الأحد، 15 مارس، 2009

معرفة البئر ومعرفة البحيرة

الشيخ علي الطنطاوي رحمه الله كتب مرة - في كتاب لا أذكر عنوانه الآن - عن نوعان من العلماء أو نوعان من المعرفة، الأولى كالبحيرة، واسعة تغطي مساحة كبيرة لكنها ضحلة، والثانية كالبئر، عميقة لكنها ضيقة، ونحن بحاجة للنوعين فلا يمكن أن نكتفي بواحدة.

اليوم هناك مصادر كثيرة للمعرفة الواسعة الضحلة، يمكنك أن تتصفح ويكيبيديا لساعات لتعرف أي شيء عن أي موضوع تقريباً، هذا سيعطيك نظرة واسعة عن موضوع واحد، لكنها معرفة ضحلة وإن أردت التعمق فلا بد من الغوص في الكتب والأبحاث التي نشرت حول الموضوع، وربما عليك أن تطور من قراءتك أفكاراً خاصة بك وتزيد من عمق معرفتك بتحليل ما قرأت وتشكيل علاقات بين المعلومات.

ما يزعجني حول الموضوع أنني أجد تركيزاً أكبر على المعرفة الواسعة على حساب المعرفة العميقة، أجد أن ثقافتنا تتجه شيئاً فشيئاً نحو الاستهلاك المعرفي السريع الذي يتطلب وقتاً قصيراً لقراءته ويتيح لنا القفز من شيء لآخر دون التوقف طويلاً للتركيز على شيء واحد مدة طويلة.

لذلك تزداد رغبتي في نشر مقالات مفصلة عميقة بقدر الإمكان بدلاً من الاكتفاء بمواضيع ضحلة، وتزداد رغبتي في الابتعاد عن اللحاق بكل جديد والسير في طريق الاستهلاك السريع، المعرفة العميقة تتطلب تركيزاً طويل الأمد وصبراً، لا يمكن فعل ذلك عندما يكون العقل مشغولاً بجديد البريد والهاتف النقال وتويتر وفايسبوك ويوتيوب وغيرها.

لدينا حياة واحدة، عقل واحد، وعلينا الاختيار، وأي اختيار يعني تفضيل شيء على حساب شيء آخر، لكن يمكن الموازنة بين النوعين من المعرفة، المهم ألا تصبح مصادر الاستهلاك السريع إدماناً يغير عقولنا فنصبح غير قادرين على التركيز مدة طويلة.

8 تعليقات:

محمد الجابري يقول...

أهلا عبدالله ،

ما دفعني للرد هنا هو أمثلة الشيخ التى لا أعلم من أين يأتي بها ! ، فأذكر أنني سمعت أو قرأت أنه قد شبه العالم المتخصص في مجال نادر و إن كان له بعض الزلات أو الشطط بأنه "مخطوطة" فأنت تستفيد منها و تفرح بها و تحافظ عليها على الرغم من أنها قد تكون ممزقة في بعض الصفحات و خطها غير واضح و على النفيض تجد كتابا مرتبا مطبوع طباعة فاخرة إلا أن اشباهه و نسخه منتشرة في أرجاء المعمورة !

عموما عبدالله انا مع الوسطية "و كلا طرفي قصد الأمور ذميم" و لكن إذا "لم يكن إلا الأسنة مركب" فأنا من أنصار الكيف على الكم .

دمت بخير ..

بندر Bandar يقول...

أنت من أهل الإختصاص في مجال أو إثنين .. و أنت من المتابعين عن قرب لمجالات أخرى تمارسها بشكل بسيط .. و المتابعين عن بعد لمجالات أكثر تكتفي بمتابعتها دون ممارسة .. ثم هناك الكثير من المجالات التي لا تعلم عنها شيئاً .. و كلّنا كذلك ربّما ..

هناك الكثير من الأشياء التي تعتبر ( إضاعة وقت ) بالنسبة لك .. و قد تفضّل تجاهلها تماماً ..

مثلاً .. علم الفلك و الفضاء .. قد يكون ممتعاً بالنسبة لك و قد تقرأ فيه بتعمّق لمجرّد العلم و التنوير .. رغم أنّه ليس مجالك و لن تمارسه أبداً .. و في نفس الوقت .. قد تتحاشى الإطّلاع على بحور الشعر و معرفة خفاياها و أوزانها لأنّك لا ترى فيها أي رجاء ..

في نفس الوقت .. أنت متخصص في بعض علوم الحاسب .. و مطّلع متعمّق في الجغرافيا و التاريخ .. و تستهلك ( سريعاً ) الكثير من العلوم التي تمر أمامك طوال اليوم .. لكنها لا ترسخ في رأسك .. لأنها مجرّد قراءة عابرة .. للمتعة الفكريّة السريعة ..

أرى أنّ ما نفعله .. ليس سيئاً أبداً .. هذا الإستهلاك السريع على حدّ قولك .. يجدّد حركة المخ قليلاً .. و يخرجنا عن مجال التخصص لمجالات أخرى في نزهة قصيرة ..

المشكلة الحقيقيّة .. على حدّ قولك كذلك .. أن البعض لم يتعمّق بما يكفي في أي مجال .. و أصبحت كل معلوماتنا سطحيّة .. تفتقد إلى الروابط العميقة التي من المفترض أن تربطها ببقيّة الأجزاء لتكوّن الصورة الحقيقيّة للعلم المقصود ..

أعتذر على الإطالة ..

أمتون يقول...

حسب ما نعيشه الآن فقد توجه القارئ إلى المعرفة السطحية، وحجة في ذلك أن المعلومات أصبحت كثيرة نظرا للتطور الهائل الذي أحدثته التكنولوجيات الحديثة، فشلال المعلومات الذي تتيحه الشبكة العنكبوتية مثلا، أرغم البعض على القفز بين المواضيع بطريقة سطحية عوض التعمق والتحليل..
موضوع الذي طرحته اليوم في حد ذاته يحتاج إلى تعمق وتحليل :)

مسلم مسكين يقول...

أنا مقتنع جداً بفكرتك فى هذه التدوينة، وأنا أؤمن أن الإبداع والتميز -فى أى مجال - لابد له من معرفة من نوعية البئر، وللعلم ففى كل مجالات الحياة يمكنك تطبيق أحد الأسلوبين..

الشيئ الذى أريد أن ألتفت إليه هو أن الصحابة الكرام رضى الله تعالى عنهم قاموا بتحقيق معرفة "البئر" فى علاقتهم بالله وبرسوله وبدينه، فبها كفاهم الله وأغناهم، وأعطاهم خلاصة ثمرات جميع أشكال وأنواع المعارف المختلفة فى باقى المجالات..

والله يا أخى لقد ذكرتنى بهذه المعانى العظيمة وكنت قد تدبرت فيها منذ شهور فى حالة من الصفاء الإيمانى وتمنيت أن أركز حياتى على هذا النوع من المعرفة وفى هذا الاتجاه..

واللهِ.. هو عُمر واحد ومحدود.. ولن أستطيع - مهما أوتيت من قوة - أن اجمع مجامع العلوم كلها ولا بعضها ولا حتى أصل لمنتهى أحدها خلاله.. فالناصح يركز جهده وفكره على الاتجاه الذى يُدِر عليه ثمرات الدنيا ويفيض عليه من نعيم الآخرة..

قال أحد الصالحين:(يا رب.. ماذا وفقد من وجدك؟، وماذا وجد من فقدك؟.. من وجدك فقد وجد كل شيء، ومن فقدك.. فقد كل شيء)

ابن اليمان يقول...

اعرف كل شيء عن شيء وشيء عن كل شيء.
مقولة أظنها للإمام الغزالي رحمه الله .
أوافقك أخي في الرأي
لكن إذا نظرنا في التاريخ وجدنا أن أسلافنا لهم باع طريل في مجالات عديدة متباينة أو غير متباينة .
فمثلا عباس بن فرناس كل مانعرفه عنه أنه أو من جرب الطيران , لكني قرأت في أحد المقالات لأحدى المجلات أن ابن فرناس كان عالم ا في مايقارب 13 علما . منها الهندسة والطب الذان يعدان الآن على النقائض .
فالأمر يحتاج إلى نظرة , والله اعلم .

Okbah يقول...

أخي عبد الله..السلام عليكم
موضوعك هذا قيّم ومهم جدا لم تطرحه مثله منذ فترة طويلة..
هذه المشكلة يخطر لي أن الكثير يعاني منها مع هذا المد الهائل لبحور المعلومات والمعارف من كل حدب وصوب وبكل وسيلة مرئية ومسموعة ومقروءة حتى وصل الأمر لحد الإنفجار، وهذا بالطبع ينشر السطحية بشكل كبير..
انظر الآن إلى الإنترنت التي بدأت تتجه لهذا الإتجاه بكل قوة مع جيل الشبكات الإجتماعية والإعلام الجديد حيث الخبر القصير السريع وكذلك المقالة المختصرة والمعلومة المبتسرة دوما..وهذه طبيعة الإنترنت من جيث صعوبة القراءة والتركيز لمدة طويلة أمام الشاشة( بعض المواقع لا تقبل نشر مقال أكثر من 1200 كلمة حسب سياسته التحريرية)
من نحية أخرى تشتت بعض المستخدمين ومنهم أنا في القراءة والإنتاج أيضا.. ولا ألوم البعض مع التطور الآني واللحظي في الأخبار والتقنيات التي تنتج بشكل هائل فيضطر ان يخصص وقت ليس بالقليل للمتابعة..
تويتر على إبداعه وثورته كان أحد المصائب للكثير فأنت تضطر للتحديث اللحظي لما يكتبه المستخدمين والذين يرسلون بالروابط خصوصا ممن يتابع المئات والآلاف!! فربما في النهاية يد نفسه قد فتح خمسين نافذة تبويب على المتصفح في عشرين مجال مابين السياسة والثقافة ولغة دوت نت والفضاء والفن والموسيقى وبلغات متعددة ويريد أن يقراها كلها!! ولا أدري من أين له الوقت.. وربما انهار المتصفح ولم يقرا شيء!!
هذا ماأسماه الدكترو المسيري رحمه الله بالذئب النيتشوي لعلي أكتب عن هذه المشكلة يوما) أن تعرف كل شيء وتحاول إدراك كل علم وكل معرفة..
نحن في عصر التخصص ومن لم يحفر بئرا لنفسه فسيغرق في البحيرة :)
تحية طيبة

عباس يقول...

عندما نتحدث عن محتوى الانترنت بالذات نجد أن المعرفة السطحية والبسيطة في عدة مجالات هي التي تطغى, وباعتقادي يجب أن تكون كذلك.
ولكن ما يعيب اللغة العربية في عالم الانترنت هي أن المعرفة العميقة لا تكاد تكون موجودة وهذا هو العيب الأضخم

نظم يقول...

مرحبا عبدالله ..
باعتقادي أن الناس ثلاثة أنواع في هذا الاتجاه ..
الأول: متخصص ومتعمق في علم أو مجال ولا يعرف غيره، حتى أنك تجده "فاشلا" إن صحت العبارة في أغلب العلوم والمجالات الأخرى وحتى في الأمور الاجتماعية.
حتى إني أذكر أني قرأت عن شخص ياباني من هوسه بعمله في الشركة أصبح بعد سنين طويلة لا يعرف أسماء الأشياء التي في منزله كالثلاجة والفرن ..
الثاني: متخصص في علم أو مجال وهو مرجع فيه، ولكنه مطلع بشكل عام على العلوم الأخرى.
الثالث: ليس له باع في أي علم ولكن له ثقافة "ضحلة" في أغلب العلوم، وهذا ما عليه أغلب الناس.
(تدوينة مميزة)
دمت بخير ..