28 فبراير, 2010

تحذير: مقالة غاضبة

لا تقرأ الموضوع إن كنت تبحث عن شيء يسعدك ويجعلك متفائلاً، هذه مقالة أفضفض فيها لأنني إن لم أفعل سأحرق نفسي من الغضب.

العالم كان مجنوناً قبل 11 سبتمبر وأصبح أكثر جنوناً بعده، باسم الأمن والحفاظ على أرواح الناس أصبح التعذيب مقبولاً لدى البعض، يمكن لهم أن يبرروا لك أن تعذيب "الإرهابيين" يحقق نتائج طيبة ويحمي الناس من خطر عظيم، ويتجاوز البعض ذلك حتى يبرروا لك الحروب والضحايا، سيتحدثون عن عراق ما بعد صدام وعن أفغانستان ما بعد طالبان وربما عن إيران ما بعد الثورة، فالديموقراطية وإن كانت عرجاء خير من أي طاغية أو تيار مستبد، يصورون لك الأمر على أنه جنة فتحت أبوابها وأن العالم عليه أن ينتظر قليلاً لكي يرى النتائج الباهرة، لكن الواقع يصفعهم مرات ومرات، أبرياء يموتون كل يوم، أبرياء يعذبون كل يوم، كل هذا باسم الحرية والديموقراطية والعالم المتحضر .... سحقاً لهم ولعقولهم!

عندما يبرر كل هذا أمريكي فلن يضايقني هذا، عندما يكون هذا الأمريكي يمينياً متشدداً متطرفاً فلن أستغرب تبريراته، هذا متوقع من أمريكي يرى نفسه متحضراً ويرى أن جيش أمريكا أتى ليحرر المتخلفين من تخلفهم وفي نفس الوقت يمهد الطريق للهيمنة الأمريكية على البلاد المحتلة، هيمنة عسكرية واقتصادية وربما هيمنة ثقافية إن استطاعوا.

ما لا أقبله أن يأتي واحد منا ويتأمرك أكثر من الأمريكان ويبرر ما يفعله الأمريكان بالمسلمين، أعني شخص منا يصلي كما نفعل ويكون حريصاً على الدين وربما أكثر حرصاً مني ومنك لكن عقله أصبح خالياً من الإنسانية ويفكر بمنطق جاف ميت ويبرر كل ما يفعله الأمريكان، روحه تحلق مع الأمريكان، قلبه يعشق كل شيء أمريكي، يردد علينا صباح مساء: من حق الأمريكان حماية أمنهم، من حق الأمريكان التحقيق مع كل العرب والمسلمين وربما إهانتهم في المطارات، العرب والمسلمين هم دمروا مدن الأمريكان وقتلوهم ومن حق ماما أمريكا أن ترد على هذا بتشديد الإجراءات الأمنية، وبالطبع هناك أبرياء سيقعون ضحية لكل هذه الإجراءات المشددة، هذا ثمن مقبول لحماية أمنهم.

سحقاً لهم ولعقولهم!

يصور الأمر كأن المسلمين جماعة همجية لا هم لهم سوى تدمير "مدن" الأمريكان، لكنه يبالغ ليبرر الأمر، أتمنى من كل قلبي أن يقبض عليه مرة في إحدى سفراته لماما أمريكا ويحقق معه بعنف ويجد بعض الإهانة والتعذيب وإن خرج من هذه التجربة ليعطيهم مزيداً من التبريرات فعليه أن يأخذ جنسيتهم ويبقى هناك ويتأمرك حقاً، لكن إن كان إنساناً سيفهم ما الذي يمر به كثير من الأبرياء عندما يضطرون للسفر من وإلى الدولة الماردة.

عندما وقعت أحداث سبتمبر كان الإعلام الأمريكي منشغلاً بسؤال "من؟ وكيف؟" ولم يتجرأ إلا القليلون على طرح سؤال "لماذا؟" وهؤلاء وجدوا ما يكفيهم من الاتهامات بعد الانتماء للوطن وكراهيتهم لأمريكا والشعب الأمريكي بل واتهموا بدعم الإرهاب، السؤال هذا طرح لدينا أيضاً في صحفنا ومواقعنا ووجد من طرح السؤال نفس الاتهامات، بمعنى آخر لا تبحث عن سبب الإرهاب فهناك تفسير جاهز قدمه سيدهم في البيت الأبيض سيادة الرئيس الأحمق المطاع: يكرهوننا لحريتنا، يكرهوننا لديموقراطيتنا.

سحقاً لهم ولعقولهم!

هل ترى الصورة الآن؟ يمكنهم أن يبرروا لك التعذيب والقتل والإهانات ولا يمكننا أن نبحث عن أسباب الإرهاب، علينا أن نكتفي بتفسير بسيط مهين لعقولنا وهو أن الإرهابيين همج لا يفكرون وتعميهم الكراهية والتخلف ولا يحبون التحضر والحرية ولذلك يفجرون أنفسهم.

التعامل الأمني الحالي لن يعالج مشكلة، هناك ظلم كبير يقع على كثير من الناس ومحاولة تجاهله كلياً هو إهانة للجميع وسبب في استمرار المعاناة، سياسات أمريكا في بلداننا سبب مباشر للإرهاب، والتعامل بالإهانات والتحقيق القاسي وأحيانا التعذيب مع المسلمين لن يحفظ أمن أمريكا أو أي بلد آخر بل سيزيد من غضب الناس، والغضب سيتحول لدى البعض إلى فعل، والأفعال تتراوح بين رمي حجر على سفارة إلى محاولة تفجير طيارة.

لكل فعل ردة فعل، أليس هذا القانون؟ عندما يقصفون مدن المسلمين بصواريخهم فهل يظنون أن المسلمين سيسكتون؟ معظم المسلمين لم يفعلوا شيئاً أكثر من الكلام - وأنا منهم - لكن قلة قليلة رفضت الاكتفاء بهذا وأرادت أن تعلم العالم درساً لن ينسى، وكان الدرس قاسياً لكن الحماقة طغت على عقول الناس فكانت حربين وربما الثالثة قادمة، وكانت مزيد من الإجراءات الأمنية ومزيد من العنصرية، كل هذا أسهل بكثير من البحث عن الأسباب الحقيقية ومحاولة معالجتها.
هؤلاء الذين يتخلون عن الحرية ليحصلوا على قليل من الأمان لا يستحقون الحرية ولا الأمان - بنجامين فرانكلين

27 فبراير, 2010

قانون العشرة وتويتر والفأرة الثابتة

انشغلت بأمور مختلفة في الأيام الماضية ثم عندما أردت العودة للكتابة ظهرت مشكلة في بلوغر منعت بعض المستخدمين من الكتابة وأنا منهم، على أي حال، قبل أن أعود للكتابة عن رحلتي أود أن أكتب عن أشياء مختلفة أجمعها في موضوع واحد، لا أظن أن أحداً يريد أن يقرأ مقالة طويلة عريضة حول موضوع واحد عن:

حقيبة للرجال
 لم أعد أستغرب رؤية الناس يحملون هاتفين أو أكثر، غالباً هاتف بلاكبيري للدردشة وآيفون لأنه آيفون أحد أفضل الهواتف المتوفرة، مع الهاتفين هناك محفظة نقود مزدحمة بالبطاقات والنقود وربما بعض الصور والفواتير، أضف لذلك مجموعة مفاتيح وسيصبح الجيب ثقيلاً متورماً، بعض الناس يحملون معهم أشياء أخرى، قلم ودفتر مثلاً أو كاميرا أو منظم أعمال لا يمكن أن يوضع في الجيب، أضف إلى ذلك ما يحمله بعض الرجال ويجعلني أشعر بالاشمئزاز، ولاعة وعلبة سجائر أو عدة الغليون.

قبل أسبوعين تقريباً خرجت مع أخي مانع وذهبنا إلى دبي وفي الطريق انظم لنا الأخ أسامة، أصبح الخروج إلى دبي لا يختلف كثيراً عن زيارة بقالة قريبة، الطرق الحديثة اختصرت الوقت، لم نذهب هناك إلا لزيارة خاطفة لشراء بعض ما نريد ثم نذهب لأحد المطاعم ونعود.

خلال هذه الساعات القليلة طرحت موضوع الحقيبة الرجالية، تعودنا على رؤية النساء يحملن الحقائب في كل مكان فلماذا لا يحمل الرجال الحقائب أيضاً؟ هناك حقائب رجالية ولدي واحدة صغيرة استخدمتها طوال رحلتي إلى الهند، أجدها مريحة وعملية وكنت أفكر جدياً في استخدامها عندما ذهبت إلى دبي لكن لم أتجرأ، ولذلك طرحت الموضوع على أخي والأخ أبو عامر ووجدت منهم موافقة خصوصاً أنهم يحملون أشياء كثيرة في جيوبهم ويريدون نقل هذه الأثقال من الجيب إلى الحقيبة.

فما رأيكم؟ شخصياً أجد أن المشكلة هي في ازدياد الأشياء التي يحملها الشخص معه، الحل الأول ليس التفكير في شراء حقيبة بل التخلص من بعض الأشياء، لكن إن اضطررت لحمل أشياء كثيرة فهل ستضعها في حقيبة؟ في انتظار ردودكم.

قانون العشرة
وضعت لنفسي قاعدة بسيطة لتوفير الوقت على نفسي، 10 أشياء أو أقل لكل شيء تقريباً، بدأت تطبيقها على قارئ غوغل فوصل عدد المواقع التي أتابعها إلى 9 مواقع، هذه المواقع ليست ثابتة بل تتغير بين حين وآخر، في بعض الأحيان تتغير كل أسبوع، عندما أضيف موقعاً لقارئ  غوغل وأرى أن المواقع وصلت لأكثر من عشرة أبدأ في حذف مواقع أخرى، المهم هو عدم زيادة العدد عن 10.

يبدو قانوناً سخيفاً وهو بالفعل سخيف إن فكرت بالأمر قليلاً، لا يمكن المساواة بين موقع يكتب كل أسبوع موضوعاً واحداً وآخر يكتب عشرة مواضيع أو أكثر كل يوم، لكن القاعدة تساعدني على منع دخول التعقيد وتضييع الوقت وبدونها سأتابع كثيراً من المواقع وسأجد 101 مبرر لإضافة هذا المواقع أو ذاك.

مثل هذه القاعدة يمكن أن تساعد الناس على إنجاز المزيد أو تقليل التعقيد، ضع لنفسك قاعدة لشيء تريد أن تغيره، عادة سيئة في الغالب، يمكنك أن تقرر التوقف كلياً عن هذه العادة وهذا يتطلب إرادة حديدة، لا يمكن للبعض تصور مقادر الإرادة التي يحتاجها شخص شره نهم يريد التوقف عن تناول الطعام غير الصحي، لو نظرت لها من ناحية العقل والأعصاب هذا الشخص يقف أمام موجة تسونامي فعقله يشعر بالتهديد من هذه الفكرة الجديدة والمغريات متوفرة في كل مكان والبقاء على عادة سيئة أسهل بكثير من التفكير بفوائد ترك هذه العادة.

لذلك التغيير التدريجي مناسب لأكثر الناس، ضع قاعدة سخيفة وغير نفسك ... بالتدريج

مرتين في تويتر
أجريت تجربة بسيطة في تويتر والنتيجة ليست مهمة لكن أعرضها هنا لعل أحداً يستفيد، التجربة ببساطة هي أن أعلن عن موضوع ما مرتين، فكلما نشرت موضوعاً في مدونتي أعلنت عنه مرة في تويتر، ولثلاث مواضيع جربت أن أعلن عنها مرتين، والنتيجة كانت أن الإعلان للمرة الثانية يجلب زواراً أكثر من المرة الأولى.

لاحظت كذلك أن الإعلان في الصباح يجلب عدداً أقل من الزوار من الإعلان في المساء، هل هذا يعني أن مستخدمي تويتر العرب يستخدمونه في المساء أكثر من الصباح؟ ربما، لاحظ أنني أتحدث عن صباح ومساء الإمارات.

الفأرة الثابتة
اشتريت قبل شهرين الفأرة التي تسمى كرة التتبع أو كرة التعقب وبالإنجليزية trackball، قرأت عن هذه الأجهزة وكيف أنها مريحة أكثر لليد ويدي اليسرى تشتكي من كثرة استخدام الفأرة لذلك رأيت أن أجرب كرة التتبع، تعودت على استخدامها سريعاً وأجدها بالفعل مريحة أكثر من الفأرة، النقطة الثانية هي المساحة، الفأرة بحاجة لمساحة أكبر من كرة التتبع وفي بعض الأحيان أضطر لحمل الفأرة وتحريكها لكي أحرك مؤشر الفأرة من جانب الشاشة للجانب الآخر، هذه ليست مشكلة في كرة التتبع.

من مشاكل كرة التتبع أنها تحتاج لتنظيف بين حين وآخر لأن الغبار يتجمع أسفل الكرة، لكن ظهر جيل جديد من كرات التتبع يستخدم الليزر ويلغي الحاجة لتنظيفها، المشكلة الثانية هي عدم توفرها في السوق، من الصعب أن تجد واحدة في المحلات.

هل أنصح بشرائها؟ لا، إن كنت تعاني من ألم في يدك ففي الغالب هناك مشكلة في طريقة استخدامك للفأرة، لا تسند يدك على الطاولة بل ارفعها أو ضع وسادة أسفل راحة يدك.

مدونة القراءة 
أخيراً بقي الحديث عن مدونة متابعة القراءة، في شهر يناير قرأت 13 كتاباً وفي فبراير قرأت 4 وربما أتمكن من إنجاز الخامس، هذا يعني أنني أسير على الطريق الذي اخترته، كتابين في الأسبوع، 8 في الشهر ومجموع ما قرأته في شهرين هو 17 حتى الآن، مع ذلك لست راض عن ما فعلته، كان بإمكاني قراءة المزيد في الأسابيع الماضية لكنني ضيعت كثيراً من وقتي في أشياء أخرى أقل أهمية، سأحاول التعويض في الشهر القادم إن شاء الله.

15 فبراير, 2010

الرحلة الهندية - 5

في صباح أول يوم في رحلتي للهند جاء ضيوف يزورون داوود في منزله فجلسنا خارج المنزل نشرب الشاي ويأتي الناس يسلمون على داوود وعليه ضيفه العربي - المخلوق الغريب - وكل واحد منهم لديه شيء يريده، هذا يريد منا زيارة منزله وذاك يريد أن نزور منطقته لنرى المسجد وكيف أنهم بحاجة لتوسعة، ثالث جاء مع مظروف كبير وأخرج منه ما يشبه الإعلانات التي تعلق على الجدران، يقول الإعلان أن العالم الفلاني الكبير سيأتي من كيرلا وسيلقي محاضرة في يوم ما، يسمون اليوم "ذكر" وهو في الحقيقة محاضرة والهدف هو حث الناس على التبرع لبناء مسجد أو توسعة آخر، وفي الإعلان ذكر أن هناك ضيوف سيأتون منهم داوود وأنا.

سبق أن حدثني داوود عن الموضوع في أبوظبي وكنت رافضاً للأمر، هم يريدون التفرج على هذا العربي والتبرك بقدومه وأنا أشعر بأن ذهابي لهناك غير ضروري فلن أقوم بعمل مفيد، الشيء الوحيد الذي يريدونه هو أن أجلس أمام الناس ويقولون "انظروا هذا عربي بيننا" أشعر بأنني سأكون مجرد دمية يتفرجون عليها، رفضت مرة ومرتين وثلاث ثم وافقت لنصف ساعة وليتني لم أفعل.

في اليوم المحدد وبعد صلاة العشاء انطلقنا لمكان "الذكر" وهو لا يبعد عنا إلا مسافة عشر دقائق بالسيارة، ما إن وصلنا للمكان حتى عرفت كم سأندم على حضوري، يا إلهي ماذا فعلت بنفسي؟ لماذا علي أن أوقع نفسي في هذا الاحراج؟ صوت العالم الكبير يخرج مدوياً من سماعات كبيرة، الرجال يجلسون على كراسي البلاستك الموزعة في ساحة المسجد، قدرت عددهم بألفي رجل وكان تقديري قريباً من العدد الفعلي وللنساء مكان مخصص وعددهن وصل لأكثر من ألف.



جاءت لجنة استقبال وتتكون من أحد الأئمة الذي لبس عمامة صغيرة لفها بأناقة على رأسه ويلبس ثياباً بيضاء ويبدو شاباً لا يكبرني بأكثر من ثلاث أو أربع سنوات، معه فريقان من الأطفال وقفوا على شكل سطرين، أوقفني وداوود في المنتصف، الأطفال يحملون دفوفاً صغيرة ويلبسون العمامات البيضاء وثياباً بيضاء، وأنا أحاول التهرب من هذا الموقف بالحديث مع داوود الذي لم يرى مشكلة في أي شيء نراه، كنت أريد أن تبتلعني الأرض في هذه اللحظة أعرف ما الذي سيأتي ولا أريد أن أبقى لحظة هناك.

الإمام تأكد أن الكل جاهز ثم أعطى إشارة البدء، رفع الأطفال دفوفهم وهزوها بطريقة عجيبة وضربوا عليها لحناً بطيئاً معروفاً، الإمام رفع رأسه وبدأ في الغناء "طلع البدر علينا" وأنا أريد حقاً أن تبتلعني الأرض أو أختفي من على وجه الأرض بأي طريقة، أشعر بالإحراج الآن وأنا أكتب هذه الكلمات، كنت أريد تقليد عادل إمام عندما قال حكمته الشهيرة "يا خرابي!" لكن بلا فائدة، المفاجأة كانت من العيار الثقيل جداً ووجهي يكاد يشوي نفسه من الحرارة، لم أمشي مع ضاربي الدفوف والتفت لداوود للمرة الألف أريده أن ينقذني وداوود يكتفي بالابتسامة دون فعل شيء فهو أيضاً يعيش نفس الموقف.

الإمام غضب وأمسكني من يدي يجرني بعنف وهو يكمل الغناء، غريب أن ترى وجه الرجل غاضباً وهو يغني "من ثنيات الوداع، وجب الشكر ..." لم يكمل لأن الخطيب طلب منه أن يهدأ، "أوف، الحمدلله" انتهى الاحراج والآن مرحلة أخرى مختلفة من المجاملات الاجتماعية التي أمقتها، دخلنا والخطيب يسأل هل هذا عربي واحد أم اثنان؟ داوود يلبس ثوباً كالذي نلبسه في الإمارات فظنوه عربي مثلي، ثم بدأ الإمام في التكبير والحمد لأن عربياً بينهم، الإحراج ذهب وجاء الغضب.

لماذا يبالغون في التحية والسلام والانحناء ورسم الابتسامات؟ أقدر ذلك لكنني أرى أنني لا أستحق كل هذا وكوني عربي لا يجعلني أفضل منهم والأفضلية في ديننا أساسها التقوى لا كون المرء عربياً أو غير ذلك، غضبي ازداد إلى حد لا يمكنني وصفه عندما جاء رجل ومد يده يسلم فسلمت فجرها وقبلها، أخذت يدي ونهرته فابتعد مبتسماً، لا أحب المديح بكل أشكاله وأستعيذ بالله منه فلا يدري أحدنا متى يدخل الكبر قلبه ويعجب بنفسه ويبدأ في الحديث عن الأنا، أنا فعلت وأنا فعلت.

التقدير والاحترام شيء وأن يرى الإنسان أنه أقل من الآخرين شيء آخر، منذ صغري وأنا لدي فكرة مجنونة - في هذا الزمن على الأقل - تقول بأن الناس كلهم سواء وكلهم يستحق التعامل باحترام وتقدير إلا إن فعلوا ما يجعلهم يستحقون غير ذلك، ولا فرق لدي بين الفراش وأكبر رأس في البلد بل أتواضع للفراش أكثر لأنني أجد البركة بين البسطاء والمساكين من الناس، ومن المفترض ألا يرى الفراش أو المسكين نفسه أقل من الآخرين لقلة ماله أو لتواضع مكانته في المجتمع ومن المفترض ألا يراه الآخرون بنظرة دونية، لكن هذه مثالية في عالمنا اليوم لأننا نعيش في زمن يرى فيه بعض الناس أنه من الوقاحة أن أقول ما قلت وأن ألمح إلى أن الناس متساوون فكيف يستوي علية القوم مع من دونهم؟

بقينا لنصف ساعة كما وعد داوود ونزلنا من المنصة وأذناي تريدان التبرأ مني بعد أن وقفتا أمام سماعات تصرخ في وجوهنا مع كل كلمة يقولها العالم الخطيب، والخطبة لديهم ليست كالخطب التي نعرفها، العالم لم يكن يتكلم بقدر ما كان يغني، يسرع في نطق الكلمات في أول الجملة ثم يمد آخر جملة كأنه يؤذن، أخي مرشد يعرف جيداً كيف يقلد هذا الأسلوب ويستخدمه في الوقت غير المناسب دائماً.

الرجل الذي حج ولم يحج
إحدى القصص المحزنة التي سمعتها هناك قصة رجل ذهب عقله لشدة رغبته في الذهاب إلى أرض الحرم، يشتاق لرؤية الكعبة وزيارة المدينة وفي كل عام يقول للناس أنه سيذهب إلى هناك لكن الفرصة لا تأتي أبداً وقد لا تأتي لأنه رجل فقير والحج يكلف الكثير، بدأ يحمل صورة للكعبة معه ويريها الناس ويخبرهم أنه سيذهب، ثم تغير شيء ما فيه جعله يصدق نفسه أنه ذهب فأصبح يخبر الناس أن ذهب وطاف ورأى وفعل وهو لم يفارق المكان الذي ولد فيه.

شريط يومي مسموع
قصة أخرى لكنها مضحكة، أخبرني داوود عن رجل هناك يعمل في التجارة والأعمال وله اتصالات كثيرة بالآخرين، عندما ينام الرجل يفعل شيئاً عجيباً، فهو يكرر اليوم الذي مر به بشكل صوتي، بمعنى أنه يعيد تسجيلاً صوتياً ليومه، فلنتصور مثلاً أنه في ذلك اليوم اتصل بفلان ثم خرج من المؤسسة وقاد السيارة وذهب إلى بيت فلان وضغط الجرس، ما سيفعله الرجل أثناء نومه هو تكرار صوتي لليوم، سيعيد المكالمة ثم سيقلد صوت السيارة ثم يقلد صوت الجرس "دينغ دونغ" ثم سيكرر حواره مع فلان، يفعل هذا في كل ليلة! ولا يحاول أي شخص إيقاظه لأنهم جربوا ذلك من قبل ولم يجدوا سوى صفعات على وجوههم يعود بعدها الرجل لنومه وإكمال شريطه الصوتي.

11 فبراير, 2010

مواضيع لا أكتبها

يوماً بعد يوم تزداد عدد المواضيع التي لا أكتبها، أسأل نفسي "هل هناك فائدة؟" ويأتي الجواب "لا" ليس لأنني يائس بل لأن زوار مدونتي ليس الجمهور المستهدف لهذه المواضيع بل أناس آخرين لن يصلهم كلامي، خصوصاً أعضاء بعض المنتديات التي أزورها، حاولت أن أكتب أفكاري في أحد هذه المنتديات، قمت بإنشاء بريد جديد لم أستخدمه إلا للتسجيل في المنتدى، اخترت اسماً وهمياً لكن الأعضاء ظنوا أنه اسمي الحقيقي، وبدأت أكتب ردوداً ثم كتبت بضعة مواضيع.

هذه التجربة جعلتني أتذكر لماذا خرجت من المنتديات، الحوار مع كثير من الأعضاء ليس له فائدة تذكر لأن أسلوب الحوار المتبع لديهم لا يختلف عن كلام بوش الصغير: إما معي أو ضدي، إما نتفق أو نختلف، لا توجد حالة وسطى نتفق فيها على بعض النقاط ونختلف على بعضها، وإن اختلفت معك مرة فسأختلف معك طوال الوقت فقط لأنني كرهت رأيك في موضوع كذا وكذا.

هذا التطرف الحواري يذهب إلى المواضيع نفسها، فإن كتبت معارضة لشيء ما تأتي الردود لتقول لي أنني أعني بأنني أريد الشيء الآخر المضاد لما أنتقده والذي يعني بلا شك أنني أريد التطرف أيضاً، ولدي أمثلة مختلفة لتوضيح ذلك، المنتدى الذي سجلت فيه إماراتي لذلك كنت المواضيع المطروحة تدور حول بلادنا.

خذ خطبة الجمعة الموحدة مثلاً، إذا انتقدها شخص ما يفترض الأعضاء أنه يريد أن تصبح الخطب متطرفة إرهابية تدعوا للتطرف والإرهاب، ويذكرونه بأن الخطب اليوم هادئة عقلانية وأن خطب الأمس كانت صراخاً وتشدداً وتطرفاً وإرهاباً، من يقرأ لهم يتصور بأن الإمارات كانت غابة موحشة في الماضي وأن الخطباء كلهم كانوا يدعون الناس إلى الإرهاب وهذا بالطبع غير صحيح، عدد الحالات التي أتذكرها والتي تسببت في فصل الخطيب لكلام قاله قليلة ويمكن عدها على يد واحدة، ويمكن التخمين بأن هناك مزيد منها لكنها لم تصل إلى ظاهرة تدعوا للقلق.

ألا توجد حالة وسطى؟ أو حتى حالات وسطى؟ ألا يمكن أن نجمع بين توحيد الخطب وترك الحرية لبعض الخطباء بأن يقولوا ما يريدون؟ يمكن فعل ذلك، ويمكن للجهات المسؤولة أن تعرف من هو الخطيب المناسب الذي يمكن الوثوق به لكن فكرة "ترك الحرية" أصبحت صعبة وتزداد صعوبة مع الأيام مع رغبة البعض في إحكام السيطرة أكثر على وسائل نشر الأفكار ومحاولتهم وضع مرشحات تمنع الأفكار أو تسمح لها بالمرور على حسب أهوائهم.

أي قضية لها علاقة بالدين يمكن إدخال اتهامات التطرف والإرهاب فيها، مرحباً بكم في عالم ما بعد 11 سبتمبر حيث التدين تهمة، الاتهام بالتطرف وسيلة رائعة لإسكات الآخرين أو لتغيير مسار الحوار والتشويش عليه.

بعد ذلك هناك الأعضاء الذين يريدون أن تكون الحياة وردية اللون لا مكان فيها للسلبية والتشاؤم والمشاكل، الورديين اسم مناسب لهم، أحد الأعضاء يشتكي أن المؤسسة الفلانية لم تنجز له معاملته مع أنه أحضر كل الأوراق المطلوبة وفعل كل شيء تحتاجه المعاملة، يأتي أحد الورديين هؤلاء ويردد عليه الشريط المعروف، الاسطوانة المشروخة، الأغنية القديمة: راجع المسؤولين وما في داعي تكتب مثل هذي المواضيع والمسؤولين ما بيقصرون.

ما الداعي إذاً لوجود المنتديات والمدونات؟ ولماذا تكتب الصحف عن أي مشكلة في أي مؤسسة؟ بل ولماذا لدينا برامج البث المباشر؟ لم أكن أعلم أن الأمر بهذه السهولة، إن كان فقط الكلام مع المسؤولين سيحل المشكلة فلا أظن أن هناك أي داعي للشكوى في أي وسيلة إعلامية، هذا بالمناسبة يذكرني بأحد المذيعين في برامج البث المباشرة، يردد على المتصلين نفس الكلام "كلم المسؤولين" وحتى أصحاب الرسائل النصية القصيرة يسمعون الحكمة اليومية تردد عليهم "كلم المسؤولين،" لماذا يتعب المذيع نفسه بأن يعمل في هذا البرنامج إن كان هذا ما يقدمه للناس كحل لمشاكلهم.

الورديين يعيشون بيننا، رأيت أحدهم يشهق بصوت عالي مستنكراً كلاماً قلته، يمكن أن أقول بأنه رجل طيب يريد الخير للناس كلهم ويرى الخير في كل الناس وهذا أمر طيب، المشكلة أن المشاكل ستكون موجودة ما دام أن هناك أناس يعيشون مع بعضهم البعض، المشاكل ستبقى موجودة لأن الناس يأتي منهم الخير والشر ولا يمكن أن نرى الكل بعيون وردية.

هل أكمل؟ لا داعي لفعل ذلك، تجربتي في ذلك المنتدى مر عليها أكثر من عام الآن ولم أعد للمشاركة، حتى هذا الموضوع يجب أن يكون أحد هذه المواضيع التي لم أكتبها، من أراد الحوار والعمل فعليه بأرض الواقع، الأمور مختلفة على أرض الواقع، قليلاً وكثيراً.

09 فبراير, 2010

كتب من لولو

سبق أن كتبت مرة عن تجربة الشراء من لولو، ولمن لا يعرف لولو هو موقع للنشر حسب الطلب، يمكن لأي شخص أن يؤلف كتاباً ويضعه هناك ثم عندما يشتري أي شخص نسخة من الكتاب تطبع النسخة وترسل للمشتري، هذا الأسلوب يجعل الكتاب متوفراً طوال الوقت فليس هناك مخزون ينتهي وهذا من ناحية يوفر التكاليف لأن المؤلف ليس بحاجة لطباعة ألفي نسخة وتخزينها في مكان ما، وموقع لولو لا يقتصر على طباعة الكتب بل الأقراص الضوئية والتقاويم وألبومات الصور وغيرها.

اشتريت 10 كتب من لولو هذه المرة وقد فعلت ذلك في أواخر شهر ديسمبر، وقت غير مناسب للتسوق في المواقع العالمية لأنها تكون مشغولة بموسم أعياد الميلاد في الغرب وهذا الموسم تنتشر حمى التسوق والشراء والاستهلاك، وأسواقنا لا تذهب بعيداً عن هذه الصورة فمراكز التسوق لدينا تحتفل بنفس المناسبة كوسيلة تسويقية لحث الناس على شراء أشياء كثيرة لا يحتاجونها.

لأنني اشتريت في الوقت غير المناسب تأخر طباعة الكتب وإرسالها لمدة شهر تقريباً، راسلتهم وجاء رد أحد الأشخاص معتذراً وطبعت الكتب وأرسلت ووصلت في صندوق كبير كان يحوي تغليفاً مبالغاً فيه لحماية الكتب، وبالفعل الكتب خرجت من شبكة التغليف سليمة جميلة، كل الكتب طباعتها أنيقة.

هناك روايتان من بين الكتب العشرة، The Mothaich وThe Staggering Depths of Blissfulness، لم أقرأ عنهما كفاية لذلك يمكن أن أقول بأنني تسرعت في شرائهما.

ومن بين الكتب كتابان عن السفر، الأول عن رحلة إلى القطب الشمالي بسيارات تسير على ثلاث عجلات! الثاني عن زوجان سافرا حول العالم،

أكتفيت بكتاب واحد عن التقنية وفي رأيي هو أحد أهم الكتب التي تتحدث عن تاريخ الحاسوب مع أنه كتاب صغير الحجم، أهميته تعود لمؤلفه وهو تيد نيلسون، من الصعب أن أتحدث عن تيد فهو شخصية مميزة وغريبة وله آراء أوافق عليها بخصوص عالم الحاسوب إذ يرى تيد مثلاً أن ما نراه اليوم من واجهات وما تحويه من تفاصيل كلها خطأ في خطأ وما كان يفترض أن يحدث هو شيء آخر تماماً، تيد يرى أن الحواسيب اليوم لا تقدم إلا جزء صغيراً مما يمكنها أن تقدمه.

لاحظ غلاف الكتاب، لم يعض المؤلف هذه الصورة إلا بعد أن رفضت شركة مايكروسوفت تزويده بصورة محترمة لائقة ببيل غيتس.

بقية الكتب هي:
وكتابان عربيان للأخ رؤوف شبايك:
حقيقة لم أكن أتصور أن الكتب العربية ستظهر بهذا الشكل الأنيق، لو أهديت الكتب لشخص ما فلن يعرف أنها من طباعة موقع لولو إلا إذا أخبرته، كتاب انشر كتابك بنفسك أراه مهماً ومن الضروري أن يقرأه من لديه طموح لنشر الكتب، سوق الكتب العربية يتحسن لكن النشر فيه ليس سهلاً لذلك موقع لولو يصلح لمن يريد حرية أكبر في النشر.

08 فبراير, 2010

الرحلة الهندية - 4

هذا مقالة مصورة تلبية لطلب الأخ أبو عامر مع ملاحظة أنني لم أعدل في الصور بل أعرضها هنا كما هي، الصورة أعلاه لقطع من المطاط تجفف تحت لهيب الشمس، كنا في طريقنا إلى أول مسجد بناه أبي وهو في منطقة جبلية وعرة، في الطريق رأينا مزرعة للمطاط ورأينا قطع المطاط منشورة على حبال، توقفنا وتحدثنا مع المزارع هناك.


تحفر قنوات صغيرة على شجرة المطاط وينزل من الشجرة مادة بيضاء كالحليب تجمع لتوضع في آنية كما في الصورة، عندما تتحول المادة إلى مطاط صلب بعض الشيء يجفف في الشمس ثم يباع لمصانع إطارات السيارات، بينما نحن نتحدث مع المزارع رأيت ابنته الصغيرة تقف بعيداً عنا مسندة ظهرها لجدار البيت فالتقطت هذه الصورة:


شخصياً أرى أنها أفضل صورة التقطتها في الرحلة.


هذا جزء من عمود خشبي رأيته في مهرجان وصلنا له بعد أن انتهى ... للأسف.


هذه السلال تستخدم لتخزين الأرز ويمكنها أن تحافظ عليه لسنوات، صورة من المهرجان أيضاً.


توقفنا قبل المهرجان في مكان يشبه الكورنيش، منطقة جميلة مطلة على نهر لكن هناك عشرات من الهندوس يستحمون في النهر ويحلقون رؤوسهم هناك والرائحة لا تطاق، في زاوية من النهر لم يكن هناك أحد ورأيت هذه الشجرة، كان علي أن ألتقط صورة لانعكاسها على الماء كذلك.


في مزرعة خصصها أبي كوقف لمسجده رأيت هذا الجذع مغطاً بالفطر.


في طريق عودتنا من زيارة مسجد أبي توقفنا فوق جسر والتقطت هذه الصورة، الجو لديهم هذه الأيام بارد بعض الشيء ولا ينزل فيه المطر لكن التغيرات المناخية يمكن ملاحظتها، بعد دقائق من وقوفنا هناك نزل المطر، والمطر لديهم ليس كالمطر لدينا، ينزل على شكل قطرات كبيرة ثقيلة.

في طريقنا إلى منطقة تسمى شيكماغلور وقفنا عند بائع للآيسكريم وبدأنا نلتقط الصور، البائع كان يعمل في دبي في مصنع ما، الوادي أسفل هذه الجبال يحوي ينابيع وجداول ونهراً صغيراً وهناك أناس يسكنون المنطقة بعيداً عن المدن وبعيداً عن الناس، تصور أن تسكن هناك وسط الغابات ولو لأسبوع واحد فقط، أريد تجربة ذلك.



التقطتها على نفس الطريق الجبلي.




في مدينة شيكماغلور توقفنا في السوق والتقطت هذه الصورة، كنت متضايقاً من المدينة وفي الحقيقة لم أجد راحتي هناك إلا بعيداً عن المدن والزحام، أكتفي بهذه الصور، ولدي المزيد.

05 فبراير, 2010

الرحلة الهندية - 3


"الطعام ثقافة" هذا ما كنت أردده بين حين وآخر على طاولة الطعام في بيت داوود، كنت أسأل عن كل أكلة واسمها ومعناها ومما تتكون وداوود كان أكثر من جاهز للإجابة على كل صغيرة وكبيرة، وهكذا استمر حالنا في كل وجبة كل يوم، كلما رأيت نوعاً مختلفاً من الطعام سألت وداوود يجيب، ومحمد ابن داوود يكرر علي أن ما أراه أمامي هو من مكونات ثقافة الهند الجنوبية ووضح أن هناك اختلافاً بين الشمال والجنوب في ما يتعلق بأنواع الطعام.

ما لاحظته أن ما يسمونه "صالونة" وما نسميه المرق يوضع على كل وجبة سواء الإفطار أو الغداء أو العشاء أو حتى وجبة بين الوجبات، والمرق لديهم ثقيل بالزيت والتوابل والفلفل الحار الذي خففوا منه في أيام الرحلة شفقة منهم علي لأنهم ظنوا أنني لست معتاداً عليه وأنا في الحقيقة أريد المزيد منه، قد يحوي المرق قطع من اللحم أو السمك أو الخضار، وقد يضاف له حليب النارجيل الذي يعطيه مذاقاً لا أستطيع وصفه بسهولة، لكنه يقترب من الحليب الدسم الثقيل.

تكرار رؤية المرق يشعرني أنه لا فرق بين الوجبات خصوصاً أن ما لم يؤكل في الإفطار مثلاً سأراه ثانية على الغداء والعشاء،  وبعد أيام تأكدت فعلاً أنه لا فرق بين الوجبات وكل شيء يمكن أن يؤكل في أي وقت.

أنواع الأطعمة في أي وجبة كثيرة وبأحجام صغيرة، لم يمر يوم واحد استطعت فيه تناول شيء بسيط، أنا معتاد على وجبات بسيطة في أبوظبي، الخبز واللبن مثلاً، وفي بعض الأحيان الخبز مع الشاي، وفي أحيان أخرى أكتفي بالشاي، أستمتع بتناول الرز ساخناً وبدون إضافة شيء وأحب أكل الخبز مع العسل فقط، لكن في الهند قضيت عشرة أيام لم تستطع معدتي أن تجد راحة فيها لتنوع الأكل وكثرته وفي آخر أيام الرحلة اشتقت لطعام المنزل وتمنيت أن أشعر بالجوع مرة واحدة.

مرة طلبت منهم بوضوح خبزاً حافياً خالياً من أي شيء وكوب شاي، فأتاني الخبز بأنواع من البهارات والخضروات الخضراء والشاي كان ثقيلاً لم أستطع شربه وتبين لي بعد ذلك أن المنطقة التي نسير فيها بين مانجلور وبانجلور لا يعرف أهلها كيفية إعداد الشاي الأحمر! لم أصدق أذني، هل يعقل هذا؟ نحن في الهند، من المفترض أن يعرف الجميع كيف يعدون الشاي الأحمر أبسط مشروب ساخن.

وحتى الطعام الواحد تجد فيه العديد من التوابل والمنكهات وربما المكسرات وخصوصاً الكاجو الذي يزرع لديهم، وترى الألوان المختلفة في كل صحن وحتى المذاق يختلف، فالحلو والمالح والحماض كلها تجتمع في وجبة واحدة، أظن أن الفكرة وصلت، التنوع في الوجبات لديهم أمر طبيعي، كثرة التفاصيل لديهم أمر طبيعي وفي كل شيء.

لاحظت كذلك كثرة الأسماء مع وجود اختلاف طفيف بين الوجبات، فمثلاً يخبرونني أن هذا خبز يسمى بإسم وهذا يسمى بإسم آخر، أسألهم عن الفرق لأجد أن أحدهم يطبخ بالزيت والآخر بدونه، وهكذا ازدادت الأسماء علي فلم أتعب نفسي بتدوينها أو معرفة الفروق بينها، وظاهرة كثرة الأسماء رأيتها في مكان آخر أيضاً، على الطرقات أجد أسماء كثيرة للقرى والمناطق مع أن الفاصل بين منطقة وأخرى قد لا يزيد عن كيلومتر واحد.

ثم هناك أوقات الوجبات، في بيتنا تعودت على أوقات ثابتة لكل وجبة، الإفطار في الصباح الباكر، الغداء مباشرة بعد صلاة الظهر، والعشاء بعد صلاة المغرب، عادة تناول العشاء قبل صلاة العشاء قديمة وبحسب ما فهمته من أبي هذه عادة الناس قبل النفط، الآن الناس يستغربون عندما أخبرهم عن توقيت العشاء، في الهند ما لاحظته أن الطعام يؤكل في أي وقت، الإفطار يؤكل في الساعة السابعة صباحاً أو الحادية عشر، الغداء يؤكل قبل صلاة العصر أو في بعض الأحيان قبل المغرب، والعشاء مفتوح، وبين كل هذا هناك وجبات صغيرة تؤكل، ربما أخذت هذا الانطباع لأنني ضيف لديهم، لكن داوود أكد لي أن هذا هو الأمر المعتاد لديهم فكنت أسأل نفسي: متى يعطون للمعدة وقتاً للراحة؟ متى ينظفون أسنانهم؟ ثم ما فائدة تنظيف الأسنان إن كان المرء سيعود للأكل بعد ربع ساعة؟


أعود لأنواع الطعام لديهم، الخبز يصنع لديهم بدقيق الأرز والذي يضاف لوجبات عديدة، الخبز يسمى لديهم دوسا ويضاف لهذا الاسم أسماء أخرى على حسب نوع الخبز، فهناك الخبز الأسطوري بايبر دوسا (Paper dosa) الذي حدثوني عنه في كل وجبة ولم أره إلا في آخر الرحلة في مطعم ما، يسمى "بايبر" أي ورق بالإنجليزية لأنه يأتي بحجم كبير كالصحيفة، وترونه مطوياً في الصورة أعلاه.
الأنواع الأخرى من الخبز:
  • نير دوسا، طحين الأرز مع الماء ويطبخ بلا زيت ويكون رفيعاً،
  • ماسالا دوسا، هذا المفضل لدي، خبز يطبخ عليه حشوة من البطاطا والبصل والتوابل.
  • رافا دوسا، لا أدري ما الفرق بينه وبين الأنواع الأخرى، شكله يبدو كخبز المحلى لدينا في الإمارات لكن أثخن ومالح.
  • فيلا دوسا، حلو الطعم ويشبه البانكيك.
    هذه فقط عينة صغيرة من أنواع الخبز، ومع أنواع الخبز تأتي أنواع من المرق والتوابل تسمى شاتني (chutney)، وهي تشبه الحمص والمتبل في الطعام الشامي، وما رأيته من أنواعها كثيرة، بعضها أبيض اللون أو أحمر أو أخضر، فالأبيض قد يكون روباً وهذا لم يأكله أحد غيري فهم غير معتادين على تناوله وحتى الجبن لديهم نادر، ورأيت حليب النارجيل مع شيء من التوابل، أما الأخضر فهي طماطم خضراء مهروسة وفيها كثير من التوابل، وتأتي أكلات أخرى بنفس اللون لكن لم أجرب إلا القليل.

    قبل سفري حدثتني أختي عن احتمال أن أصاب باضطرابات المعدة التي يمكن توقعها عند تناول طعام جديد في بلد آخر ونحن نفترض أن الطعام لن يكون نظيفاً، لذلك اشتريت قبل السفر دواء للمعدة ولم أضطر لاستخدامه طوال الرحلة، لم أصب بأي مشكلة متعلقة بالطعام غير كثرته وتنوعه الكبير، طعام المنازل كان نظيفاً ولذيذاً وأقبلت على تناوله كأن يوم غد لن يأتي أبداً، هذا في أول أيام الرحلة ثم أخذت أتقشف في الأكل بقدر الإمكان وفشلت في ذلك فشلاً ذريعاً وسيأتي الحديث عن ذلك.

    المطاعم غير نظيفة في الغالب لذلك كنا نبحث عن مطاعم نباتية وهي كثيرة هناك، الطعام النباتي جزء من ثقافة الهندوس لأن بعض مذاهبهم تحرم أكل اللحوم، وأظن أن أغلبكم يعرف أن الهندوس مثلاً يقدسون البقر وهم يقدسون مخلوقات كثيرة ويظنون أن أمواتهم يعودون للحياة على شكل هذه المخلوقات، ففي الكوجرات مثلاً هناك معبد مخصص للجرذان والفئران، رأيته في برنامج وثائقي عرض على إحدى قنواتنا، يضعون لها صحناً من الحليب فتأتي في مجموعات كبيرة حول الصحن لتشرب ولا تخشى الناس، منظر يثير الغثيان.

    الطعام النباتي يعجبني وما أكلته في المطاعم كان نباتياً كله، وهم يضعون فيه نوعاً من الحبوب لتزودهم بالبروتين الذي يفقدونه، ولأنهم لا يستطيعون استخدام اللحوم أبدعوا في ابتكار وجبات شهية تعتمد كلياً على النباتات، الأرز هو المكون الرئيسي لهذه الوجبات فتجده يطبخ بأسلوب تقليدي وتصنع منه الحلويات.

    أيام الرحلة قضيتها بين زيارة المساجد وزيارات مجاملة لأناس مختلفين، ولأنني ضيف داوود أصبح العبء علي مضاعفاً فموافقتي أو عدم موافقتي على الحضور ستؤثر أيضاً على داوود، فإن لم أحضر لبيت قريب له قد تنقطع العلاقة بينهم، فكيف يحضر عربي ولا يجره داوود إلى بيتهم؟ العربي لديهم كائن مختلف، بحسب ما قاله داوود لم يزر العرب المناطق التي زرتها إلا قبل عقود، بعض المناطق لم يزرها عربي واحد منذ سبعين عاماً، مناطق أخرى جائها عربي آخر قبل ما يزيد عن 15 عاماً من الإمارات وكان ضيف داوود أيضاً.

    كنت أشعر بالحزن والفرح معاً عندما يخبرني أحدهم أنني العربي الأول الذي يزور منطقتهم منذ كذا وكذا، حزين لأنني أرى أن على العرب وخصوصاً الدعاة وفاعلي الخير أن يزوروا المسلمين في كل مكان ليعرفوا أحوالهم، المسلمون حول العالم ينظرون للعرب نظرة تقدير واحترام لكونهم عرباً ولأنهم يسكنون أرض النبوة والحرمين ولأنهم كما قيل لي "أحفاد الصحابة" هذا من ناحية يجب أن يسعدنا ومن ناحية أخرى يجب أن يحزننا لأن أحفاد الصحابة لم يسيروا على ما سار عليه الصحابة، هؤلاء المساكين لا يدرون أن من أحفاد الصحابة أناس لا يعرفون من الدين سوى الاسم وبعضهم أنكر الدين.

    داوود كان يرتب برنامج الرحلة ويغيره بحسب الظروف، شخص ما دعانا فلنذهب له، وأنا وعدت بزيارة ثلاث بيوت قبل أن أسافر فذهبنا إلى هناك، وفي كل زيارة تأتي دعوات أخرى، وفي كل وليمة يحاول صحاب البيت أن يضع كل ما يستطيعه للضيف العربي، وفي كل وجبة أحاول أن أتناول القليل فيصرون على وضع المزيد فآكله لأنني أستحي أن أقول لهم لا، فيحاولون إضافة المزيد بعد ذلك وهنا أتمكن من قول "لا" لأنني - صدق أو لا تصدق - لا أملك معدتين، هناك مساحة محدودة في البطن وقوانين الفيزياء تحكم هذه المساحة لا قوانين الضيافة.

    كان الناس كرماء على فقرهم، عندما نزور المساجد لم يكن أغلبهم يعرف أننا سنفعل ذلك وإلا لأعدوا وليمة، كنا نفاجأهم بوصولنا فيسرعون لإعداد الشاي والنارجيل وشيء من البسكويت، النارجيل يقطع جزء منه ليشرب ماءه ثم يكسرونه ويصنعون بجزء منه ملعقة فنأكل ما بداخل النارجيل، هذا أعجبني أول مرة لكننا زرنا مساجد أخرى وبدأت ما سميته لاحقاً ضيافة النارجيل، وعلى كثرة ما شربت منه كرهته من أعماق قلبي ولم أستطع أن أقول لا، هؤلاء الفقراء لا يجدون ما يقدمونه سوى هذا النارجيل وكنت أخشى من أن أكسر خاطر أحدهم، وبعد النارجيل يأتي الشاي والبسكويت وكل شخص يحاول أن يقدم أفضل ما لديه من ضيافة وبشاشة لهذا الضيف العربي الذي يزورهم، كنت أشعر بالإحراج لأن الجميع ينظر وأتمنى لو أستطيع الحديث بلغتهم لأخبرتهم أنني لست أفضل منهم ولا شيء يجعل العربي خير من الأعجمي، ديننا جعل الناس سواسية والتقوى هي معيار التفاضل وأعلم يقيناً أن هؤلاء خير مني.

    زرنا مرة منزل رجل غني فهو تاجر يعمل في صناعة الأثاث، الرجل بالغ في إعداد وليمة وقد كنت وقتها أريد التخفيف من الطعام، فأكلت ما وضعته لنفسي من أرز ولحم ثم وضع الرجل كوباً من مشروب غازي يشبه السفن أب، شربته وأردت أن أقوم لكنه سحب صحني وأشار لي إن كنت أريد مزيداً من الأرز فقلت "لا، شكراً" فوضع لي ملعقتين كبيرتين من الأرز ووضع كوباً آخر من نفس المشروب، إصرار عجيب، قلت لداوود أن يقول له بأنني لا أستطيع تناول المزيد، فهز الرجل رأسه مبتسماً وسألني إن كنت أريد مزيداً من اللحم!

    قمت بعد أن تأكدت أنه لا توجد مساحة في معدتي وجلست في غرفة أخرى، جاء الرجل ومعه صحون الحلوى ووضع لي ثلاثة منها، قلت له لا أستطيع فقرب لي أحدها! جاء المنقذ داوود وأخبرني أن آكل من كل صحن بضعة ملاعق وأكتفي بذلك، لم تعجبني الفكرة، لا يمكنني أن آكل القليل ليرمى بالباقي في سلة المهملات وأنا في الهند أشد حرصاً على عدم التبذير فقد رأيت الجوع والفقر والتشرد، بعد هذه الوجبة قررت أن أقول لا وانتهى الأمر، بدأت أكتفي بكوب شاي أو حتى ماء.

    أكتفي بهذا ولا زال لدي المزيد.

    02 فبراير, 2010

    مضرب الأمثال ... لكن خارج السياق

    موضوع صغير قبل أن أعود للكتابة عن الهند، قبل سفري أرسل لي الأخ شبايك رسالة قصيرة بعنوان "أصبحت مضرب المثل" وأرفق فيها صورة من موقع اقتباس كوم يحوي سطراً من موضوع كتبته في مدونتي السابقة، الاقتباس يقول:
    أصبحت خطبة الجمعة حصة تعذيب أسبوعي.
    أضحكتني الصورة وأخافتني في نفس الوقت، لدينا هنا مشكلة، في أي سياق قلت هذا الكلام؟ ولماذا قلته؟ هذا ليس مثلاً ولا اقتباساً يستحق أن يردده الناس، فقد تحدثت عن خطبة الجمعة لدنيا في أبوظبي وكيف أنني غير راض عن توحيد الخطب وأنني في الماضي كنت أذهب لأحد المساجد تحت لهيب الشمس لأستمع لخطيب يعجبني كلامه وخطبه لأنني أشعر بكلماته تخرج من القلب، لكن الأمور تغيرت وأصبحت الخطب متشابهة في كل المساجد ولم يعد فرق بين الصلاة في هذا المسجد أو ذاك، أصبحت الخطبة باردة لا روح فيها.

    الموقع يعرض اقتباسين لي، الثاني في رأيي أسوأ من الأول، بيت شعر لأبي تمام حرفته قليلاً، وقد كتبته لموضوع حول الصحفي العراقي الذي قذف حذائه تجاه وجه الأحمق المطاع، ما قاله الشاعر يستحق أن يردد ويستخدم في أحاديث الناس، هذا ما يفعله البعض بشعر العرب وخصوصاً شعر المتنبي الذي يحوي كثيراً من الأبيات التي نستخدمها في كلامنا.

    نردد "تجري الرياح بما لا تشتهي السفن" عندما يخيب أملنا ولا يتحقق ما نريد، وفي كل عيد نردد "عيد بأي حال عدت يا عيد" ونندب حظنا وحالنا ونشرب الكآبة والحزن في يوم الفرح، وإن أساء لنا شخص ما نردد "وإذا أتتك مذمتي من ناقص فهي الشهادة لي بأني كامل" لا لست كاملاً ولن تكون!

    أفهم أن يستخدم الناس شعر المتنبي وعنترة في كلامهم، لكنني أشعر بالاشمئزاز من نفسي أن أرى كلماتي يعتبرها البعض "اقتباسات" تستحق أن تقلع من سياقها، أخشى أن يأتي يوم أسمع فيه طفلاً في الشارع يردد: النعل أصدق أنباء من الكتب!