السبت، 1 أكتوبر، 2011

تيلي-تكست: عندما كان التلفاز مملاً

TV Test Screen

في الثمانينات وأوائل التسعينات كان التلفاز مملاً وبسيطاً، لم تكن هناك فضائيات بل قنوات أرضية ويعتمد عدد القنوات على قدرة اللاقط فإن كان عالياً ومن النوع الجيد سيلتقط العديد من القنوات، كان التقاط بث قنوات من دول أخرى يعتبر حدثاً عجيباً، أذكر في تلك الأيام كيف كان اللاقط مثبت على عمود معدني قابل للتدوير وضع في فناء المنزل، كانت أديره وأنتظر تعليمات أحد إخواني: بعد ... بعد ... بعد ... وقف وقف وقف! هذا يعني أن هناك قناة ظهرت على التلفاز.

كان تلفازنا لا يلتقط الكثير، قناة أبوظبي الأولى والثانية، دبي 33 وقناة دبي، أحياناً قنوات قطر والسعودية وعمان، لم تكن كل القنوات تظهر بشكل واضح ويعتمد الأمر على الجو، ففي الصيف كما أذكر تظهر قنوات أكثر ولعل هذا تعويض عن حرارة الجو لأننا سنجلس في البيت أكثر.

في ذلك الوقت لم تكن القنوات تعمل طوال الوقت كما هو الحال الآن، كانت قناة أبوظبي كما أذكر تبدأ بثها في التاسعة صباحاً ويبدأ البث بالقرآن الكريم ثم حديث ديني ثم فترة الأطفال والرسوم المتحركة وبعد ذلك البرامج المملة والمسلسلات، في الظهيرة يتوقف البث لكن بدلاً من شاشة ملونة ثابتة يكون هناك نص القرآن وتلاوة، ثم يعود البث في الرابعة مساء كما أذكر مع فترة للأطفال ثم البرامج المملة ونشرات الأخبار، وفي الثانية عشر ليلاً يتوقف البث وقبل ذلك يكون هناك مذيع يقرأ محتويات اليوم التالي ويودع المشاهدين متمنياً لهم نوماً هنيئاً وأن يصبحوا على خير.

هكذا أذكر نظام قناة أبوظبي، أما القناة الثانية لأبوظبي فهي قناة أجنبية تبدأ بثها متأخراً وكما أذكر في الساعة الثالثة مساء وتحوي نشرات أخبار إحداها بالفرنسية ثم مجموعة من المسلسلات الشهيرة في الثمانينات، الفرقة ألف، السيارة العجيبة، الطائرة العجيبة، المصارعة الحرة التي كان أبي رحمه الله يشاهدها وكنت أشاهدها معه ولا زلت أذكر أسماء بعض المصارعين من تلك الفترة، من المؤسف أن أعرف أن كل المصارعة كان كذباً وتمثيلاً!

قنوات دبي لا تختلف كثيراً عن هذا النظام إلا في التفاصيل، قناة دبي 33 مثلاً كانت مخصصة للبرامج الأجنبية وهي كما يبدو موجهة لمن يتحدث الإنجليزية، أذكر من برامجها برنامجاً للأعمال الفنية، وكذلك برنامج مسابقات يحاول فيه شخص ما تمثيل حركات تدل على كلمات وفريقه يجب أن يدرك الكلمات، ولا زلت أذكر Yan Can Cook والذي يقدمه طباخ آسيوي ينهي برنامجه دائماً بجملة جميلة: If Yan can cook, so can you



شيء واحد في قناة دبي يجعلها مختلفة عن باقي القنوات، عندما لم يكن هناك بث كانت قناة دبي تعرض صفحات تيليتكست (Teletext)، إن لم تخني الذاكرة كانت تسمى خدمة تيليفاكس (Telefax) وهو اسم مشتق Ceefax خدمة المعلومات التي كانت تقدمها بي بي سي في بريطانيا.

تيليتكست هي تقنية تسمح للقنوات بأن تبث معلومات نصية ورسومات إلى التلفاز، كانت أجهزة التلفاز ولا زال كثير منها تستطيع أن تعرض هذه النصوص في قناة منفصلة يمكن تصفحها، من ناحية تقنية هذه خدمة رقمية، بمعنى أن القنوات لا تبث صوراً بل تبث معلومات تعرض على الشاشة ولذلك كان حجم هذه المعلومات صغيراً ويمكن دمجه مع تقنيات البث في ذلك الوقت دون صعوبة تذكر إلا أن تظهر أجهزة تلفاز تدعم هذه التقنية وقد ظهرت وانتشرت، الجانب التقني لهذه التقنية يستحق أن ننظر في تفاصيله لكن سأتركه لوقت آخر.

خدمة تيليتيكس تحوي في الغالب الأخبار، حالة الطقس، الأبراج، وصفات طبخ، أخبار محلية، أخبار البورصات، ألغاز وأسئلة، هواتف الطوارئ، إعلانات، نتائج مباريات كرة القدم والرياضات الأخرى، أخبار عاجلة، مواعيد البرامج والمسلسلات وغير ذلك، كانت الخدمة تعرض كل هذه المعلومات على شكل صفحات ويمكن التنقل بين الصفحات باختيار رقم الصفحة، وكانت قناة دبي تضع خلفية موسيقية لهذه الصفحات.

لن ألومك إن ظننت أن كل هذا ممل، بالنسبة لي كان هذا شيء عجيب، أن تقرأ محتويات على التلفاز وأنت تفعل شيئاً آخر هذه ميزة غير متوفرة في الحاسوب الذي يحتاج منك انتباهاً دائماً، صحيح أن خدمة المعلومات على التلفاز ليست بغنى ولا حجم الإنترنت لكنها من ناحية أخرى كانت وسيلة رائعة لمن يريد المعلومات بسرعة وبساطة.

من الذكريات المؤلمة حول هذه الخدمة ما حدث في 2 أغسطس 1990، أخبرني أحد الزملاء بأن صدام احتل الكويت، لم أصدقه فالخبر أكبر من أن يستوعبه عقلي في ذلك الوقت، كنت ولا زلت أكره أخبار الحروب ولا زالت صور الحروب عالقة في ذهني، لعل هذا ما جعلني أرفض تصديق الخبر، عدت للمنزل وبدأت أتابع قناة المعلومات وظهر الخبر هناك، منذ ذلك الوقت تغيرت أشياء كثيرة، فترة التسعينات كانت فترة تغير تقني كبير، الفضائيات بدأت بالظهور ومعها فتاوي تحريم الدش، كنا ننظر بشكل سلبي لأي منزل يحوي هذه الصحون اللاقطة، أذكر أحاديثنا وكيف كنا نهز رؤسنا أسفاً على انتشار الدش، أبي رحمه الله أخر دخول الفضائيات لمنزلنا لفترة طويلة وقد كان يرى أن ما لدينا يكفي وأنا الآن أوافقه.

التغيير الثاني والأهم كان في ظهور شبكة الويب وانتشارها وهي التقنية التي جعلت كل التقنيات الأخرى أقل فائدة، لم تكن قنوات المعلومات في التلفاز هي الضحية الوحيدة، شبكات BBS كذلك توقفت واختفت ومن المؤسف أنه لا أحد سجل تاريخ هذه الشبكات في منطقتنا، كذلك الأمر مع خدمات معلومات مختلفة سمعنا أو لم نسمع عنها، شبكة الإنترنت أصبحت البديل لكل هذه الخدمات.

مع ذلك أرى أن هناك فرصة لتقنية تعرض المعلومات ولا تتطلب التفاعل معها، أكثر ما يميز شبكة الإنترنت أن الشخص هو من يختار ما يريده ولا يفرض عليه أحد شيئاً، قنوات التلفاز والإذاعات وقنوات المعلومات كذلك تعرض محتويات اختارها شخص أو أشخاص وليس لدى المشاهد سوى خيارين، إما أن يشاهد أو لا يشاهد، البعض يرى أن شبكة الإنترنت حررتنا من هذا السجن للمعلومات لكن من جانب آخر يبدو أنها أدخلتنا في متاهة المعلومات وازدحامها.

ميزة تيليتكست أنها كانت بسيطة من الناحية التقنية، الصفحة الواحدة لا يزيد حجمها عن 1 كيلوبايت، اليوم صورة صغيرة في حواسيبنا يمكن أن يصل حجمها إلى أكثر من 100 كيلوبايت، الميزة الثانية لتقنية تيليتكست أنها متوفرة فوراً، شغل التلفاز ثم انتقل إلى قناة المعلومات وسترى المعلومات، تجربة الاستخدام هذه يصعب تكرارها مع الأجهزة الحديثة التي تحوي معالجات قوية وذاكرة كبيرة.

خذ على سبيل المثال لعبة نينتندو وي التي تحوي قناة إخبارية وقناة أخرى للطقس، إذا أردت الوصول للأخبار عليك أن تشغل التلفاز ثم تشغل اللعبة وتختار القناة الإخبارية ثم تختار دخول القناة، عليك أن تنتظر تنزيل الأخبار ثم عليك أن تستعرض الأخبار من خلال واجهة أرى أنها بحاجة لتحسينات عديدة، أدرك أن وي لم تصمم لهذا الغرض لكنها مثل جيد عن الفرق بين أي تقنية تحاول عرض الأخبار وتقنية تيليتكست.

مؤخراً أغلقت خدمات تيليتكست في عدة بلدان مثل بريطانيا وأصبح بث التلفاز رقمياً بالكامل، ظهرت خدمات معلومات للتلفاز تواكب هذا التطور لكن للأسف وكما قرأت من تجارب الناس هذه الخدمات ليست بفعالية تيليتكست القديمة، البعض يشكو من بطء تنزيل المعلومات وآخرون من عدم استغلال مساحة الشاشة لعرض المعلومات بكفاءة عالية ونص واضح.

هناك مساحة لتقنية بسيطة تعرض المعلومات بسرعة وسهولة ولا تتطلب تفاعلاً، ليس كل الناس يرغبون في الجلوس أمام الحواسيب، حتى من يفعل ذلك اليوم سيشيخ ويهرم ويصل لعمر قد يرغب فيه أن يبتعد عن الحاسوب ليفضل شيئاً أبسط.

6 تعليقات:

غير معرف يقول...

يا رجل مقالك حرك شجوني , طفولتي كانت في الخفجي وكان يصلنا بالاضافة إلى القانتين السعودتين قناتين كويتيتين وواحدة عراقية بالاضافة الى القناة الثقافية الترفيهية الرائعة قناة أرامكو التي توقف بثها منذ زمن بعيد للاسف
http://www.aawsat.com/details.asp?section=37&article=299114&issueno=9664

خبر يقول...

كان فترة مختلفة ، أعتقد أنه القناة الوحيدة التي توفر خدمة تلكست هي الأولى المصرية، الجزيرة الإخبارية كان لها محاولة لكن يبدو أنها تراجعت عن الموضوع

سفيان الدوغان يقول...

أول مرة أعرف أن اسمه هو التلكست لا أعرف عنه الكثير سوى أنه كان يجلب لي الملل و أنا طفل , يبدو أني من الجيل الجديد , ترى ماذا سيقول لي ابني .

عبدالله المهيري يقول...

@غير معرف: شكراً شكراً للأشارة لهذه المقالة ففيها عنوان كتاب سأبحث عنه.

@خبر: نعم كانت فترة مختلفة، شكراً على مرورك وشكراً على مدونتك، أعجبتني :-)

@سفيان الدوغان: كل جيل وله تقنيات :-) وكل شخص تتغير نظرته للأشياء كلما تقدم في العمر.

جسري يقول...

ممم! تقول لي والدتي أنه لم يكن لدينا سوى قناتين: سورية الفضائية، وسورية الأرضية، كانت تبدأ ببث القرآن ومن ثم برامج ومسلسلات، وعند الساعة الثانية عشرة تنهي القناة مسيرتها بالنشيد الوطني السوري، هذا أمر رائع!
اليوم تلفازنا يحوي 1000 قناة!

اخبار سياسية يقول...

حركت بداخلى ايضا طفولتى وايامى
وقت ما كان كل جيارنى ورفقانى يشاهدونى ويتابعون معى نفس الحلقة من المسلسل كل يوم
كان هناك ترابط اكتر بين الاصدقاء والجيران يحكوا مع بعضهم مرة اخرى ما اعجبهم وما لم يعجبهم فى الحلقة
اما الان
مااتابعه لا يعرفه غيرى اوريما يشاهده على قناة اخر
وحلقة تسبقنى او قديمة..
اتمنى لو ترجع هذة الايام فلست ضد التكونولوجى لكنى احن لكل ما هو قديم ..