الأحد، 27 يوليو، 2008

قصة القوارب الصغيرة

لعل هذه القصة هي من أبلغ الأجوبة على من يسأل: ماذا يمكنني أن أفعل؟ لم أفكر في هذه النقطة إلا الآن، لو كان بإمكان أي شخص منا أن يفعل مثل ما سيفعل بطل قصتنا لما احتجنا أبداً للشكوى إلا في مواطن قليلة.

البطين هي المنطقة التي أعيش فيها، منطقة سكنية قديمة كانت قبل 40 عاماً مجرد بيوت بسيطة مصنوعة من جريد النخل، الحياة كانت صعبة هنا وفي كل مكان في الإمارات، أما اليوم فالمنطقة أصبحت حديثة بل وتحاصر كل عام بعدد من المشاريع العقارية الكبيرة، بنايات تحجب الشمس وتلتهم الروح وتأخذ ما كان في الماضي مكاناً لذكرياتنا.

البحر أحد هذه الأماكن، في الماضي كنت أذهب للبحر كل يوم كما يفعل كثير من أبناء المنطقة، بعضهم في الحقيقة يعيش هناك فهو يخرج من منزله في الصباح الباكر ليعود متأخراً في المساء وهو يحمل رائحة البحر، في هذا المكان كانت تدور أنشطة كثيرة جمعنا حولها رجل نكن له كل التقدير وهو "سعيد المطوع" واسمه سعيد عبدالله المهيري.

كان أبو عبدالله يعقد كل جمعة حلقة دينية في أحد مساجد المنطقة يحضرها شباب المنطقة، لكنه لم يكتفي بذلك بل نظم مسابقات وأنشطة مختلفة جمعت كثيراً من شباب المنطقة، فعل ذلك بجهده وجهود من ساعدوه وبدون حاجة لأي دعم رسمي أو مؤسسة تجمع جهودهم، بدون الحاجة لتقنيات حديثة ومواقع ويب 2.0، كان هذا قبل أن نعرف شيئاً يسمى الإنترنت.

كان أبو عبدالله يحث الشباب على الصلاة وقد كنا نجتمع في مسجد واحد، وحاول بطرق مختلفة تشجيع الشباب على صلاة الفجر وأتذكر مسابقة طريفة نظمها كانت جوائزها شيء يأكل لا أتذكر اسمه، فمن صلى أربع مرات أو أكثر صلاة الفجر في المسجد خلال أسبوع يحصل على جائزة، في الحلقة الدينية دروس حول الأخلاق والتاريخ والقرآن والفقه، أمور بسيطة يجب أن يعرفها أي مسلم.

البحر كان له نصيب كبير من الأنشطة، لكنني سأركز على القوارب الصغيرة والتي نسميها بلهجتنا المحلية "ماشوة" فقد كانت هذه القوارب رخيصة السعر ويمكن لبعض الشباب اقتناءها، بدأ الأمر بقاربين وازداد عددها شيئاً فشيئاً إلى أن وصل أكثر من عشرة قوارب، كان اللون الأبيض هو السائد في البداية مع تلوين الثلث السفلي من القارب بلون مختلف لحمايته، غالباً الأحمر أو الأزرق، لكن بعد ذلك بدأ بعض الشباب في اختيار ألوان مختلفة، أحدهم اختار لوناً بنفسجياً، والآخر أحمر فاقع، وثالث لون قاربه من الداخل والخارج بالأصفر المخضر!

معظم هذه القوارب كانت تحمل محركات بقوة 15 حصاناً، قوة أكثر من كافية لتجعله قارباً سريعاً ومخيفاً، بدأت السباقات تنظم والسباق كان عادة في خط مستقيم، يختار مالك القارب رفيقاً له وينطلقون في خط مستقيم بسرعة منخفضة وعندما يرفع العلم تنطلق القوارب بأقصى سرعة إلى خط النهاية.

أتمنى اليوم لو نظم سباق على شكل حلبة يدور عليها المتسابقون ثلاث أو خمس مرات، على أي حال، كانت القوارب وسيلة للترفيه وقضاء الوقت في شيء مسلي ونافع في بعض الأحيان، كان المتسابقون يحاولون استخراج أكبر قوة ممكنة من المحرك، فيجعلونه انسيابياً ومرتفعاً بقدر الإمكان، كانت القوارب تستخدم لمسابقات الصيد أيضاً وهذه كانت حافلة بالمفاجأت ... كطياران محرك أحد القوارب وسقوطه في البحر، أظن أنه لا زال موجوداً هناك في مكان الحادث.

هذه ببساطة قصة القوارب، ظروف كثيرة اجتمعت لتنهي هذه الأنشطة، آخرها أن البحر لم يعد كما كان فهو مكان للاستثمار وليس لأناس مثلنا يريدونه مساحة حرة للجميع، كانت هذه الأنشطة تشغل وقت الشباب فيفرغون طاقاتهم في شيء مفيد بدلاً من التسكع وتضييع الوقت على أمور أخرى قد تفسدهم، اليوم عندما ألتقي بأي شخص عاش هذه الفترة أجده يتذكر هذه الفترة بخير وإن كان بعضهم في ذلك الوقت شديد الانتقاد والاستهزاء بما نفعل، لكن اليوم أصبحوا كباراً وعرفوا تأثير ما حدث في الماضي.

هذا جزء مما فعله أبو عبدالله، رجل بادر بنفسه وتجاوز عقبات كثيرة لينظم نشاطاً يجمع شباب المنطقة، أسأل الله أن يجزل له الثواب والأجر.

4 تعليقات:

الرائد باسل يقول...

أعتقد أن أبو عبد الله -أحسن الله تعال إليه- كان جدك .....
كانت هذه المسابقات تفرغ طاقة الشباب في شيء مفيد كالصلاة والتعلم والترفيه ...
بالطبع المادية مسحت كل هذا وجعلت البحر
في الإمارات والعالم العربي قبل كل شيء مكانا للم الأموال ......
مثلا الساحل السوري فيه الكثير مما تقول ولكن الان التمت الشركات وهناك مشاريع فيه ستنهي أجمل الفترات التي قضيناها في الشاطئ
أما الشباب الخاسرين بهذه المعادلة ذهبوا لما يفسدهم
لإننا لم نوفر ما يفرغ طاقاتهم وإبداعاتهم

droubi يقول...

سمعت عن قصة هذا الرجل لكن لا اعرف أين بالتحديد..

جزاه الله عنا وعن شباب تلك الفتره كل خير ..
الجميل في الأمر المبادره للأمور الخيره وقد بدأها من المسجد.. : )
شكرا لك على هذه القصه وأكثر الله من أمثال "أبي عبدالله "

عبدالله المهيري يقول...

الرائد باسل: لا، جداي رحلا عن الدنيا منذ وقت طويل، أبو عبدالله ليس قريباً لي بأي شكل، لكنني أتشرف بمعرفته.

من المؤسف أن نرى نفس الأخطاء تتكرر في بلدان أخرى، ومن المؤسف أكثر ألا نوفر منافذ لطاقات الشباب.

droubi: نحن بحاجة للعشرات من أمثاله، ضحى بوقته وماله من أجل الشباب، فبارك الله فيه وفي أمثاله.

أسامة يقول...

للأسف لم أعاصر إلا نهايات هذه الفترة الذهبية عندما شاركتكم السكن في نفس المنطقة..
و بالرغم من قصر تلك المدة إلا أنها كانت غنية بذكريات جميلة لا تنسى كما توسعت مدارك فمي لكثير من الأمور التي كنت أجهلها..يكفي أنني تعرفت عليك و على مجموعة طيبة من شباب البطين..
أتمنى لو يخرج لنا أبو عبدالله جديد.. و لو أنني أعتبر هذا من شابع المستحيلات في هذه الأيام..