الأربعاء، 5 مايو 2010

الرحلة الهندية - 9

لم يتبقى سوى القليل من الرحلة، هذا موضوع منوعات والموضوع العاشر سيكون عن زيارة مزرعة في الطريق إلى بانغلور، وأبدأ اليوم بقصة شاب مهتدي، صلينا العشاء وخرجت أنتظر داوود أمام المسجد وأتحدث مع أبناءه وجيرانه، خرج داوود مع شاب أرى النور في وجهه وابتسامته لم تفارقه طوال الوقت، لحيته خفيفة طويلة تخرج فقط من ذقنه ويلبس ثياباً بيضاء نظيفة بسيطة ويحمل على كتفه حقيبة كتف صغيرة أظن أن فيها كتاباً أو مصحفاً.

ابن عائلة غنية بل فاحشة الثراء وكان هندوسياً متعصباً يكره المسلمين لأنه تربى على هذه الكراهية منذ صغره، وصف نفسه قبل الإسلام بعمر ابن الخطاب قبل الإسلام، كما أراد عمر أن يقتل نبي الهدى عليه الصلاة والسلام كان الشاب يتمنى قتل المسلمين، لكن الله أراد له الهداية بأن جعله يقرأ كتاباً عن الإسلام فتغير حاله وأعلن إسلامه فهددته عائلته بالقتل.

خرج من بيتهم وبدأ يعمل سائق ركشا، تزوج من مسلمة وبدأ في تعلم الإسلام وبدأ يطوف حول المساجد يخبر الناس عن إسلامه ويطلب منهم الدعاء لأهله بالهداية، يقول بأنه كلما فعل ذلك ظن الناس أنه يريد مالاً لكنه يؤكد لهم أن كل ما يريده هو الدعاء فقط، ويردد عليهم بأن موت الإنسان على الكفر خسارة ومن الواجب أن ندعوا لهم لا عليهم فديننا دين رحمة، والدعاء للكفار بالرحمة يجب ألا يقتصر على بعض الكفار بل كلهم، أن يكون المرء عدواً للإسلام لا يعني هذا أنه لن يسلك طريق الهداية، هذا الشاب كان يعادي الإسلام لكن الله هداه، الفاروق عمر كان يحمل سيفه يريد قتل نبي البشرية فهداه الله إلى الإسلام.

سيارات الركشا، تمنيت ركوب واحدة لكن لم تتح لي الفرصة، صغيرة وخطرة ومزعجة وملوثة للهواء إن كانت قديمة، النماذج الجديدة صديقة أكثر للبيئة
وليمة عربية
منذ منتصف الرحلة وداوود يذكرني بأن حنيف مهندس مسجدي أبي دعاني لوليمة عربية في آخر يوم من أيام رحلتي قبل الذهاب إلى بانغلور، جاء اليوم المحدد وذهبنا إلى بيت حنيف الذي تبين لي أنه يملك أرضاً ورثها كما يبدو من أبيه وهناك بيت قديم وبيت جديد لم يكتمل بناءه، الوليمة كانت في البيت الجديد، جدران وسقف، النوافذ والأبواب لم تركب لذلك كان الهواء يمر بلطف ويبرد الجو.

حنيف دعا رجلاً ليعد الوليمة العربية، الرجل كان يعمل في السعودية لسنوات ثم عاد لبلاده وافتتح مطعماً عربياً في بانغلور يزوره كل شهر 40 ألف جائع معظمهم من العرب! أصبح غنياً كفاية بأن يترك إدارة المطعم لمن يعملون له ويعيش هو في منزله قريباً من بيت داوود.

الرجل تفنن في إعداد الوليمة، لحم وبيض ومكسرات وتوابل وأرز شهي وأنواع من الخضار ولبن بارد، وضع كل هذا في صحون كبيرة ووضعها على الأرض، أنا وداوود نعرف كيف نأكل بالأسلوب التقليدي اليد تتحول لمغرفة أو جاروف واضرب بالخمس، لكن الضيوف الآخرين لم تكن لديهم أدنى فكرة عن كيفية تناول طعامهم من الصحن مباشرة، كانوا يجلسون بأشكال مضحكة وفرت مادة كافية لداوود لكي يسخر منهم، داوود رجل رصين وقور لكنه لن يفوت فرصة لممازحة الآخرين، بعضهم اكتفى بأن يضع له بعض من الأرز واللحم في صحن ويأكل بعيداً عن المعركة حامية الوطيس.

رفعوا الصحن وجاءت الحلوى والشاي، كان هناك مصور يلتقط صور الوليمة جاء به حنيف لكي يسجل هذه اللحظة التاريخية! عندما كنت أشرب الشاي تذكرت أنني رأيت المصور في مكان ما، سألته إن كنت قد رأيته من قبل فأخبروني أنه يعمل قريباً من متجر المهندس حنيف، لكنني تذكرت أنني رأيته في المنام قبل أشهر، أخبرت داوود وقلت له ألا يخبر الرجل فهو هندوسي وأخشى أن تخيفه قصة الرؤيا هذه.

قبل انتهاء الوليمة أراد المصور أن يأخذ صورة لي معه، فكلمهم فأخبروه أن يجلس بجواري ويعطي الكاميرا لشخص آخر، جلس بعيداً عني وتلقائياً وبدون تفكير طلبت منه أن يقترب ويجلس بجواري، اقترب وابتسامته لا تفارقه والتقط أحدهم الصورة، كلمهم أنه يريد أن يريني صوراً لنشاط آخر يمارسه، جاء بالصور وتبين لي أنه ممثل مسرحي! هو وابنه يؤلفان مسرحيات مختلفة قصيرة فكاهية، كان يريني صوراً وهو متنكر بملابس التمثيل ويصبغ وجهه بالأزرق أو الأحمر ويضع أنواعاً من الشعر على رأسه وذقنه، لو لم يخبرني أنه هو في الصورة لما عرفته.

شكرته على عرض صوره وقمت من مكاني وقام الرجل معي، واجهني ثم انحنى وجلس وقبل أصابع يديه ثم وضع يده على قدمي اليسرى ثم اليمنى وقام، حدث هذا سريعاً ولم أكن مستعداً له، سألت داوود "شو يسوي هذا؟" فأطمئنني أن هذه علامة احترام بالغ لديهم، أهز رأسي للرجل وأشكره ثم خرجت أتنفس الهواء، مثل هذه المواقف تشوش علي ذهني كثيراً، لماذا فعل الرجل ذلك؟

في السيارة يجيب داوود على سؤالي قبل أن أسأله، قال بأنه عندما جلس بعيداً عني فهو يفعل ما اعتاد عليه في المجتمع الهندوسي، فكبار القوم لا يسمحون لمن دونهم بالجلوس على نفس المستوى، وعندما طلبت منه الاقتراب كان هذا أمراً عفوياً مني لكنه أمر كبير بالنسبة للمصور فهي علامة أنني أجعله مساوياً لي وهذه النقطة بالذات هي ما تجعل كثيراً من الهندوس يدخلون الإسلام، المساواة وعدم وجود أي نوع من العنصرية.

الهند من ناحية قانونية ألغت النظام الطبقي لكن من ناحية اجتماعية لا زال هذا النظام يطبق أو لا زالت آثاره الاجتماعية باقية بين الهندوس.

المصور يتبسم لكاميرا مصور آخر!
بقي بعض الصور المنوعة

مساحة نريد أن نبني مسجداً عليها، أحاول الآن التنسيق مع أحد المتبرعين، تكلفة البناء تصل إلى 100 ألف درهم

هناك دائماً شيء ساحر في الأبواب الخشبية العتيقة أو الملونة وفي النوافذ الخشبية

بعد عودتنا من المكان الذي نريد بناء مسجد فيه توقفنا فوق جسر، منظر جميل وهدوء تام.

مسجد في منطقة جبلية صخرية، بني على ثلاث مراحل وكل مرحلة تضيف مساحة أمام الأخرى.

القسم الأقدم من المسجد بني بالطين وهذه نافذة مطلة على جانب المسجد

ساحة مسجد قريب من بيت داود، على اليسار مدرسة دينية والآن تبنى مدرسة أكبر ستجمع نظامي التعليم، على اليمين هذه منصة للخطابة والمحاضرات تستخدم في المناسبات، الغابة في اليمين تفصل بين المسجد وبيت داوود

صور بانورامية كبيرة، أضغط عليها لتراها بحجمها الكامل

12 تعليقات:

عاوز اصحي يقول...

انا دايما بتعجب ان الناس اللي بيدخلوا الاسلام حديثا بيبقوا اشد دفاعا عنه وبيلتزموا بآدابه وتعاليمه
علي عكس مسلمين المولد
تلاقي منهم كتير اللي مبيحمدوش ربنا علي ان ولدنا مسلمين

ياتري ايه السبب؟

مدونة اللغة اليابانية يقول...

أخونا عبدالله صراحة أنا استمتع برحلتك الهندية..
واتمنى لو يكون لك رحلة أيضاًإلى اليابان وتكتب لنا عنها، اعتقد أنك ستضيف شيئاً جديداً وممتعاً..

والله يوفقك في أعمال الخير

GEBA يقول...

سيارات الركشا
اسمها التوكتوك فى مصر

عادل يقول...

حقيقة شيء رائع ان نرافقك الى الهند، اتمنى ان ازور هذا البلد مستقبلا.
لا اعرف اذا كنت شاهدت الجزء الثامن من الرحلة ام فاتني ذلك..
بالنسبة للحلم هل وجدت له تفسيرا؟

د محسن النادي يقول...

لا احب ان افوت اي موضوع عن رحلتك الهنديه
لانها تذكرني بالسنوات التي قضيتها هنالك
وفعلا يدخل الكثير من الهنادكة للاسلام بسبب العدل والمساواه بين الناس بعكس طبقيتم المقيته
ودمتم سالمين

مبارك محمد المهيري يقول...

شكرا عبدالله، شكرا كثيرا.
ربما أسافر معكم الرحلة القادمة، حسب ظروفي الوظيفية، لكني اتمنى أن تبلغني متى ستكون.
إذا سدت على انسان أبواب الدعوة إلى الله التي مهر بها سيكون حريا به أن يفتح أبوابا أخرى.
بارك الله فيك، موقفك العفوي من طلب الهندوسي التصوير بجانبك ينم عن حقيقة الإسلام، إسلام العفوية لا التصنع.
اتذكر أننا كنا في مطار أبوظبي الدولي، وامسكني موظف تابع للأمم المتحدة يلبس زي شبه عسكري، أعجبته عمامتي الحمراء، كنت معتصبا بالشماغ الأحمر فشده المنظر، فطلب أن يتصور معي، الرجل كان (سيخيا) وملتمز بعمامته السوداء فوق لباسه شبه العسكري، فوقفت بجانبه مبتسما، فعلق أحد الأخوة قائلا: ما لقيت غير هذا الكافر تتصول عداله؟
الحقيقة الكلمة ضايقتني، الرجل طلب مني ذلك، فلو رفضت لاستنكر فعلي ولاعتبرها ردة فعل من المسلمين، بينما شكر لي قبول التصور معه.
ينبغي أن نعلم الناس قيم الإسلام قبل أن نحكم عليهم، بارك الله فيك.
أتمنى أن تجد لي بجوارك في الرحلة القادمة مقعدا، سأسافر معك بلا تردد إذا سنحت الظروف.
العيشة بجوار الفقراء والذهاب والإياب معهم تجعل القلب اكثر استقرارا.

عبدالله المهيري يقول...

@عاوز اصحى: لأنهم عرفوا الكفر والضلال وعرفوا الحق بعد ذلك، المسلم الذي ورث الدين من أبويه يرى دينه شيئاً بديهياً ولم يجرب العيش في دين آخر ومجتمع مختلف.

@مدونة اللغة اليابانية: أود السفر إلى اليابان منذ وقت طويل، إذا رأيت فرصة سألتهمها بدون تردد :-)

@Geeba: تسمى توك توك في تايلاند أيضاً، ربما تستوردونها من هناك.

@عادل: الجزء الثامن ستجده في الصفحة التالية من الصفحة الرئيسية، أما الحلم فأنا لا أحب تفسير الأحلام، فقد رأيت وجه رجل غريب عني والتفسير جاء عندما رأيته فعلاً.

@د محسن النادي: هل كتبت عن سنواتك في الهند؟ إن لم تفعل فأتمنى أن تكتب، إن أردت يمكنني أن أنشرها هنا أو انشرها في موقع ما وسأضع لها رابطاً هنا.

@مبارك محمد المهيري: سأحاول السفر في نفس الوقت تقريباً، شهر 12 من هذا العام أو 1 من 2011، أما التعامل مع الكفار فهذه مشكلة لدى كثير من الناس، هم لا يفرقون بين كراهية الكفر وكراهية الشخص، ويرون الشدة والغلظة في التعامل مع الكفار أمر واجب على كل مسلم، وتجدهم في المنتديات يدعون على الكفار ويلعنونهم ويسبونهم هذا بدلاً من الدعاء.

صدقت في ما قلت حول العيشة بجوار الفقراء، أجد نفسي بينهم ولا أتكلف شيئاً وأرتاح معهم.

saad يقول...

والله أنا من محبي السفر يا ريتني اجد أي فرصة لأذهب وأرى العالم من حولي :D

بسام حكار يقول...

فعلا للابواب القديمة والنوافذ المصنوعة خاصتا من الحطب سحر خاص.
أشكرك أخي عبد الله نحن دائما في متابعة جديدك.

د محسن النادي يقول...

شجعتني لاكتب انتظر يومين لكن ارجو ان تفتح بريدك لها فانا حسب علمي اعرف انك من المقاطعين والمقلين للتعامل مع البريد الالكتروني
ودمتم سالمين

د محسن النادي يقول...

السلام عليكم
تم ارسال الموضوع لكم عسى الله ان ينال اعجابكم

حنونه يقول...

حضارة الهند جميلة كجمال بلادهم

نشكر لك مشاركتنا هذه الاجواء (كنت احاول الدخول في صورها والاحساس بها)

عموما لدي تساؤل لماذا تغلق امكانية التعليق على القديم فقد حرمت من فائده مرجوه بمنع التعليق على تدوينه سابقه

شكرا لك,