الاثنين، 18 يونيو 2012

ماذا لو فصلنا التعليم عن الامتحانات؟

كلما فكرت بالأمر وجدت أن فصل التعليم عن الامتحانات ليس فقط فكرة جيدة بل ضرورة لكي نرفع مستوى التعليم، "ماذا لو؟" سؤال رائع، يجعلني أفكر في أشياء لم أفكر فيها من قبل، مثل ماذا لو قلل الناس تكاليف حياتهم إلى حدها الأدنى، هل سيحتاجون لعمل؟ ماذا لو أصبح التعليم حراً والتركيز الأكبر على الحرف والمهن الهندسية والصناعية والزراعي؟ ماذا لو كانت لدي ثلاجة لا تحوي سوى الزبادي بالفواكه وبكل أنواعه؟ في الغالب سأعيد السبع كيلوجرامات التي خسرتها بصعوبة في الأشهر الماضية!

على أي حال، دعوني أخبركم عن قصة صديق كان متفوقاً في المدرسة وكنت معه في نفس المرحلة لكن في فصل مختلف، المهم في آخر العام رسبت أنا وهو في مادة الرياضيات، بالنسبة لي لم يكن هذا شيئاً جديداً وهذه أول مرة يحدث ذلك معه، هناك ما يسمى بالدور الثاني ويعني فرصة أخرى لتجاوز الامتحان الذي رسب فيه بعض الطلاب، وللمرة الثانية رسبت أنا وهو، الرسوب وتأخر عام لم يكن شيئاً جديداً علي وكان شيئاً جديداً عليه، حتى اليوم أشعر بالقهر والغضب لأن صديقي هذا لا يستحق أن يضيع عام دراسي عليه لمجرد أنه رسب في مادة واحدة.

غير ذلك نعلم جيداً وكثير منا جرب هذا الشعور، بعد الامتحان تتبخر المعلومات لأن الهدف من حفظها قد انتهى، لكن هذا الهدف سيتكرر في العام المقبل والذي يليه حتى يصل أحدنا إلى الثانوية العامة وهنا يكون الضغط كبيراً على الطلاب لأن نسبة الثانوية تحدد مستقبل الطالب، فإن لم يكن متفوقاً فلن يستطيع الدخول لبعض الكليات، أمر أراه سخيفاً، أعني الربط بين النسبة والتخصص في الجامعة، بل أمر أتمنى أن يزول كلياً، تصور فقط أن صديقي المتفوق لم يتفوق لسبب ما في امتحانات الثانوية العامة، هل عليه أن يعيد العام مرة أخرى أو أن يقبل بالنسبة المنخفضة التي لا تعطيه حقه؟

فصل التعليم عن الامتحانات يعني بالضرورة تغيير أساس التعليم، بمعنى أن التعليم يمكنه أن يكون بأي شكل، والامتحان يمكنه أن يصبح أكثر مرونة وموثوقية وفائدة، تصور فقط أن التعليم قد يتغير لدرجة تعطي كل طالب المرونة التي يحتاجها، من أراد أن يتعلم مادة في شهرين فله ذلك ومن أراد أن يتعلم في عامين فله ذلك، من أراد التقدم إلى الامتحان وهو في سن العشرين فله ذلك ومن تجاوز الستين يمكنه أن يشارك في نفس الامتحان، من أراد أن يتعلم في المنزل فيمكنه فعل ذلك ومن أراد التعلم في ورشة أو مصنع فيمكنه ذلك.

الأفكار كثيرة ولا أدري كيف أكتبها، لكن سيساعد على فهم هذه الأفكار أمثلة من الواقع، هناك شهادة توفل للإنجليزية وشهادة JLPT لليابانية - هل ننطقها جلبت؟! - وكما أفهم فهما شهادتان تثبتان أن الحاصل على الشهادة وصل إلى المستوى الفلاني من إتقان اللغة، فمثلاً JLPT تحوي خمس مستويات تبدأ من الخامس حيث يمتلك الشخص أساسيات بسيطة في اللغة وتنتهي بالأول حيث يكون الممتحن متمكناً بدرجة كبيرة من اللغة، الامتحان غير محدود بعمر محدد أو متطلبات محددة، أي شخص يمكنه المشاركة والامتحان ينظم مرتين في العام وفي مدن مختلفة حول العالم.

تصور أن هناك امتحانات مماثلة لكل شيء تنظمها مؤسسات مختلفة ومنفصلة عن مؤسسات التعليم، امتحان الرياضيات يمكن أن يقسم إلى 5 أو 7 مستويات، ويمكن حتى تقسيم امتحانات الرياضيات إلى امتحانات متخصصة فمثلاً لو كان شخص يريد أن يصبح مهندساً معمارياً فعليه أن يملك أساسيات الهندسة في حين أن من يريد التخصص في الإحصاء عليه أن يدرس تخصصاً مختلفاً ولذلك لا بد من امتحان مختلف لكل تخصص، ومن الضروري أن تكون الامتحانات مفتوحة للجميع بحيث يمكن للطفل القادر على أداء الامتحان أن يتجاوزه ليتعلم شيئاً آخر ويمكن للكبير في السن ممن فاته قطار التعليم أن يعود للتعليم في أي وقت.

ولأننا فصلنا الامتحانات عن التعليم يمكن للامتحانات أن تكون أكثر تنوعاً في أنواعها ووسائلها، فلا أرى مشكلة مثلاً في وجود امتحان للطبخ، أو للنجارة أو الزراعة أو أي شيء عملي، ويمكن للامتحانات أن تكون متنوعة في وسائلها بدلاً من الاكتفاء بالامتحان المكتوب، يمكن للامتحان أن يكون بحثاً، كلمة تلقى، مقابلة، مقالة تكتب، مشروع تطوعي أو تجاري ينجز، يمكن للامتحان أن يكون صعباً حقاً ويتحدى الممتحن لكي لا يأخذ الشهادة من لا يستحقها.

أما التعليم فيمكنه أن يكون مرناً ويتناسب مع ظروف المتعلم، يمكن أن يكون مكثفاً ويركز المتعلم على شيء واحد لأسابيع عدة، يمكن أن يتعلم الموظف بعد الدوام وبطرق مختلفة، يمكن للأم المشغولة في منزلها أن تتعلم في المنزل في وقت يناسبها، يمكن للتعليم أن يكون في مدرسة أو ذاتياً خارج المدرسة أو حتى جماعياً خارج المدرسة، يمكن أن يصبح المسجد مدرسة وهي أمنية أتمنى أن تتحقق في أقرب فرصة، لا أعرف مكاناً أفضل لتعلم مواد مختلفة وقد كان المسجد ولا زال في بعض الدول الإسلامية هو المدرسة الأولى لكثير من الناس.

فصل التعليم عن الامتحانات يعني أن يتعلم الطالب بالطريقة التي تناسبه ويأخذ الوقت الذي يحتاجه لكي يفهم، التعليم الرسمي اليوم يفترض أن كل الطلاب سيتعلمون بنفس المستوى وفي نفس الوقت ونفس الأعمار وإن لم ينجح أحدهم سيتأخر عاماً لكي يكرر نفس الدائرة حتى يخرج منها إلى دائرة أخرى، التعليم لا يراعي حقيقة أن الناس متفاوتون ومختلفون في قدراتهم ولا يفهم أن الإبداع له أشكال مختلفة وفي نفس الوقت يفرض على الجميع نوعاً وشكلاً واحداً من النجاح في حين أن النجاح له أشكال مختلف باختلاف الناس.

من فوائد فصل التعليم عن الامتحانات هو أن يصبح التعليم موجهاً أكثر نحو التعلم بدلاً من تعلم كيفية تجاوز الامتحان، لا شك لدي أن هناك أناس سيستغلون النظام الجديد ليروجوا لخدمات تعليمية متخصصة في تعليم الناس كيف يجتازون الامتحانات بدون أن تقدم تعليماً مفيداً، هذا يحدث حالياً بالمناسبة ويبدو أنه سيحدث في كل وقت وسيكون هناك دائماً أناس يهتمون بالحصول على الأوراق التي نسيمها شهادات أكثر من اهتمامهم بالعلم والتعلم.

ما هي العيوب؟ العملية التعليمية ستكون فوضوية، أو لن تكون منظمة كما هي الآن، كما ترى المدارس اليوم هي في الحقيقة مصانع لها أوقات بدء وأوقات انتهاء والوقت مقسم فيها إلى أجزاء متساوية تسمى حصص والطلاب مقسمون في غرف تسمى فصول، هناك طابور صباحي يجب أن يحضره الجميع وهناك جرس نهاية اليوم الذي يعلن انتهاء اليوم الدراسي وخروج جميع الطلاب من المدرسة، إن لم ترى وجه الشبه بين المصنع والمدرسة فأنصحك بالقراءة عن الثورة الصناعية في القرن التاسع عشر، أسس التعليم اليوم بدأت في ذلك الوقت.

المشكلة الثانية هي أن التعليم سيصبح مسؤولية الطالب نفسه، وهذا في رأيي ليس مشكلة بل ميزة، من المفيد أن يتحمل الطالب مسؤولية تعليمه مبكراً ويدرك فوائد التعلم وعواقب الجهل، لذلك هذا ليس عيباً، كلما تحمل المرء المسؤولية مبكراً كان ذلك سبباً في نضوجه نفسياً وعقلياً، شيء أفتقده في بعض الناس ممن تجاوزوا الثلاثين من العمر، صدقني رأيت وسمعت عن أطفال في سن الأربعين وأكثر.

عيب آخر يكمن في وجود أشخاص لا يهتمون بتعليمهم، هؤلاء مشكلة في التعليم الحالي أو غيره، وبالتالي ليس عيباً محصوراً في نظام فصل الامتحانات عن التعليم.

هذه الفكرة هي إحدى تلك الأفكار التي تجعلني أتسائل عن سبب عدم تفكيري بها من قبل، وكلما فكرت فيها ازداد يقيني أنها فكرة جيدة، ومن ناحية هي فكرة ممتازة يمكن تطبيقها اليوم بدون تغيير النظام التعليمي الحالي، ليبقى هذا النظام كما هو وفي نفس الوقت ليظهر النظام الجديد الذي يعطي الناس مرونة أكبر في التعلم وأداء الامتحانات ولنترك للناس اختيار ما يناسبهم.

كان سؤالاً بسيطاً وكانت إجابة سريعة لم أفكر فيها، ما كتب أعلاه كتبته دون أي تخطيط أو تفكير مسبق، بعض الأفكار لا يمكنها إلا أن تأسرك حتى تكتب عنها، هذه واحدة من هذا النوع.

7 تعليقات:

mohamed tamim makawi يقول...

مقال رائع بالرغم من انني لم اقرأه كاملا لكن وصلتني الفكرة ولي عودة لقراءته جيدا في الصباح :) , على العموم فان فكرتك مشابهة لنظام التعليم الفلندي يمكنك البحث عنه في اليوتيوب وغيره

محمد سرحان يقول...

على ذكر الرسوب أذكر تجربتي :
في البحرين يوجد نظام توحيد المسارات و هو الذي انتشر في المدارس الثانوية ليلغي النظام القديم المسمى نظام الساعات المعتمدة و يجمع ما في المسارات القديمة علمي/أدبي/تجاري
هذا النظام الجديد تم تطبيقه لأول مرة 2005 لكن انتشاره 2007 سنة دخولي الثانوية، حيث ألغي السنة الأولى من التجاري ، حيث أن المدرسة كانت جديدة آنذاك 2006 و لم يكن فيها إلا تجاري .
لتوحيد المسارات ميزة و هي أن الطالب له أن يختار أي نخصص يرغب به في جامعة البحرين مهما كان مجموعة المقرراتالتي يدرس معظم الحصص في السنوات الثانية و الثالثة من الدراسة الثانوية ، إضافة لبعض المقررات المشتركة التي يدرسها الكل مثل اللغة العربية و الإنجليزية

مجموعات المقررات ثلاث هي
1.مجموعة العلوم و الرياضيات : و هي بدورها قسمان
أ.أحياء و كيمياء
ب.فيزياء و رياضيات
2.مجموعة اللغات و الإنسانيات
3.مجموعة العوم و الإنسانيات

كما تلاحظ أسماء المجموعات مشابهة لأسماء المسارات القديمة ،لكن أين العلة:
المشكلة أن النظام الجديد غير شامل أنا من المجموعة 1أ التي تركز على الأحياء و الكيمياء و بها القليل من الفيزياء و الرياضيات و هي أنسب لتخصصث الطب
لا زال بعض الطلبة يسمون هذا علمي لكن للأسف ليس علمي لأن العلمي انتهى منذ سنوات أما هذا نظام جديد

دخلت كلية تقنية المعلومات و كانت الصدمة أن ايوجد فيزياء لم ندرسه لكن درسوه 1ب و لطلابه الغلبة أما نحن لا عزاء لنا
أنا و أحد الزملاءفي الجامعة كان هو من 1أ و رسب كما رسبت أتعلم أمراً ؟ هو كان من المتفوقين في الثانوية فقرر بعد رسوبه الخروج و إكمال الدراسة خارجاً

أنا أكملت مع أني لم أرسب مسبقاً إلا في الفيزياء و الرياضيات في الجامعة

لكن ما الرابط ؟
هذا هو أننا خرجنا من الثانوية صفراً نظراً لأننا نركز فقط على الامتحانات و الواجبات و للأسف لم يكن يولي أحد اههتماماً بنا كطلاب فهمنا أم لا
أتذكر أنهم فقط يكررون القول : أنتم لا تؤدون الواجبات أنتم لم تحققوا الدرجات الكافية .
هل شفعت الدرجات و التفوق لزميلي ذاك من أن لا يرسب ؟ لا ، إنما سببت له أزمة جعلته لا يستمر في الجامعة .

لذا أوافق فكرة فصل الشهادة عن الدراسة .

RaNiOuChA يقول...

المشكلة تكمن في أن لهذا السؤال العديد من الإجابات ،و الإجابات هنا في حد ذاتها مجال كامل من الإبداع ، لكن هل سيحقق هذا على أرض الواقع يوما ما ؟

محمد الخميس يقول...

عبد الله شكرا لك ..
لطالما كان هذا الموضوع هاجسا عندي ..

أنا من المتفوقين في التعليم الدراسي "نتائج الاختبارات" طيلة مراحلي التعليمية ..
وعندما آتي لقياس التحصيل العلمي الحالي الذي أمتلكه: أكتشف بأن مجموعة لا بأس بها من أصحاب المعدلات المتوسطة "وأحيانا المتدنية" يمتلكون نفس القدر من بواقي المعلومة، وإن لم يكن أكثر بكثيير ..

هذا التأمل، وهذه الملاحظة تدفعني دائما إلى التساؤل:
هل تقييمنا بالاختبارات صحيح؟
هل التهام المادة العلمية بأي طريقة كانت، ثم نثرها على ورقة الاختبار دون هضم وفهم هو الهدف من التعليم ؟
أم أنه أكبر ..

شخصيّا:
مقتنع جدا بأن الطريقة الحالية ليست مثالية ، وليست حولها أبدا !!

لكن إلى الآن لم أدخل في تفكير جاد في حلول لهذه المشكلة، ولم أطّلع على تجارب رائدة في هذه المجال ..
وإحساسي يقودني إلى أن: الموضوع أكبر من اختبار يزال .. وطريقة جديدة تقدم ..

شكرا لحروفك ..
وأفكارك ..

عبد الله مولاي يقول...

التعليم لا يراعي حقيقة أن الناس متفاوتون ومختلفون في قدراتهم ولا يفهم أن الإبداع له أشكال مختلفة وفي نفس الوقت يفرض على الجميع نوعاً وشكلاً واحداً من النجاح في حين أن النجاح له أشكال مختلف باختلاف الناس.

لو فهم المسؤولون عن التعليم في بلداننا العربية هذه العبارة.لتغير الكثير بالفعل...

في الحقيقة لا أطمع لذلك.هذا أمر شبه مستحيل أن يفهمه المسؤولون ذووا العقول المتحجرة.لو فهمه الناس والأهل فقط...لتغير الكثير...

Susana David يقول...

والله بالنسبه لي أولادي لولا الأمتحانات ما بيفتحوا كتاب

جُمانة فهد يقول...

هذه الفكرة رائعة فعلا، تعليم اليوم محصور في كتب ألفها أناس معينون ليدرسها الجميع شاؤوا أم أبوا، ويجعل الطالب يتعلم لينهي هذه المرحلة ويتخرج وليس من أجل العلم نفسه، الجميع يكره سيرة المدرسة وبدء الدوام، يذهبون إليها ضجرين ويعودون منها منهكين ويعدون الأيام لإجازة الصيف التي تكون كفيلة بمسح كل ما تعلمه الطالب خلال السنة الدراسية.
ما الذي يجعله يحجم تماما عن التعلم فيها؟
لأن طريقة التعليم الحالية جعلته يكره العلم، يتعلم ليحصل على شهادة عالية تمكنه من دخول الجامعة ويتعلم في الجامعة ليحصل على شهادة تؤهله للوظيفة، وإن عمل في وظيفة يقل فيها استعمال ما تعلمه من قبل فسينسى كل شيء.

ما كان هذا ليحدث لو أنه تعلم تعليما ذاتيا، اختار المجال الذي سيدرسه وانطلق فيه، يمكنني الآن تذكر مقالٍ قرأته في مجلة قبل 10 سنوات، لكني لا أذكر كيفية تكاثر الدودة الشريطية التي درستها قبل سنوات، السبب هو أن أحدها قرأته لأتعلم لنفسي، والآخر لأجتاز الامتحان.

هذا التعليم يكبل الشخص لحين تجاوزه 23 سنة، وهي السنين الذهبية للمرء التي عليه أن يستغلها ويؤسسها ليعتمد عليها في معظم حياته فيما بعد.

إرسال تعليق

ملحوظة: يمكن لأعضاء المدونة فقط إرسال تعليق.