الاثنين، 17 سبتمبر، 2012

تبسيط حياة العائلة

أمسكت قطعت القماش ووضعتها على سطح المكتبة الصغيرة وبحركة واحدة مسحت كل الغبار المتراكم فتطاير ما يكفي منه إلى عيني وأنفي وبدأت أشعر بالحساسية ورغبة في إدخال إصبعي في أنفي! لكنني ألبس قفازات بلاستيكية اتسخت بالغبار وبقايا من موز رمي على الأرض في العصر الحجري ولم ينظفه أحد، أكملت مسح رفوف المكتبة ثم حملتها إلى خارج الغرفة الصغيرة التي تستخدم كمخزن لكل شيء لا نعرف أين نضعه ولا نريد التخلص منه، كان هذا كافياً لي وسأكمل التنظيف والترتيب لاحقاً، أريد لهذه الغرفة أن تصبح مكتباً أو على الأقل مخزناً منظماً ونظيفاً، ولا يمكنني فعل ذلك في جلسة واحدة إذ أن الغبار لوحده يخوض معركة معي ويبدو أنه ينتصر في كل واحدة.

هذه ليست أول ولا آخر مرة أفعل ذلك، هذه الغرفة بالذات تحتاج لتنظيم وترتيب كل فترة لكي لا تتراكم الأشياء، وكوني شخص بلا عمل ولا مسؤولية يعني بالضرورة أنني "فاضي" وبالتالي يمكنني أن أصبح قاضياً كما يقول المثل، لذلك أشغل نفسي بهذا التنظيف والترتيب لأنني من ناحية لم أكن أستطيع كتابة شيء ويبدو أن كسل الجسم يعني كسل العقل وعندما تحرك الجسم تحرك العقل ووجدت في تلك الغرفة هذا الموضوع.

أول ما لاحظته هي تلك الألعاب البلاستيكية، ما أكثرها في بيتنا، هل الأطفال بحاجة لكل هذا لكي يكونوا سعداء؟ كثير منها لا يصمد طويلاً ويتعطل في ساعات إن لم تكن دقائق، وإن صمد بعضها فالطفل يمل منها لأنها لا تقدم شيئاً جديداً ثم يشتري الأهل ألعاب أخرى وتتراكم الألعاب لتحتاج لصناديق وسلال وتخزين وتنظيف، هل نحن أو الأطفال بحاجة لكل هذا؟ ثم يجب ألا ننسى أن كل هذا يكلف الوقت والمال.

رأيت لعبة لا تزال في كيسها جديدة لم يلعب بها أحد، لا أدري كم ثمنها وأياً كان الثمن فهو تكلفة ضائعة، الناس يشتكون من غلاء الأسعار ولا شك أن الأسعار تزداد ومن ناحية أخرى أجد أن هناك فرصة لتقليل تكاليف الحياة بأن تمارس الأسر شيئاً من العقلانية، بدلاً من شراء الألعاب بدون أي تخطيط لا بد من التفكير جيداً في ذلك، اللعبة يفترض بها أن تكون من النوع الذي يعطي تسلية طويلة الأمد للطفل ويمكنها أن تعيش لوقت طويل، ثم لعبة واحدة تكفي حقيقة، الطفل يمكنه أن يجد التسلية في أمور مختلفة وليس بالضرورة في هذه الألعاب.

أضف إلى ألعاب الأطفال ملابسهم والتي بدورها تتراكم لأن أجسام الصغار تكبر وما كان مناسباً في الماضي أصبح ضيقاً اليوم لكنه صغير جميل وخسارة أن يرمى لذلك نحتفظ به في أكياس وصناديق وسلال، ولا يعود أحد لاستخدامها مع أن هناك فرصة لفعل ذلك عند قدوم مولود جديد، خسارة أن تشتري الجديد للطفل الصغير لمجرد أننا اشترينا الجديد لإخوانه من قبل، يفترض أن يكون الأصل هو استخدام المستعمل وعدم شراء الجديد إلا عند الحاجة.

في دول الغرب وبعض دول الشرق هناك مؤسسات متخصصة في استلام الألعاب أو الملابس ثم توزيعها على من يحتاجها، لو كنا نعيش في إحدى هذه الدول لكان الأمر بسيطاً، اتصال واحد وينتهي الأمر، أو ربما رحلة بسيارة نحو المؤسسة وينتهي الأمر، في بلادنا الأمر مختلف، لا أعرف مؤسسة تستقبل الملابس أو الكتب أو الألعاب، قد تنظم مؤسسة مناسبة ما لجمع الكتب أو الملابس ثم ينتهي الأمر بعد الحملة، نحن بحاجة لمؤسسات دائمة يكون هذا تخصصها وأرى أن الأنسب هو مؤسسة نفع عام تطوعية تتولى مسؤولية فعل ذلك.

في تلك الغرفة ملابس الأطفال وألعابهم ليست الشيء الوحيد الذي يأخذ حيزاً، هناك قطع الأثاث، أجهزة إلكترونية وبعضها جديد لم يستخدم، ملابس الكبار، صناديق تحفظ أشياء كثيرة، كل هذه الأشياء تكلف وقتاً ومالاً وتأخذ مساحة في بيوتنا، البعض يرى أن الموضوع كله متعلق بالتنظيم، فقط أشتري قطع أثاث جيدة وصناديق تنظيم أنيقة وضع كل شيء في مكانه وخصص لكل شيء مكان والدنيا ستكون بخير، أليس كذلك؟

لا! التبسيط يلغي الحاجة للتنظيم.

عندما تحتاج لتنظيم أشياء فهذا يعني أنها كثيرة وقد يعني ذلك أنك تستطيع التخلص من بعضها، المشكلة أن كثيراً من الناس يضعون قيمة للأشياء التي اشتروها ويجدونها خسارة أن يرموها لكنهم في نفس الوقت يخزنونها ولا يستخدمونها وهذا يعني خسارة وقت ومال ومساحة لأن المرء بحاجة إلى تنظيم وتنظيف الأشياء ولا أدري كم من الوقت سيضيع فقط ليبقي الأشياء منظمة ونظيفة.

التنظيم مهما كان فعالاً فهو لن يستطيع تخليص المرء من تراكم الأشياء، بدلاً من التنظيم يفترض أن يفكر الناس بالتبسيط، في الماضي كتبت عن التبسيط وكنت أوجه كلامي للفرد لكن أجد الآن حاجة للحديث عن التبسيط على مستوى العائلات، تبسيط هدفه توفير الوقت والمال والمساحة وحفظ شيء من عقولنا.

لا شك لدي أن الأمر يتكرر في بيوت كثيرة فنحن لسنا الوحيدين هنا، ظاهرة شراء الألعاب والملابس وتخزين الأشياء فوق حاجتنا وطاقتنا ظاهرة يعاني منها أناس كثر لكنهم لا يفكرون فيها بشكل جدي، لا داعي للتفكير في الوقت والمساحة، فكر فقط بالمال الذي ستوفره إن توقفت عن شراء ما هو غير ضروري، إن كان طفلك لديه لعبة فلم تشتري أخرى؟ يمكنك ويمكنه صنع واحدة وصدقني صنع الألعاب في البيت أكثر متعة من شراء أي لعبة، يمكن لأطفال الحي الواحد أن يلعبوا الألعاب الشعبية وهذه فيها صحة ورياضة وبناء علاقات اجتماعية ستدوم طويلاً.

بالمناسبة، موضوع التنظيم والتبسيط للعوائل هذا يحتاج لمدونة وهذه فرصة.

5 تعليقات:

abueyas يقول...

موضوع التبسيط هو موضوع كبير جداً.
عندنا في السودان مثلاً توجد أزمة زيادة اﻷسعار بطريقة لم تحدث من قبل مع إنخفاض الدخل، وكان من الطبيعي أن يقوم الناس بتبسيط حياتهم، إلا أن العكس يحدث أحياناً. فالبرغم من ذلك مازالت طبقة من الناس يحاولون العيش في بذخ واﻷسواق تعج بالناس لشراء مايحتاجونه ومالايحتاجونه. وفي الحقيقة عدم التبسيط منبعها إجتماعي بحث وتقليدي بحت. زوجتي اﻵن أصبحت تخجل من أن استضيف ضيوفي في غرفتي - مع أنها تميل وتدعو للبساطة في العيش- وهذه الغرفة تمثل مكتب ومعمل للحاسوب وغرفة عادية. شكلها أصبح لا يُشابه الغرف في البيوت العادية، يعني كان من المفترض أن تكون ثلاث غُرف بدل واحدة. معظم البيوت إتجهت لإستخدام السيراميك، حتى محدودي الدخل، كان السيراميك رمزاً للترف، لكنه اﻵن أصبح قياسي. طعم الجلوس لا بد أن يوجد في البيت، حتى لو لم يكن مريح للزوار. أحياناً أفُكر بأن استبدله بأسرة عادية تكون أريح للزائرين ويتم استخدام نفس الغرفة للنوم بدلاً من أن تكون فقط للزائرين الذي يأتون مرة أو مرتين فقط في الشهر.
السيارات، وما أدراك ما السيارات، سعر السيارة الواحدة يكفي لأن يقوم الشخص منا بفتح شركته الخاصة.
لكن في المقابل يُمكن أن يكون بيتنا ببساطته مثالاً للآخرين بتشجيعهم بأن البساطة ليست عيب.

Nawaf يقول...

بالنسبة للملابس والألعاب والأثاث المستعمل، لدينا في الكويت كثير من اللجان الخيرية تأخذها لكن كنت أعتقد أنها تعطى كما هي للفقراء ، اكتشفت لاحقاً أنها تباع ويستفاد من قيمتها المالية .. على كل حال أصبحت مصدراً يدخل على هذه اللجان وهي بالأصل كانت هدراً في البيوت وكثيرون سعداء جداً للتخلص منها فكيف وهي صدقة !
التنظيم ثقافة أتمنى أن تدرس في المدارس، كيفية تنظيم الوقت والأشياء بشكل جيد وفعال

نواف

عبدالله المهيري يقول...

@أبو إياس: هو بالفعل ما فلته، التقليد والضغط الاجتماعي، الناس لديهم تصور عن ما يجعلهم مقبولين لدى الآخرين فتجدهم يلبسون لإرضاء الآخرين ويتصرفون لكي يحاكوا الآخرين فلا يخرجوا عن ما يفعله الأغلبية، السباحة عكس هذا التيار صعب، لكنه يصبح سهلاً إن أدرك المرء أنه مهما فعل فلن يتجنب كلام الناس وبالتالي لم لا يفعل ما يناسبه؟

@نواف: جميل ما تفعله اللجان، وأشاركك الأمنية بإدخال موضوع التنظيم في المدارس، سيكون خيراً من مواد كثيرة درسناها ونسيناها.

Bendali Amel يقول...

لكم أعجبتني بساطة الأسلوب هنا، و لا أخفي أن بساطة المدونة هي التي جذبتي لقراءة التدوينة.
تأكد أنني من متابعيك.
تحياتي.

عبدالله المهيري يقول...

@Bendali Amel: شكراً :-)

إرسال تعليق

ملحوظة: يمكن لأعضاء المدونة فقط إرسال تعليق.