الخميس، 13 أغسطس، 2009

لعلك تكون القصة التالية

كتابة القصص أصبحت متعة لا أستطيع أن أصفها، لم أكتب الكثير حتى الآن وما كتبته لا زال بالنسبة لي دون المستوى لكنني أتدرب وأتعلم بكتابة قصص بين حين وآخر، الممتع في القصص ليس كتابتها بل الإعداد لها لأنني بدأت أعود لعادتي القديمة بتحويل أي شيء حولي إلى موضوع، أي شخص وأي حدث قد يكون خيطاً أو فكرة لقصة ممتعة.

مع عودتي للمؤسسات الحكومية وملاحقة الأوراق والمعاملات بدأت أفكر بشكل مختلف قليلاً لكي أخفف السأم والضيق الذي أشعر به كلما زرت إحدى هذه المؤسسات، في البداية أيقنت أنني سأكون هناك في اليوم الفلاني في الساعة الفلانية وسيحدث ما يحدث وعلي قبول كل شيء كما هو، لا فائدة من الشكوى لا فائدة من الحديث عن الوضع علي فقط أن أقبل ما أنا فيه وأحاول أن أخرج بأفضل نتيجة ممكنة من أي موقف، الموظف لم ينهي معاملتي بسبب أوراق غير مكتملة؟ لا بأس، سأعود في الغد، الموظف تأخر؟ هذه فرصة لفعل أشياء كثيرة من بينها مراقبة الناس وتخيل قصة تدور حول كل شخص، الشعور بالغضب ومحاولة تحليل الأشياء هواية مارستها كثيراً في الماضي ولم تأتي بنتيجة إلا أن جعلتني أبدو كأحمق كثير الشكوى.

اليوم مثلاً مررت بموظفين كثر في أربع مؤسسات مختلفة، الأول كان موظف استقبال ينتظر أن أتحدث إليه، أرى في وجهه الرغبة في تقديم المساعدة، رجل مناسب في المكان المناسب، موظفي الاستقبال يعملون كواجهة للمؤسسة وغالباً أجد التعامل معهم سريعاً ومفيداً، أسألهم عن شيء فيخبرونني بكل ما أريد، وهذا ما كان عليه موظف الاستقبال في المؤسسة الأولى، شاب أسمر بشارب مستقيم كالمسطرة وصوت واضح لا يحتاج لرفعه لكي يسمعه الناس، شخصية يمكن أن تكون في قصة قصيرة حول مكان عمله، بدأت أتخيل تفاصيل القصة وأنا أتحدث إليه ولم أصل إلى نتيجة مفيدة لكن الفكرة موجودة وربما تصبح قصة تنشر.

موظفي الاستقبال في المؤسسات الأخرى كانوا على نفس النمط، أناس مبتسمون ويريدون مساعدت الآخرين ويبدو أنهم سعداء بوظائفهم أو على الأقل يتقنون التظاهر بأنهم سعداء، الاستثناء كان في المؤسسة الرابعة والأخيرة، كان هناك عدة موظفين للاستقبال، أحدهم لم يكن يبتسم لكنه يعمل بجد والآخر لم يكن مبتسماً هو الآخر لكنه يضيف إلى ذلك شعور قوي بعدم الرغبة في العمل، أسند ظهره للكرسي ورمى بيديه على جانبي الكرسي ولا يرفعهما إلا عند الضرورة القصوى كتسليم أوراق معاملتي، عندما فعل ذلك وضع الأوراق على طرف الطاولة بدلاً من دفعها أمامي مباشرة كما فعل الموظف الآخر، وضع الأوراق وهو لا زال على نفس الجلسة ويده الأخرى لم تتحرك كأنه يقول "ما لي نفس أشتغل، خذ الأوراق واذلف" ولمن لا يعرف ما معنى "إذلف" يمكنك أن تترجمها إلى "انقلع عن وجهي" أو شيء قريب من هذا.

كان يتحدث إلى هاتفه أكثر مما يتحدث إلى الناس، وعندما يجبر نفسه على الحديث مع الناس كان يفعل ذلك بأقل جهد ممكن، يشير بيديه ناحية المكاتب الأخرى كجواب مختصر وصامت على سؤال أحد المتعاملين، يهز رأسه لكي يقول نعم أو لا، ويشير إلى زميله عندما لا يرغب في العمل وهذا ما يحدث في معظم الوقت الذي كنت واقفاً أمامه وهو وقت طويل بالمناسبة وكافياً لأدرك أنني مزعج لهذا الشخص الذي لا يريد التفاعل مع الناس فقد كنت ألح بالسؤال وألح بأن يرفع صوته لأنني لا أسمع جوابه، كان الأمر مزعجاً لدرجة تدخل الموظف الآخر ليجيب عن زميله.

كما ترى يمكن أن أخرج بتفاصيل أكثر من النموذج السلبي لموظف الاستقبال، شخص غير مناسب وضع في وظيفة لا تناسبه، هناك عشرات الطرق لاستغلال هذه الفكرة وكتابة قصة حولها.

بعد موظفي الاستقبال يأتي الآخرون الذين ينجزون العمل ويأخذون منك أوراقاً ليعطوك مقابل ذلك مزيداً من الأوراق ويطلبون أن تدفع كذا وكذا من المال، لا أدري لماذا تحتاج معاملة ما لمئة درهم في حين أن تكلفتها لا يمكن أن تزيد عن عشر دراهم، لكنني أفهم أن "مئة" درهم لها صوت أثقل "وبرستيج" أفضل من عشرة، زرقة الخمسمئة تغرق أي متعامل لكنني قريباً سأسمع كلمة "ألف" للمرة الأولى في تاريخ ملحمة إنجاز المعاملات، يمكنك أن تخمن بأنني لم أدفع من قبل أي مخالفات مرورية ولله الحمد، في الحقيقة ليس لدي سيارة أو حتى رخصة قيادة سيارة، يمكنني أن أبدأ حملة "لا أقود سيارة منذ 1979م ... وبفخر" أو يمكنني استخدام العام الهجري الذي ولدت فيه "1399" والذي يبدو أنيقاً أكثر!

من التقيت بهم اليوم من هؤلاء الموظفين كانوا يعملون بجد وبسرعة، في الحقيقة من الواجب شكرهم وهذا ما أفعله بعد إنجاز العمل وغالباً أقول "جزاك الله خيراً" ثم ألقي السلام عندما أذهب، في بعض الأحيان أجد صعوبة في مقاومة رغبتي في توزيع الحلوى على بعض الموظفين والحمدلله أنني لا أحمل أي شيء في جيبي سوى محفظة نقود خاوية على عروشها وهاتف نقال يكرهني بقدر ما أكرهه، لولا ذلك لما ترددت في أهداء الموظف لوح "كيت كات" كبير الحجم وربما باقة ورد لكي أظهر امتناني وشكري العميق لأنه أنجز العمل بدون أي تأخير أو تعقيد.

في إحدى المؤسسات وبينما أنا أنتظر دوري لإنجاز معاملتي جاء رجل يعمل في المؤسسة ويحمل دلة قهوة وبضعة فناجين وبدأ في توزيع القهوة التي كنت أحتاجها بشدة في تلك اللحظة لكنني لم أشربها ولم أحتجها بعد أن رأيت الرجل لأنني بدأت أفكر في النعمة التي لا تقدر بثمن والتي نعيش فيها بدون أن نقدرها حق قدرها، المعاملات تنجز بسرعة، الموظفون يعملون بجد ونشاط وفوق ذلك هناك رجل يحمل دلة قهوة للمتعاملين، ما الذي يريده أي شخص أكثر من هذا؟ تمنيت لو أنه يحمل دلة شاي!

كل شخص أصبح فكرة محتملة لقصة ما، ولدي دفتر صغير أدون فيه أفكاري عندما أعود للمنزل، على أي حال، ما أحتاج له الآن هو كوب شاي آخر ونوم بدون أي إزعاج لأنني لم أنم في الليلة الماضية.

6 تعليقات:

mezajiat يقول...

هل تصدق أخي عبدالله، يبدو أني بدأت أشاركك هذا الشعور، صحيح أنني كنت أفكر في الآخرين وأحلل تصرفاتهم وشخصياتهم بناءاً عليها، إلا أنني مؤخراً فكرتُ في أن تتحول هذه الشخصيات إلى قصص ولا أخفيك سراً أني قد بدأت في كتابة رواية ووصلتُ إلى منتصفها مع أني لم يسبق لي سوى كتابة قصة قصيرة واحدة، ربما كانت كتابة القصة وسيلة أكثر أناقة في سرد حدثٍ ما وأن تعطي رأيك أثناء السرد دون أدنى حرج، وهي في الوقت نفسه طريقة ممتعة للقارئ ووصول المعلومة إليه بأدنى جهد، ولكنها بالطبع تتطلب أكثر من مجرد قرار، فهي تتطلب جهداً ولغةً وإبداعاً. شكراً عبدالله

علي السلمي يقول...

أخي عبدالله... لعلي لاأقول جديداً أن إسلوبك في الكتابة يأسر القارئ (أنا على الأقل) ويجعله ينتظر التدوينة القادمة بكل شوق. وبالمناسبة حاولت أكثر من مرة ومنذ مدة طويلة أن أرسل لك احد الكتب من أمازون ولكني لم أعرف الطريقة. أنتظر ردك بارك الله فيك.

علي السلمي يقول...

المعذرة لأني لم أكتب البريد الإلكتروني

solme12@hotmail.co.uk

علي السلمي- بريطانيا

مدونة احمد يقول...

نريد قصتك .. مع السيارة
قبل أن تكتب قصصهم

Gaara يقول...

السلام عليكم ..
بالنسبة لي - دون مجاملة - أجد المتعة في ما تكتبه أكبر بكثير من القصص في قوامها الفني ، هذا تعليقي الأول هنا رغم متابعتي منذ فترة ، لكنني لن أكثر من الإطرائات فأنت تستحق الكثير بحق ..

حتي مع وجود الموظف في المؤسسة الرابعة ، فإن الوضع جدير بأن تحسد عليه ، لو قمت بتخصيص مدونة كاملة لن تكفي الحديث عن المؤسسات الحكومية المصرية ، صدقني ستجدها ملهمًا لآلاف القصص المأساوية ، تتيح لك الشضعور بأشد حالات الغضب و ممارسة هوايتك لأسابيع قبل الإنتهاء من أوراقك .

أذكر يومًا زيارتي لإحدي مراكز خدمة العملاء لشركة اتصالات بعد زيارة قاسية لإحدي المصالح الحكومية ، أدركت حينها أنني لو قمت بتبديل ترتيب الزيارات لقمت باغتيال جميع موظفي المصلحة الحكومية ، لا أريد أن يتعامل الناس جميعًا مثل موظفي خدمة العملاء ، لكن علي الأقل يدركوا معني الآدمية ..

أصلح الله من حالهم .. و إن شاء الله تتوفر دلة شاي لديكم :D

عبدالله المهيري يقول...

مزاجيات: بالفعل القصص وسيلة أفضل في بعض الأحيان لإيصال الأفكار والآراء وهي بالفعل تتطلب جهداً، القصص القصيرة جداً التي أكتبها تأخذ في بعض الأحيان أسابيع من التعديل والتحرير لكي أصل إلى نتيجة مرضية.

علي السلمي: جزاك الله خيراً، وصلتني رسالتك وسيكون حديثنا عبر البريد.

مدونة أحمد: سبق أن كتبت عن الموضوع في الماضي، تكاسلت عن استخراج رخصة قيادة ولا زلت، مع ذلك أقرأ كثيراً عن السيارات.

Gaara: لا ألومك على الشعور بالغضب ورغبتك في اغتيال الموظفين! هذا شعور مشترك بين كثير من المتعاملين في الوطن العربي، من المفترض أننا في عام 2009 تجاوزنا هذه البيروقراطية المقيتة.