الأربعاء، 16 يناير، 2013

رقمي مصيبتي

المجتمع التقني ليس مكاناً مناسباً لشخص يريد أن يعيش حياته ببساطة، المجتمع التقني يطلب منك ويفرض عليك أحياناً أن تدخل التعقيد في حياتك والتعقيد هنا هو أي شيء قد لا ترغب به حتى لو كان مجرد زيارة لمؤسسة رسمية لإنجاز شيء ما مرة واحدة فقط، إن كنت لا ترغب في فعل ذلك فهذا قد يكون كسلاً أو عدم اكتراث لكن لم يتهم الفرد بهذه الأوصاف في حين أن المجتمع يفرض أشياء كثيرة عليه ليجعل الفرد يتمنى أن يترك وشأنه.

"رقمي هويتي" برنامج لتأكيد هوية أرقام الهواتف وفرض على الجميع واليوم آخر مهلة وبالطبع المنافذ الآن مزدحمة وستبقى حتى منتصف الليل وبعد ذلك من لم يسجل لن يتمكن من إجراء مكالمات وبعد ثلاثة أشهر سيقطع الخط كلياً، هناك تعليقات في الشبكة تلوم الناس وتزايد عليهم "لم يتأخرون حتى آخر لحظة؟" أحدهم يسأل، والإجابة لدي ببساطة أنني لم ولن أكترث، في الحقيقة أنا متضايق أنهم لن يقطعوا الخط فوراً لأن هذا ما يجب أن يحدث فأرتاح من هاتفي الذي أكرهه ويكرهني ثم لن أستخرج رقماً جديداً لأنني بارد بليد كسول لا أهتم بأن كل مؤسسة حكومية أو خاصة تطلب رقم هاتف، أريد أن أرى ردود أفعال من أتعامل معهم ويطلبون رقم هاتفي لأخبرهم أنني لا أملك واحداً، كنت أحب أن أراهم وهم لا يعرفون كيف يتصرفون في موقف مثل هذا.

المسألة ليست مجرد شيء واحد، الناس مضطرون لإنجاز معاملات مختلفة لأنفسهم لأن القانون يفرض عليهم هذه الوثائق وهذه البطاقات والإجراءات وغير ذلك وعليهم تكرار إنجاز هذه الأمور سنوياً أو كل سنتين، كل مؤسسة تظن أنها تعيش في عالم منفصل وترى الأمر بمنظار ضيق فهي تطلب معاملة واحدة، بطاقة واحدة، شيء واحد كل عام، هذا ليس بكثير أليس كذلك؟ لكنه بالنسبة للفرد معاملات مختلفة وتكاليف مختلفة وقد يحتاج للخروج من عمله لإنجاز بعضها ولا داعي للحديث عن التعقيدات التي قد تواجه الفرد عند محاولة إنجاز بعض المعاملات، وبالتأكيد ليس هناك أي داعي للحديث عن مواقف السيارات ... لنحتفظ ببقية أعصابنا.

أشعر بأن المجتمعات التقنية أو المجتمعات الحديثة تزداد تعقيداً عاماً بعد عام، هناك المعاملات والقوانين والإجراءات، والتقنية تستخدم لتقديم حلول لكن من يعرف التقنية جيداً يعرف أن كل تقنية تأتي مع حزمة من المشاكل وكلما ارتفع مستوى التقنية ازدادت مشاكلها، التقنية ليست مجرد أدوات معزولة عن التأثير والتأثر، بل هي تؤثر في الناس وتدفعهم في اتجاهات محددة، والمجتمعات تفرض على أفرادها بطرق مختلفة أن يستخدموا تقنيات محددة أو يتقبلوا أنواعاً من التعقيد، ثم يتحدث أفراد عن حرية الاختيار وكيف أن كل فرد مسؤول عن اختياراته.

نعم كل فرد مسؤول عن اختياراته، وفي نفس الوقت لا يمكن أن نتجاهل أن المجتمعات تفرض على الناس أفكاراً وتقنيات وتعقيدات، والأمر يشمل عادات الناس ومشترياتهم وحتى أفكارهم.

أما مصيبتي فهي أن الأهل طلبوا مني إنجاز موضوع "رقمي هويتي" لهم ولم أفعل ذلك حتى الآن، ليس الأمر كسلاً أو عدم اكتراث بل سوء حظ، أنا أنجز أعمالاً أخرى لهم لكن عندما يأتي الموضوع لرقم الهاتف يحدث شيء ما يجعلني أضطر لتأجيله إلى اليوم التالي ثم الذي يليه ثم لا أتذكر الموضوع ولا أهلي يتذكرونه وتمضي أسابيع دون فعل شيء حتى يتذكرون فأكرر نفس الدائرة.

لا أدري كيف ستكون ردة فعلهم عندما يدركون أنني لم أنجز المعاملة بعد، وربما يقرأون هذه الكلمات لذلك علي أن أعتذر: أنا آسف :-)

5 تعليقات:

ibn Salama يقول...

تسعدني أنا أيضا رؤية نظرات رجال الأمن المسؤولين عن أجهزة الكشف عن المعادن عندما يطلبون إخراج جهاز المحمول (الجوال) فتكون إجابتي ببساطة وصدق أني لا أملك واحداا!!.. لو رأيتهم لحسبتهم ينظرون لكائن قادم من العصور السحيقة ولا يعرفون كيف يتعاملون مع هذا المخلوق البدائي!

م. وائل حسن -أبوإياس يقول...

حينما كنتُ أستخرج جواز سفري طلب مني الموظف شهادةً أصليةً تحدد موقفي من التجنيد (أنا مُعفي من الخدمة العسكرية) لمجرد إلقاء نظرةٍ واحدةٍ عليها، و كان الأصل الوحيد الموجود معي قد أخذَته الجامعة التي كنتُ أعمل فيها و لم أستطع استرداده حينما استقلتُ من الوظيفة. و هنا تظهر الحماقة الحكومية: الشهادة المطلوبة لدي الحكومة بالفعل، بل هي الجهة التي أعطتني إياها، و لكنها مطلوبةٌ عند جهةٍ أخري و كأن الجهاز الحكومي عبارة عن جزرٍ متناثرة !
كان عليَّ أن أسافر من محافظتي إلي محافظةٍ أخري لاستخراج شهادةٍ أخري أصلية، و المسافة كانت تزيد علي 500 كم !!!!!!!
لكن الحمد لله أن موظفاً في الجامعة ساعدني علي حل الأزمة دون الاضطرار للسفر.

السؤال الآن: ألا يستطيع أي أحمقٍ إعطاء الموظفين المعنيين القدرة علي معرفة من أُعفي من الخدمة العسكرية و أمثالهم بمجرد بريمجٍ صغيرٍ علي الشبكة لا يخل بأمن الدولة ؟!!!
الجواب: سهل جداً، أو علي الأقل ليس بالمستحيل.
لكن من الذي يهتم أو يتحرك.

samir bakheet يقول...

تعقيدات واجراءات وقوانين معقدة نحن نترك العالم ليتقدم ويبسط كل شئ من حولناونحن نظل بدائين نختفى فى ظلال التقدم والتقنية ...... اخى هذة ليست مشكلتك وانما مشكلة اغلب العرب

علي يقول...

لعلي لا أشطح في تعليقي، لكنني أحاول تقديم الدعم من خلال حثك على الوقوف والانتظار في الزحمة قليلاً وتحديث البيانات المطلوبة منك، وأقترح أن يكون معك كتاب أو دفتر تكتب فيه، جرب أن تصور كم صورة، أكتب هذا الكلام لأنني أحسست بأنك متضايق من فكرة مراجعة هذه المنافذ وأريد المساعدة لا أكثر.

أما الحديث عن التقنية فهو دوما -كما يقال- حديثٌ ذو شجون :)

عبدالله المهيري يقول...

@ibn Salama: ما يضايقني هو افتراض الناس أن الآخرين مثلهم تماماً، لدي هاتف إذاً يجب أن يكون لديك هاتف، لدي سيارة، يجب أن يكون لديك سيارة، وهكذا من لا يتبع النمط المألوف يصبح غريباً بين الناس في حين أنه أن يقبلوه كما هو.

@أبو إياس: هذا هو السؤال، من يهتم؟ ليس وقتهم الذي سيضيع، بل أوقات الآخرين لذلك لم عليهم الاهتمام فهم جالسون في مكاتبهم، المشكلة أنهم لا يفكرون بأن تضييع أوقات الآخرين هو خسارة للبلاد نفسها.

@samir bakheet: أتمنى أن يتغير الأمر.

@علي: ربما لأنني أذهب كثيراً لهذه المؤسسات الحكومية والخاصة ولأنني أنجز أعمال الآخرين وليس فقط أعمالي، لو كان علي إنجاز عملي فقط سيكون الأمر هيناً لكنني أتعامل مع هذه المؤسسات كثيراً وتصبح الأشياء الصغيرة مثيرة للحنق.

إرسال تعليق

ملحوظة: يمكن لأعضاء المدونة فقط إرسال تعليق.