الأحد، 26 أبريل، 2009

ما أبغض الرجوع إليه!

أتذكر جيداً ذلك الشعور الذي يزورني عند بداية كل عام دراسي وخصوصاً في أيام الابتدائية، ضيق شديد في الصدر ورغبة في الهروب وكراهية لا تقاس للمدرسة ولكل شيء في المدرسة، لم أكن أفهم المدرسة في ذلك الوقت ولم أكن أعرف لماذا علي أن أذهب إلى هناك كل يوم، كانت جحيماً لا يطاق وشيء لو كان بيدي أن أتجنبه لفعلت، لكنني فرد في القطيع ... في ذلك الوقت.

نفس هذا الشعور يزورني كلما حان وقت زيارة مؤسسة حكومية لإنهاء معاملة ما، مع وجود فرق صغير، لست خائفاً بل أشعر بالضيق ورغبة في لكم أحدهم أو الصراخ في وجه موظف، أتوقع الأسوأ دائماً عندما أريد إنهاء معاملة ولا أضع سقفاً لتوقعاتي فكلها في القاع، إذا كانت جميع الأوراق موجودة وتأكدت للمرة العاشرة أن كل شيء جاهز للمعاملة أضع قاعدة صغيرة في ذهني تقول: إن كان كل شيء صحيح فلا بد أن هناك شيء ما سيوقفك.

كان حسن - السائق - متفائل بأن كل شيء موجود وليس هناك ما يمنع من إنهاء المعاملة، وكنت أنا متشائماً لمعرفتي أن هناك دائماً قواعد وقوانين جديدة تبتكر - كما يبدو - لأي شخص متفائل بأنه أحضر كل شيء ضروري ولأي شخص يتوقع إنهاء المعاملة في نفس اليوم، وصدق حدسي إذ كان علينا أن نحضر ورقة ما، ذهبت للمسؤول الذي لم يتردد في تجاوز هذه المشكلة ووقع على المعاملة، حالتنا كما يرى استثناء عن قاعدة ما، وهذا ما أسميه الحكمة، فجزاه الله خيراً.

عدت للموظفة فطلبت مني ورقتين إضافيتين! أخبرتها بأنني لأول مرة أسمع عن هذه، وللأسف لا أستطيع إحضار أي ورقة الآن إلا واحدة، فجئت بهذه الواحدة فطلبت مني الحديث مع مسؤول آخر في طابق آخر، لا بأس، المسؤول طلب مني الورقة التي تجاوزها المسؤول الآخر فأخبرته أنها غير ضرورية والدليل ملاحظة وتوقيع المسؤول، فطلب مني الورقتين فأخبرته أنني لا أملك سوى واحدة فرفض، لا بد من ورقتين ولا بد من الورقة الثالثة التي تجاوز عنها المسؤول السابق.

شكرته وذهبت وأنا أقول "لا إله إلا الله" بصوت عالي، إن لم أفعل ذلك سيكون الخيار الثاني أن أشتكي بصوت عالي عن الحماقة وتضييع الوقت ولن يكون هذا في صالحي، هناك عشرات الناس حولي وفي الحقيقة لا فائدة من الشكوى.

لماذا يطلبون كل هذه الأوراق؟ ما الحكمة في ذلك؟ ورقة واحدة من بين الثلاثة أستطيع أن أفهم ضرورة وجودها، ماذا عن الأخريين؟ حاولت أن أفهم فلم أستطع، ما طلبوه مني ملكية سيارتين، سألت نفسي: لو كان لدى أي عائلة أو أي شخص سيارة واحدة ماذا سيفعل؟ هل عليه أن يشتري سيارة جديدة؟ سأفهم أنهم يطلبون رخصة القيادة لكن لماذا ملكية السيارة؟

في الغد علي أن أذهب لمؤسسة أخرى لإحضار ورقة ثم علي تصوير مليكات السيارات، هل سينتهي الأمر عند هذا الحد؟ لا أظن ذلك، لدي شعور بأنهم سيطلبون مني شيئاً آخر قبل أن أنهي معاملة حسن، ومع كل تأخير هناك غرامة.

كل هذا من ناحية ومن الناحية الأخرى الموظفة التي تتوقع مني أن أعرف كل شيء عن المعاملة، تستغرب كيف يعقل أن يوجد مواطن على أرض هذه الدولة لا يعرف أن عليه إحضار هذه الورقة وهذه، كل الناس يعرفون فلماذا لا تعرف أنت يا صاحب المعاملة؟!

أوووو! كان علي أن أعرف هذه البديهية التي تتوقع الموظفة أن يعرفها كل الناس، كان علي أن أعرف! كيف؟ لا يهم، ربما بطريقة غامضة لا يعرفها أحد، لأنني سألت ولم أجد إجابة كافية، بحثت ولم أجد شيئاً يدلني وسألت أصحاب المعاملات الآخرين وكل واحد من هؤلاء لديه إجابة مختلفة أو ببساطة لا يعرف، كل يغني على ليلاه.

ألم يحن الوقت لكي ننهي المعاملات بالبريد؟ لا داعي للذهاب لأي مؤسسة حكومية ما لم يكن حضور الشخص نفسه ضرورياً، هناك أشياء كثيرة يمكن إنجازها بالبريد فلا حاجة لخروج موظف من مقر عمله، أعلم أنني لست موظفاً في أي مؤسسة - والحمدلله - لكنني أنظر للآخرين، لمن يضطر للخروج من وظيفته فيخسر راتب اليوم أو يتراكم العمل عليه، وإن تأخرت معاملته فعليه أن يعود مرة أخرى.

كلما حدثت نفسي بأن هذا أمر طارئ ولن أعود مرة أخرى لأي مؤسسة حكومية جاءت ظروف تجعلني أعود مرة ثانية وثالثة وعاشرة، نفس المؤسسات ونفس المعاملات تتكرر، وفي كل مرة هناك قواعد جديدة يجب علي أن أعرفها قبل أن أصل إلى هناك ولا سبيل لمعرفتها إلا بأن أقدم المعاملة فأكتشف أنني نسيت شيئاً ما فأعود مرة أخرى.

11 تعليقات:

حمد الشايع يقول...

مرحبا عبدالله

عندنا وعندكم خير لكن اعتقد ان زيارة واحدة لمكتب العمل في الرياض او مكتب الاحول في الرياض لإصدار او تجديد الهوية الوطنية كفيلة بجعلك تعشق جميع مؤسساتكم الحكومية في الإمارات :)

على الاقل عندكم يستقبلك الموظف او الموظفة بإبتسامه ويشرح لك مالذي ينبغي عليك عمله، هنا الاستقبال بوجه مكفهر، وستكون من المحظوظين لو اعطاك احدهم وجه وشرح لك لماذا رفضت معاملتك زمالذي ينقصك، وكل موظف له قانون كل يوم، على حسب نفسيته.

فعلا لماذا لا ننهي المعاملات عن طريق النت والبريد؟

شكرا لك

عطاالله يقول...

وانا أقرأ شعرت بضيق في صدري .... لم يسلم واحد منا من هذه التجربة الممضة .... وأظل مكتئبا حتى ساعة الخلاص وما أبعدها

حسن - قوالب معربة يقول...

صدقت ، إذ يظهر أن المؤسسات الحكومية و الإدارات العمومية في جميع البلدان العربية لها ثقافة واحدة هي ثقافة "تطفيش" المواطنين و المراجعين ، و ذلك بطلبات ما أنزل الله و لا القانون بها من سلطان.

Saudi Wanderer يقول...

ليش إذا خُصصت مؤسسة حكومية وأصبحت شركة يتغير الأسلوب والمعاملة ؟

المشكلة في القيادات والنظام الإداري وغياب الرقابة.

أيمن عبد الحق يقول...

نعم المشكلة موجودة بدول العالم الثالث بالخصوص

اما بالمغرب فلا تسأل.. لن تقوم بإنهاء أوراقك حتى يغفر الله لك الذنوب.

للأسف حال عربي يرثى له..

apples يقول...

اذكر ذهبت مرة الى دائرة ما لانهاء معاملة مهمة وتوجب علي أن أذهب شخصيا بحكم القانون،، دخلت قسم السيدات فرأيت العجب العجاب. كم تمنيت لو طلبوا مني أوراقا زيادة :).. اجتمعت الموظفات لشرب القهوة وتبادل الرسائل النصية "الكيووووووووت" تاركين المراجعات يتراكمون في دهشة وذهول من انعدام مسؤولية تلك الموظفات ولا مبالاتهن الغريبة. بعدها بأسبوع فازت تلك الدائرة بجائزة للتميز الوظيفي! أيقنت بعدها أن القيامة قربت أكثر وأكثر :)

p.s. العنوان ذكرني بقصيدة احبها.

عبدالله سليمان يقول...

هذا في وقت تدعي دول الخليج أنها وصلت مرحلة متقدمة من التطور التقني والبنية التحتية المتطورة في مجال الاتصالات وتقديم الخدمات الالكترونية .

ولكن على أرض الواقع لا تجد سوى السراب .

ومن جهة أخرى حقيقة نفتقد إلى القيادة الإدارية التي تستطيع الخروج من بوتقة البيروقراطية والأنظمة التي عفى عليها الزمن لتطبيق روح النظام والنظر إلى الهدف من هذه الأنظمة وتطبيقية بأيسر وسيلة .



إذا أردت أن تدعو على عدوك فأدعو عليه بأن تكون له معاملات بالدوائر الحكومية بعدد أصابع يديه فهذا العدد كافي ليصاب الضغط والسكر والقهر وليفقد الكثير من الوقت ويجر خلفه شاحنه تحمل ما هب ودب من صور الأوراق الرسمية وغير الرسمية .

احمد حمودة يقول...

والله هذا الحال لازلنا كلنا (كعرب) نشتكي منه اياً كانت دولتنا
ومع ذلك لازالنا نواجه الروتين الحكومي
وضحكت كثيراً على جملة "كل هذا من ناحية ومن الناحية الأخرى الموظفة التي تتوقع مني أن أعرف كل شيء عن المعاملة، تستغرب كيف يعقل أن يوجد مواطن على أرض هذه الدولة لا يعرف أن عليه إحضار هذه الورقة وهذه، كل الناس يعرفون فلماذا لا تعرف أنت يا صاحب المعاملة؟!"
الحمدلله اخر مواجه لي مع المعاملات الحكومية كانت من حوالي الاربعة ايام كانت لعمل تأجيل الخدمة العسكرية بدافع الدراسة ومع اني قد قمت بعمل هذه الخطوة من حوالي السنتين توجب على عمل نفس الخطوات بحجة ان الخطوات الاولى قد ولي عليها الزمان وتم الغاء هذا النظام قلت ماشي وصاغراً قمت بعمل نفس الخطوات اللي المفروض انها جديدة لاتفاجأ بانها نفس المعاملات القديمة ولكن زادت خطوة واحدة لاصدار ورقة جديدة ناقصة لا يوجد لها اي لازمة :(
والله يلعن اللي اسمه "السجل المدني" شئ حقيقي مقرف و موظفون كسالى وغاية في البطئ في اي تصرف حتى وان كان يعطيك ورقة في يدك فانه يعطيها لك بالتصوير البطئ وكأن الشخص اللي امامه جالس على المسبح ويشرب الـ Soft Drink تبعه تحت المظلة وفي هواء المكيف !
الله يفك كربك اخي عبد الله ونحن معك بالمرة !!

عبدالله المهيري يقول...

حمد الشايع: في كل موضوع عن المعاملات الحكومية أجد مقارنات مع دول أخرى، شخصياً لا أجد أي فرق، لو كان الوضع أسوأ في بلد آخر فلن يغير هذا من شعوري تجاه ما لدينا، بل يتضاعف تضايقي لأنه من المفترض أن تكون الأمور مختلفة تماماً ونحن الآن في عام 2009.

عطا الله: عندما ينتهي الأمر أشعر بأنني أتنفس من جديد.

حسن: الوضع يختلف من بلد لآخر، هناك أمثلة إيجابية وإن كنا لا نسمع عنها كثيراً، أتمنى فقط أن تزداد.

Saudi Wanderer: الفلوس تغير النفوس :-)

أيمن عبد الحق: جميلة هذه "حتى تغفر ذنوبك."

apples: الجوائز والتكريمات قد لا يكون لها أي علاقة بأرض الواقع، يحدث في بعض مؤسساتنا أن تصدر تقارير إيجابية أفضل دائماً من التقارير السابقة، لكن أرض الواقع شيء مختلف تماماً.

أتذكر جيداً مكتباً نسائياً كان أشبه بمجلس لا مكتب، كل واحدة ترمي بسؤالي للثانية ثم لم أجد شيئاً، ذهبت لمكتب آخر.

عبدالله سليمان: الأدوات شيء والأفكار شيء آخر، ما لاحظته هو عادة "أنا لا أتحمل المسؤولية" والتي تعني بالضرورة أن يرمي الموظف المعاملة لغيره لكي لا يتحمل مسؤولية تمرير شيء لا يطابق القانون، ومن موظف لآخر ثم لمسؤول وثاني وثالث وصاحب المعاملة أطرش في الزفة.

أحمد حمودة: عدت لتوي من نفس المؤسسة بدون إنجاز شيء، أوراق أخرى طلبت! لا ألومك حينما تلعن فأنا في نفسي الآن أرسل اللعنات وأحاول أن أذكر نفسي "لا تلعن ... الله يلعن ... لا تلعن ... الله يلعن الشيطان!"

الله يفرج همومنا وييسر أمورنا ويولي علينا من يرحمنا.

بالمناسبة، مدونتك مفيدة جميلة :-)

الأنوار يقول...

أتذكر جيداً ذلك الشعور الذي يزورني عند بداية كل عام دراسي وخصوصاً في أيام الابتدائية، ضيق شديد في الصدر ورغبة في الهروب وكراهية لا تقاس للمدرسة ولكل شيء في المدرسة، لم أكن أفهم المدرسة في ذلك الوقت ولم أكن أعرف لماذا علي أن أذهب إلى هناك كل يوم، كانت جحيماً لا يطاق وشيء لو كان بيدي أن أتجنبه لفعلت، لكنني فرد في القطيع ...
-------------------
تصور كنتُ قد كتبت تدوينة مشابهة قبل يومين لنفس هذه البداية !!
لكني آثرت عدم نشرها وما زالت في مسودات المدونة

أحمد الله أنها مجرد معاملات فقط !! .. أما أنا فلم أنتهي من الدراسة ومازلت أشعر بنفس ذلك الشعور كل يوم
الدراسة المدرسية شيئ يكبلك عن الإبداع حتى يصبح معظم الأشخاص كلهم كنسخة واحدة متشابهة

متى سيأتي يوم الحرّية ذاك !!

احمد حمودة يقول...

والله اللعنة كانت من ضيقي يا اخ عبد الله
والله يغفر لي هذا الذنب العظيم
انا متابع جديد لمدونتك وان شاء الله استمر في المتابعة
بالمناسبة .. زيارتك لمدونتي غالية جداً