الاثنين، 11 أكتوبر، 2010

الرحلة الثانية - 6

غنى التفاصيل والتنوع في الهند ستجده في كل شيء، البنايات والمنازل، الألوان والأصوات، الناس واللغات، الأشجار والمخلوقات، كل شيء له تفاصيل صغيرة تستحق أن أكتب عنها وهناك نقاط صغيرة في رحلتي أود الحديث عنها.

(1)
تسمية المنازل أمر لم أره في حياتي بل كنت أقرأ عنه فقط، أذكر بعض القصص وكيف أن المنازل في هذه القصص لها أسماء، أو أقرأ عن تاريخ أوروبا فأجد للمنازل أسماء، في الهند رأيت بعض المنازل تضع لوحات نحاسية صفراء ويكتب عليها بالأسود اسم المنزل، أحد المنازل كان اسمه الفلاح ومنزل داوود اسمه كالندريا وهو كما أخبرني داوود اسم القبيلة التي ينتمي لها داوود، وهذا أمر آخر جديد علي، أعني القبائل في الهند، لأول مرة أسمع عن وجود قبائل في الهند.

Khalandariyya Manzil

(2)
الستائر تستخدم في بيوت المسلمين كباب ثاني، تجد كثيراً من الأبواب تغطيها ستائر خفيفة وقد وجدت الأمر غريباً في البداية لكن اتضح لي أن هذه الستائر لها وظيفة فهي تستر على نساء المنزل فمنازلهم صغيرة والنساء يضطررن للسير من غرفة لأخرى أو من المطبخ للمجلس، أو من داخل المنزل لخارجه والستائر وسيلة رخيصة وبسيطة لحفظ الخصوصية.

(3)
كثير من المنازل تجد فوقها سخانات شمسية، السخان عبارة عن خزان ماء يرتبط به أداة التسخين وهي في الغالب مجموعة من الأنابيب المعدنية والتي قد توضع في صندوق زجاجي، داوود ركب واحداً لأن تكلفة الكهرباء كبيرة والسخانات تستهلك الكثير من الطاقة، وفي الأيام الباردة التي لا تظهر شمس فيها هناك سخان تقليدي يعمل بحرق الحطب.

ما أستغربه هو أننا في الإمارات لم نستفد من وجودنا في منطقة مشمسة طوال العام تقريباً، لو أن كل بناية ومنزل استخدم الطاقة الشمسية لتغطية جزء من احتياجاته ولتسخين الماء لوفرنا الكثير وقللنا استخدام الطاقة غير النظيفة، في المرة القادمة التي تصعد فيها فوق المنزل فكر في المساحات التي يمكن تغطيتها بألواح شمسية أو سخان شمسي أو حتى مزرعة صغيرة، على الأقل ستوفر على نفسك ثمن الطماطم التي يشتكي الناس من ارتفاع سعرها.

wood fired water heater

(4)
سافرت في ليلة 28 من رمضان فوجدت أن رمضان الهند متأخر يوماً عن رمضان الإمارات، أي أنني وصلت في يوم 27 رمضان، الإمارات أكملت الصيام 30 يوماً وكان هذا يوافق يوم 29 من رمضان في الهند وهذا يعني أنني صمت 30 يوماً والهنود من حولي صاموا 29 يوماً، كنت أتمنى أن يكتمل رمضان لديهم 30 يوماً لكي أصوم معهم يوماً إضافياً فيكون رمضان لدي 31 يوماً لكن لم يحدث ذلك إذ كان العيد لديهم متوافقاً مع العيد في دول الخليج.

يوم العيد لم يكن مختلفاً عن يوم العيد في الإمارات، لم أرى شيئاً مختلفاً فكل ما نفعله في الإمارات يفعلونه هم ويضيفون لذلك مزيد من الدعاء والذكر الجماعي، قبل صلاة العيد خطب الإمام بلغتهم وقد كان يقرأ من ورقة بعض الملاحظات ويتحدث بما تيسر له، مما رأيته وجدت أنه يجيد الخطبة بلغتهم فقد جذب انتباه الجميع في المسجد، وعندما سألت داوود عن موضوع الخطبة أخبرني أنه كان يتحدث عن الإخاء والمغفرة والتواصل مع الآخرين، بعد ذلك صلينا ثم خطب بالعربية من كتاب وكانت يغني أكثر مما يخطب.

(5)
هناك درس صغير يتكرر عندما أزور كل مسجد أو مدرسة: النية تهيأ للعمل، من أراد العمل سيجده.

داوود ساهم ببناء كثير من المساجد والمدارس بأن تحدث مع المتبرعين ونسق معهم وقد وجد رفضاً كما وجد قبولاً، لكن قبل كل هذا كانت النية، كثيرون مثل داوود سافروا إلى بلدان الخليج لكنهم لم يعقدوا النية ولم يتحدثوا مع متبرعين، في أكثر من مرة كان داوود يغضب منهم ويحدثهم أنه مسكين مثلهم ومجرد سائق سيارة لكنه استعان بالله وسعى للعمل على إيجاد متبرع وقد وجد واستطاع بحمد الله أن يبني عدة مدارس ومساجد، فلم لا يفعلون نفس الشيء؟

هذا درس في التفاؤل، مهما كانت ظروفك الآن لا تبخل على نفسك بأن تنوي فعل الخير متى ما توفرت لك الفرصة، ضع النية في قلبك وبإذن الله ستجد نفسك تسير أول خطوات نحو إنجاز الهدف، لا تجعل الظروف حولك تمنعك من عقد النية.

(6)
رزق داوود بولدين، الأكبر محمد والأصغر أحمد وكلاهما أصغر من 20 عاماً، محمد متفوق في دراسته وتخصصه في الجامعة هو التاريخ ولديه اطلاع واسع على علم النفس وتاريخ الهند، أحمد ليس متفوقاً دراسياً بل لا يحب المدرسة لكن لديه مهارات مختلفة لا يملكها أخوه، فهو يتحدث لغة التاميل التي تعلمها من التلفاز بينما أخوه لا يتحدثها، يحب الطبيعة ويستطيع أن يتعامل مع الحشرات والطيور والحيوانات بسهولة ولديه مهارة إصلاح الأشياء من الأثاث والأبواب وحتى الإلكترونيات البسيطة.

داوود يحدثني أنه قسى على أحمد في قبل سنوات بسبب المدرسة وكان يحاول أن يجعل ابنه متفوقاً مثل أخيه لكنه أدرك أنهما مختلفان وعليه قبولهما كما هم ولا يحاول أن يجعلهما نسخاً متطابقة.

الناس مختلفون، عليكم قبول ذلك، عليكم قبول الناس كما هم، سواء كانوا طلاباً في مدرسة أو موظفين في مؤسسة، كل شخص له قدرات مختلفة، كثير منا يدرك ذلك جيداً لكنه يتعامل مع الناس على أساس أنهم جميعهم لا يختلفون عن بعضهم البعض، كثير منا يتخذ موقفاً سلبياً من الآخرين لمجرد أن الآخرين مختلفين في شيء ما، في عاداتهم، أفكارهم أو ملابسهم أو حتى أحذيتهم!

(7)
بعض المساجد تضع صندوقاً للتبرعات خارج المسجد وقريباً من الشارع، الصندوق عادة يكون له باب حديدي وقفل كبير وفتحة كافية لإدخال المال، هذه المساجد تعتمد على فكرة أن المسافرين يريدون التصدق قبل سفرهم ولذلك سيجدون هذه الصناديق ليضعوا صدقاتهم فيها، والمساجد تستخدم هذه الصدقات لدعم الإمام الذي يكون غالباً فقيراً والمؤذن كذلك أو تستخدم الصدقات لصيانة المسجد.

الغريب في الأمر أن هذه الصناديق موجودة في مكان عام لا يراقبه أحد ومع ذلك لا يسرقها أحد!

3 تعليقات:

غير معرف يقول...

بارك الله فيك اخويه عبدالله ، وأعانك على ان تقدم الخير ومد يد المساعده لاخوانك.

وعقبال رحلات اخرى مثمرة بالخير والعطاء

ام خالد

د محسن النادي يقول...

على ذكر صندوق التبرعات
هي فعلا متواجده في لغلب مساجد الهند
واذكر صندوق مماثل في المستشفى الذي كنت اتدرب فيه سرق اكثر من مره
واخيرا قررو ان يلغوه لان مشاكله اكثر من نفعه
بينما لم اسمع يوما ان صندوقا في مسجد قد سرق

ننتظر البقيه وخاصه الصور
ودمتم سالمين

عبدالله المهيري يقول...

@أم خالد: جزام الله خيراً، بإذن الله ستكون هناك رحلات أخرى.

@د محسن النادي: أمر صناديق المساجد هذا غريب فعلاً وأستغرب كيف أنها لا تسرق، لعلها بركة المساجد.