفة هذه المحتويات.


1 تعليقات:

أنس يقول...

مثير للإهتام , أشاركك نفس الشغف في حماية البيانات من الضياع. في عصرنا الحالي نحن نستعمل تقنيات التخزين الرقمية من أقراص صلبة و مرنة و كل هذه التقنيات أظهرت كفائتها على المدى القريب و فشلها على المدى البعيد. كل ما نستطيع تأكيده الأن أن كل تقنياتنا للتخزين الرقمي غير قادرة على تخزين المعلومات لأكثر من عقدين على أقصى تقدير و ذلك بتخزين جيد بعيداً عن الرطوبة و عن الحقول المغناطسية التي ممكن أن تشكل خطراً على معلوماتنا. الطريقة المقترحة عبر برنامج Paperback تبدوا مسلية جداً لكنها للأسف و لنكن واقعيين ليست عملية ثم أن الأوراق أيضا تتعرض لتلف و الضرر.

المشكلة التي طرحتها الأن ... ليست جديدة إطلاقا بل هي تحدي من تحديات التي تواجها تكنولوجيا المعلومات منذ بيداياتها, على سبيل المثال أيقنت الحكومة الألمانية إلى ضرورة تحويل ارشيفها الإلكتروني و إختارت حفظه في أفلام فوتوغرافية معالجة خصيصا و محفوظة في قبو عميق تحت الأرض و على أقصى تقدير و حسب إعتراف الحكومة الألمانية ستصمد تلك الأفلام قرناً على أقصى الأحوال ؟

الأن العالم يبحت عن طرق آخرى و يبدوا أن السبيل الأمثل و الحل الواعد يمكن في الطبيعة و ذلك عبر تخزين المعلومات الرقمية في الخلايا الحية و حتى الأن تبدوا التقنية في الطريق الصحيح و الهدف هو ضغط أكثر من 931322 غيغابايت من البيانات على 1 غرام من البكتيريا و صدقني سيكون ذلك قريبا جداً إن لم يكن قد حدت الأن !

حتى نفهم مبدأ تخزين المعلومات الرقمية على الخلايا الحية يجب أن نعلم أن الحمض الوراثي DNA من أكثر المواد الطبيعية ضغطاً واستقراراً لتخزين المعلومات في الكون ... هو يستعمل تتابع القواعد الأزوتية لكوسيلة تشفير و هي أربع قواعد الأدنين A، السيتوزين C، الغوانين G، والثايمينT، يشكل تتابع هذه القواعد الوسيلة المستعملة في تخزين المعلومات الوراثية في الحمض الوراتي و الذي يمكن فك تشفيره بسهولة عبر ألة معقدة تسمى DNA sequencer الفكرة تكمن في الإستفادة من مزج بين طريقتي التخزين الرقمي والحيوي للمعلومات بتحويل المعلومات المشفرة رقمياً (0،1) إلى معلومات مشفرة وراثياً (A C, G, T) حيث يتم استبدال الصفر (0) بالحرفين (A و C) والواحد (1) بالحرفين (G و T) لتركيب شيفرة وراثية / رقمية تشفر محتوى وخصائص المعلومة المخزنة. يتم فك التشفير عبر DNA sequencer الذي يظهر تتابع القواعد و ثم يقوم برنامج خاص بتحويل ترتيب القواعد إلى ترتيب لرقمين 0 و 1 يتم تحويله هو الآخر إلى ملفات رقمية.

إرسال تعليق

ملحوظة: يمكن لأعضاء المدونة فقط إرسال تعليق.